في السنوات القليلة الماضية وعلى ما يقرب من 10 أعوام وتزامنًا من اندلاع ثورات الربيع العربي، وظهور كيانات جديدة على الساحات، تعالت الأصوات التي تطالب بتجديد الخطاب الديني، وبروز موجات التطرف والتي من شأنها أن تستدعي صياغة جديدة للأُسُس الدينية كافة، ولجميع الأديان التي يدين بها سكان المنطقة قاطبة، صياغة تواكب الحداثة العصرية لإقامة مجتمعات عصرية على غرار المجتمعات الغربية «على حد نداء الدعوات».

لكن هذه الدعوات كانت لفصيل بعينه ولأغراض معينة فقد جاءت مُجحفة بحق المسلمين خاصة – والحديث هنا ليس من منطلق النزعة الدينية أو العقائدية وإنما من قبيل أنهم فصيل أصحاب مِلّه يدينون يدين كسائر الأديان – لكن ازدواجية هذه النداءات والدعوات وضعت المسلمين تحت أسنّة رِماح الغرب الإعلامية والهجمات التشويهية بذريعة نصوص معتقدهم التي لا تخلو آياته وأحاديثه عن الجهاد عُقر التطرف، وكانت هذه النصوص وسيلة لظهور كيانات وتنظيمات موازية، والتي بدورها اتّخذت هذه النصوص كمُبرر لممارساتها، وفي سبيل أن الديانات على مر العصور، سواء كان الإسلام أو المسيحية أو اليهودية أو حتى تلك الديانات الثانوية لم تخل يومًا من العناصر التي تشذ عن القاعدة أو كانت بمثابة الجزع المائل في الشجرة.

ولكن قد تختلف نظرية أو أيديولوچية التعامل مع مثل هذه الأفكار الخارجة عن مضمار الطريق المستقيم الذي ينادىي بالتعايش في ظل بيئة القانون دون التمييز على أساس المذهب العقائدي والذي من شأنه أن يُعيد هؤلاء الشاردين إلى مضمارهم الصحيح، أو قد يُؤجج الأمر ويصل إلى حمل السلاح في وجه الدولة.

إن شُمول نزعة الاختلاف واحتوائها ليست بالأمر المُستحيل الذي لا يمكن تحقيقه، ولكن يستوجب حصافة من تلك الأنظمة الحاكمة في التعامل مع مثل هذه الأزمات كما أن لرُهبان الديانات وأئمتها النصيب الأكبر في إدارة مثل هذه المسائل، لكن هذه النَزعات قد تأتي كما يقولون «على طبق من فضة» لبعض الأنظمة كاستخدام فزّاعة الإرهاب للإبقاء على العروش، وترهيب تلك الشعوب من شبح الإرهاب المحدق بالبلاد.

إيتا.. «E.T.A» وطريق الاحتواء

في31 يوليو (تموز) 1959، وعلى يد مجموعة من الطلاب المتطرفين تأسست منظمة «إيتا» المنشقين عن جماعة «أكين»، المنشقة بدورها عن الحزب القومي الباسكي الحاكم حاليًا.

مارست منظمة – إيتا – الإسبانية المسلحة، التي تسعى منذ نهاية الخمسينات إلى الانفصال بإقليم الباسك عن إسبانيا وتأسيس دولة اشتراكية مُستقلة، كل النشاطات المسلحة العنيفة من قتل وتفجير، واختطاف من أجل تحقيق هدفها. وأدت أنشطتها منذ أن تأسست، وحتى الآن إلى قتل المئات، وجرح الآلاف كما أضرت بالاستقرار السياسي في إسبانيا على مدار سنوات.

وارتكزت عقيدة المنظمة على أعمدة هي:

  • الدفاع عن اللغة الباسكية.
  • العرق الباسكي.
  • معاداة ومقاومة الإسبانية.
  • أخيرًا استقلال بلاد الباسك.

بدأت قوات الأمن الإسبانية بملاحقة أعضاء هذه المنظمة التي تمكنت عام1962 من ترسيخ أرضيتها أثناء مؤتمرها الأول الذي عقد في «دير بييوك» في فرنسا، وعُمّدت فيه المنظمة كـ«حركة ثورية باسكية للتحرير القومي»، وباشرت بحملة قوية تهدف إلى توسيع قاعدتها الشعبية.

تكرّرت أنشطتها الدموية على مدار العقود الأربعة الماضية؛ مما ادى إلى سقوط حوالي الألف قتيل وآلاف الجرحى، من بينهم ضباط وعناصر من القوات المسلحة وقوات الأمن الإسبانية، بالإضافة إلى السياسيين، وأصحاب الشركات، والصحافيين، وعدد كبير من المواطنين، ناهيك عن عمليات الخطف والتهديد والابتزاز التي يتعرض لها حتى أهالي الباسك غير المؤيدين لأعمال ونشاطات إيتا.

وبعد مفاوضات ومُماطلات عِدة وفي 20 أكتوبر 2011 أعلنت المنظمة الوقف النهائي لنشاطها المسلح. وفي17 مارس (آذار) 2017 أعلنت عن إلقاء سلاحها بشكل نهائي. وكانت هذه إحدى صور الاحتواء، رغم أن تلك المنظمة انتهجت وبشكل علني طريق العنف.

إن تخاذل مؤسسات الدولة والمؤسسات الدينية على وجه الخصوص فى تطوير الرؤية الدينية وإيجاد التفاسير المُرضية الكافية لسد الثغرات الناتجة عن عدم الفهم الصحيح لمدلول بعض النصوص المُبهمة المَقصد كان أحد العوامل التي هيأت البيئة الخَصبة لظهور تلك التيارات.

كما أن فقدان شريحة الشباب ثقة الرموز الدينية والتي كثيرًا ما حدثتهم عن الحرية والثورة في وجه السُلطان الجائر، وعلى ما رأوا منهم من تواطؤ مع السُلطان نفسه كان جديرًا بأن تُهدم تلك الثقة، وتدفع بهم إلى هذه الأنظمة والتيارات للاستقواء بها في وجه القمع والبيئة القمعية التي يعيشون فيها، وكانت ردًا على مشايخهم، بأنكم لستم إلا سرابًا تلاشى مع أول موجة في اختبار حقيقي.

لا شك أن المسؤل عن هذا المُولِد – الفوضوي – الذي عمّ أرجاء المُجتمعات العربية ليس هؤلاء الشباب، لكن المُسلّم به أنهم كانوا أساسًا لإقامة هذا الحدث على أرض السُلطان للحفاظ على عرشه بمباركة مشايخه أصحاب – المُولِد – الحاضرين الغائبين عن مُجرياته.

هذه المقالة تعبيرًا عن الرأي فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد