تُشكل اللحظة الراهنة التي يعيشها الإقليم لحظة مفصلية، ذات أبعاد وتداعيات، ربما لن يدركها أصحاب القياسات المادية؛ حيث إنك تجد نفسك من الناحية الوجدانية والشعورية بين سندان الواقع ومطرقة الأيديولوجيا؛ فإما أن تتحول إلى ثوري تنظيري، يجوب المنتديات بآرائه التي لا تلقى اهتمام أي شخص، فتكون كالبضاعة المزجاة؛ وهنا تتحول إلى آلة تبريرية بحتة تعمل بناء على نشرة الأخبار الصباحية، وإما أن تحتمي بأصول الأيديولوجيا.

هنا استحضر غلاف رواية سأخون وطني لـ«محمد الماغوط» حيث كان وجهه يحتل حيزًا كبيرًا من الغلاف بنظارة سميكة وقبعة، صارت حكرًا على مظهر المثقف العربي الثائر، ولفافة تبغ تتدلى من شفتيه، كأنه اتخذ قراره فعلًا، وفي حضرة الاستحضار أقف أيضًا مع مفكر له ثقله، جمع بين العمل والتنظير، ويقال إنه دفع حياته ثمنًا لما كتب؛ ألا وهو الشهيد «سيد قطب»، استحضره تحديدًا وهو بكامل هندامه، يمشي الهوينا إلى حبل المشنقة.

هذا الاستحضار ليس المطلوب منه أن ندخل في حالة انخطاف صوفي يغيبنا عن الواقع، وإنما المطلوب منه ذلك التقارب العجيب بين فكرتين متضادتين، وصل أتباعهما إلى نقطة نهائية مشتركة، ولكن ليس بقصد خيانة الوطن، قدر القصد منه الحالة الوجدانية التي وصلت إلى الحد الذي يقول معه أتباع الأيديولوجيا «سأخون مبدئي»، نعم فنحن الآن على شاكلة الثوري الماغوطي المزينة لغلاف روايته، نجلس على أرصفة المواقف، لا ندري هل سيقتلنا المارة، أم سيقتلنا عنفوان سيد قطب الذي يسكننا؟

ولا أزعم هنا أني أتحدث باسم شريحة من الناس أو طبقة من المثقفين، وإنما أقف معك على صراع طويل المدى، عميق الغور لا أدري هل سيجني عليّ أم سأنتصر عليه ظاهرًا؟!

إن الأيديولوجيا التي يحملها الدعاة أصحاب الأهداف لا المناصب تشكل المحرك الأساسي لهم، والتي تتطلب منهم مواقف صارمة في أي لحظة، وأول تلك المواقف نكران الذات، فلا تجد داعية صاغته التجربة وعركته الحياة عارك الأديم يتطلع إلى شهرة أو سمعة أو منصب، إنما يعمل بجد وجهد؛ ليصل بالقافلة جميعها سالمة غانمة، حتى إن هلك وهو يفعل ذلك.

وثاني تلك المواقف أنه يتسلح بالمفاصلة باعتبارها أسلوب حياة، ونهج تعامل إن كان فردًا؛ أي إنه يقاطع الباطل مقاطعة تامة، كاملة شاملة بصورته الفردية، وهذا لا ينسحب على من يتبوأ منصبًا باسم إخوانه ودعوته؛ وذلك لا يعفيه من المفاصلة البتة، وإنما يفتح له باب السياسة الشرعية والاستصلاح بما يعود بالنفع على الكل.

وبالحديث عن السياسة الشرعية فإن ما يحكمها هو البحث عن مصلحة الجماعة والأمة، وكذلك فقه الضرورة؛ أي إنها استثناء لا أصل، وهذا الكلام موجه للذين تهجموا وتهكموا على الممتعضين من المصالحة الفلسطينية، إذ إنهم اقتطعوا بعض النصوص الشرعية وحولوها إلى منشورات على مواقع التواصل، دون أن يبينوا لمن ينقل عنهم أنهم اقتطعوا النصوص من سياقها، وساقوا خلاصة الحِكَم التي توافقهم دون أن يشرحوا للمتابعين مناطها، والظروف التي يؤخذ فيها بمثل هذه الرُخص.

وهنا أسجل استغرابي من الحديث عن أكل لحم الخنزير للمضطر، وكذلك حديث شرب الخمر بقدر ما يدفع الغصة؛ فالأمر أصبح استقطاعًا للنص، وقياسًا فاسدًا بالصورة التي نشرها جيش المبررين، وإن كان من رد على طريقتهم وبنفس أسلوبهم؛ فإن الداعية يفتي الناس بالرُخص، ويأخذ هو بالعزيمة؛ أي إن ما يجوز لأهل غزة كشعب لا ينسحب على الفصائل المقاومة. فالمطلوب من المصالحة مصلحة الشعب، وهنا يجوز لهم الاستدلال مع فجاجة الأسلوب، وسطحية التبرير مع الدعاء أن يهنئ شعب غزة بكله وكلله بما يستحق بعد عقد من المعاناة.

نعود إلى ما استحضرنا من حالة وجدانية؛ فإن المتابع يجد نفسه في أعمق حالة حيص بيص يعيشها، فالمحاور المتنافسة على المنطقة وفيها محاور متعادية ظاهريًا، ومتقاطعة المصالح واقعيًا؛ فالمال السياسي هو المحرك، ورغبة بعض القبائل الهامشية على مدار التاريخ إثبات وجودها، حيث إن التعلم الأهوج يقلب المفاهيم ويجعل الحليم حيرانًا.

وهنا يبرز السؤال لأصحاب الأيديولوجيا هل نستسلم كما فعل بطل رواية الماغوط، أم نستمر إلى آخر لحظة ونفس كما فعل قطب؟ مع إننا لا نعرف من سينصب لنا المقصلة في ظل إقليم متخبط ممزق تعيث فيه مشارط المراهقين يمنة ويسرة.

ليس الأمر انتقادًا للمصالحة، ولا للتقارب بين المحاور المتناحرة منذ الأزل، ولا حتى عن الحرب بالوكالة، ولا مسًا بأيقونات الردح الإعلامي في المنطقة، إنما الحديث عن حالة المثقف الذي كاد بصره ينطفئ وهو يقرأ «الظلال، والعدالة الاجتماعية، ومقومات التصور الإسلامي» وأصيب بالغضاريف، وهو محني الظهر يقرأ الآراء والردود عليها، وكاد رأسه ينفجر وهو يركض وراء التيارات والمذاهب الفكرية المعاصرة؛ ليجد الفرق، ويمحص الآراء، ومن ثم يقف على أقرب طريق ومسلك للصواب، فإنه يقف ما بين ثورية اليسار دون فكره، وتضحيات أصحاب المفاصلة عبر التاريخ المعاصر وحتى لحظة كتابة هذه الكلمات.

إذًا لا يمكن أن تلغي أيديولوجيا عميقة ومؤصلة، يدفع أصحابها ثمن كل حرف منها دمًا وجهدًا وأعوامًا تنصرم في غيابات جب الظلم؛ وعليه فإن الآخر بعد التطورات الأخيرة لم يعد ابن الفكرة المضادة، أو التيار السياسي المنافس؛ بل للأسف صار المخالف أو المنتقد أو حتى المستفسر عما يجرى.

وهذا تنطبق عليه ثقافة التعامل مع الآخر التي تبدأ من التسفيه والتحقير، وإن لم يكن فالإقصاء من الحياة العامة بأي صورة، وصولًا إلى الإلغاء التام بالسجن أو ما شابهه، وصاحب ثقافة الآخر المنتقد لا تعوزه الأساليب، ولك أن تطلق العنان لمخيلتك.

ختامًا إن الذي يجلس الآن على قارعة أي طريق تتجاذبه الآراء، وتتقاذفه أمواج التبرير، أقول له: إنك يا صاح لا تملك إلا المبدأ، فلا تفكر مليًّا فنحن ولدنا في وسط الأُتُون ولم نولد للراحة، وإن هَالَكَ ما ترى وتسمع في المنطقة ككل؛ فسلح نفسك بتعمق أكبر في المبدأ. وما أجملها ميتة تلك التي نالها «أبو ذر الغفاري» في الربذة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد