أذهلتني تلك التجربة الصينية الفريدة من نوعها في سرعة التطور والإتقان في شتى مجالات الحياة. رغم الظروف العالمية القاسية شقّت الصين طريقها نحو المجد بكل ثقة وجدارة. الصين لها حضارة ضاربة في القدم وأسهمت تاريخيًا في مجالات العلوم وفنون الحياة، كما شكّلت هوية فريدة ميّزتها عن باقي الأمم.

أمّا الصين في العصر الحديث خرجت منهكة من بعد الاستعمار الأجنبي والحروب الأهلية لكي تبدأ صحفة جديدة من الازدهار والتنمية في عصر قائدها ماو ستنغ، عصر انتقلت فيه الصين من دولة زراعية فقيرة إلى دولة تتلمس طرق الصناعة. تطورت فيها الصناعة تتدريجيًا، وبدأت تطور نظمها السياسي (الشيوعي)، وخاصةً فيما يخص الجانب الاقتصادي. وأصبحت تتبع نظامًا اقتصاديًا أشبه بالرأسمالي، حتى يتيح لها الفرصة للتنافس عالميًا ودخول الأسواق العالمية وجذب المستثمرين. شرعت الصين في تغيير وتطوير قوانينها الاقتصادية، وطبقت سياسة الانفتاح على العالم، والنتيجة كانت تقاطر الاستثمارات الأجنبية من شتى أقطار العالم، حتى أصبحت الصين مصنع العالم. لم تكتف الصين أن تكون مصنع العالم، بل طورت من مهارات عمّالها ومواطنيها، وانتقلت إلى دور التصنيع مستفيدة من الخبرات التي اكتسبتها من الشركات والمصانع العالمية الموجودة على أراضيها.

أصبحت الصين تصنع كل شيء من الرقميات والإلكترونيات والتقنيات المتفوقة والقطارات السريعة، وصولًا إلى الطائرات والأقمار الاصطناعية. غزت الصين العالم بمنتجاتها وحتى الفضاء بأقمارها الصناعية، بل أيضًا طورت من بنيتها التحتية بإنشاء المدن الجديدة وشبكات القطارات والطرق السريعة بطريقة مذهلة لكل من يتتبع نهضتها وأخبارها. أنشأت مدنًا مختصة في التكنولوجيا، وأخرى اقتصادية، وأماكن للتجارة الحرة، مع توفير كل الخدمات العصرية اللازمة لتسهيل أعمال التجارة والإبداع والاختراع. علاوة على ذلك ارتفعت ثقة المواطن الصنيي بنفسه بعد تحسن أوضاعهم الاقتصادية، وأصبح أكثر مهارة وإبداعًا بعد الطفرة الاقتصادية التي انتشلت ملايين الصينيين من الفقر المدقع إلى مستوى معيشي لائق. طورت الصين تعليمها، وجعلته يتماشى مع تطورها ونموها، والآن الصين من أقوى دول العالم صناعيًا واقتصاديًا.

إذا نظرنا إلى السياسة الخارجية الصينية نجدها تعتمد على الاقتصاد والتبادل التجاري. لم تسع الصين حتى الآن للهيمنة الدولية على غرار الدول الغربية، وتحاول الصين أن تبتعد عن الشأن الداخلي للدول، ولا تضع قيودًا أو شروطًا (فرض نظام سياسي معين مثل الديمقراطية كما تفعل الدول الغربية في تعاملاتها الاقتصادية أو التجارية) لمساعداتها الاقتصادية والتبادلات التجارية؛ مما سهل عليها اكتساب أسواق جديدة في الدول النامية اقتصاديًا مثل أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. بهذه السياسة أصبحت الصين الشريك الأول اقتصاديًا للقارة السمراء من حيث التبادل التجاري الذي بلغ مقدار 200 مليار دولار في سنة 2017 متفوقة على الكتلة الغربية، بالرغم من هيمنتها التاريخية على أفريقيا.

قامت الصين بإقراض عدد كبير من الدول، وكان نصيب أفريقيا هو الأكبر من هذه القروض والمشاريع التنموية الكبرى، ومثالًا على ذلك خطوط السكك الحديدية الداخلية والعابرة للدول التي أنشأتها في كل من كينيا وأوغندا ودول أفريقية أخرى، زيادة على ذلك مشاريع التعدين والنفط كما في السودان والكونغو ودول أخرى في القارة. هذه المشاريع الكبيرة أسهمت في إحداث نقلة في بعض الدول، وجعلت بعض الدول الأفريقية تتطلع إلى المزيد من هذه المشاريع، وبات الصين الشريك الأول حقيقة لا قولًا.

وحتى لا أنسى أكبر المشاريع العالمية على الإطلاق الآن، وهو مشروع الحزام والطريق الذي من المفترض بعد انتهائه أن يربط كل قارات العالم بالصين، إما من خلال الطرق البرية والقطارات، أو من خلال الموانئ والطرق البحرية. هذه المشاريع والقروض في النهاية تخدم مصالح الصين الكبرى وأهدافها الرامية إلى تحقيق المكاسب الاقتصادية والسياسية التي تعزز من مكانتها دوليًا وإقليميًا.

التجربة الصينية مرت بكثير من العثرات وما زالت، لكنها تجربة خلاقة وتتعلم من أخطائها وتبدع من وسائل معالجتها. التجربة الصينية شبيهة بدولنا التي مرت بظروف شبيهة من استعمار وحروب وثورات، يمكن أن ناخذ منها الدروس والعبر التي تساعدنا على تطوير مقدراتنا ومهاراتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد