يقال إن لكل ناجح خصمًا، وأن لكل طامح لمستقبل باهر مُثبطًا، وأن لكل صاحب شرة نافث فترة، وهذا ليس تشاؤمًا بقدر ما هو أمر واقع مؤسف طغى فيه الحسد، وتلاشى فيه حب الخير للآخر إلا عند من امتلك قلبًا سليمًا، وما أندرهم في زماننا!

والتسحيج مرادف لمصطلحات أخرى كالتملق والتقرب، مصطلح شعبي في غزة يُوصم به كل ناجح، يرى خصومه أن نجاحه ما كان له الظفر به لولا «تسحيجه» لمديره أو معلمه، وإن كانت الظاهرة «التسحيج» هي مرض العصر اليوم، فإن ذلك لا يعني تعميمها، فلكل مجتهد نصيب.

فكما أن من يتنزع مكانةً ما عبر خوضه لغمار دروب «التسحيج» يصل، بالمقابل فإن بقدر الكد تكتسب المعالي على قدر أهل العزم تأتي العزائم، ويستطيعون الوصول إلى أعلى الدرجات وأميز المواقع والمناصب، وهذا ما لا يُعجب أهل التثبيط فتراهم يقذفون أهل العزيمة بما ليس فيهم، ترضيةً لأنفسهم وقدحًا بغيرهم من أقرانهم وزملائهم سواء أكانوا في مراحل الدراسة المختلفة والمتقدمة خاصة، أم في العمل بمواقعه المتعددة.

وحتى لا يختلط الحابل بالنابل، فإن لكل قاعدة شواذًا، فهناك في الواقع من يصل دون أن يبذل جهدًا وما وصوله إلا لسلوكه درب «المسحجين» والوصوليين، وعادةً ما يكون ذلك على حساب غيره ممن يستحق النجاح، وللأسف الذنب في ذلك يقع على «المسحج» و«المُسحج له»، ولذلك أسباب وأسباب كثيرة.

فالمرء دون أن يُهذب نفسه يطرب في طبيعته البشرية إلى المدح، وعادةً ما يُقرب منه من يتفنون في تلميع الصور ويتقنون أصول التزلف والتملق، وهذا مرض مستطير يقع فيه الكثير من ذوي المناصب ومن يتحكمون بمصائر الناس عادة من خلال مواقعهم المختلفة مع معرفتهم الواثقة بتملق أولئك النفر و«تسحيجهم»، ومن ناحية أخرى فإن «المُسحج» الذي ارتضى المهانة والذلة، يُقنع نفسه بأنه لا يفعل خطأ بما يفعله، كما يعتقد أن هذا الأسلوب الطريق الأقرب للوصول إلى «العلا» والمكانة «المرموقة» حسب ظنه، وعمومًا فإن كل من طرفي العلاقة يتحمل مسئولية التشوهات الخَلقية التي طرأت على العلاقة.

وإن كانت هذه الآفة منتشرة، فإن انعكاساتها وخطورتها فضلًا عن وصول من لا يستحق إلى أماكن ومناصب مواقع مختلفة، تتمثل في اعتبارها من قبل ضعاف الأنفس وقليلي الحظ نهجًا لا بد أن يسلكه الطامحون للعلا وإن كان على حساب غيرهم ممن يحفرون الصخر سعيًّا منهم لتحقيق مرادهم وتحويل آمالهم إلى واقع مشرف ملموس.

الأمر الذي يتسبب عادةً في إحداث انتكاسة في صفوف من صادقوا الليل وواصلوه بالنهار جدًّا واجتهادًا طمعًا بالوصول إلى المعالي، وهو ما يجب أن يتفطن إليه أهل القرار في المواقع المختلفة اذا ما أصروا على قبول ضعاف الأنفس وتقريبهم فقط لحلاوة كلامهم وعذوبة لسانهم ونفاق قلوبهم.

وفي المقابل يتوجب على الواثقين من أنفسهم ومن حصاد جِدهم وتعبهم ومن قدراتهم وخبراتهم أن لا يرتعوا في ملعب إضعاف المعنويات وتثبيط العزائم، وعزائهم في ذلك أن قذفهم بتهم كالتسحيج والتملق وغيرها من التهم المتشابهات لفظًا ومعنًى، لن تخفي حقيقة تعبهم وجهدهم وجلدهم في تحمل مشاق درب العلا الذي خاضوه ولا يزالوا، وحسبهم في ذلك أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا وأنه وحده من سيري الناس محاسن صنعهم، فكلام هذا الصنف من الناس لن يقدم ولن يؤخر ومن أراد الوصول إلى ما وصلوا إليه فميدان المنافسة يتسع لكل مُشمرٍ عن ساعديه ومستعد لخوض غمار التحدي والصعاب، ولن يعوق كثرة المتنافسين «المتميزيين» عن التقدم والإشارة إليه بالبنان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد