من حرب اقتصادية الى جرثومية !

قيل في التاريخ إن الدولة كمثل الإنسان لها مراحل حياتية وأعمار محددة تبدأ من فترة النشأة إلى البلوغ حتى الشباب من ثم الهرم، وقيل في التاريخ أيضا أن الدولة إذا انتهى عهدها تنولد بدالها دولة أخرى تأخذ بزمام الأمور، سمعناها ودرسناها وحفظناها عندما كنا ندرس التاريخ، وفي مقدمة ابن خلدون أشار صاحبه إلى:

«إن الدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص، اعلم أن العمر الطبيعي للأشخاص على ما زعم الأطباء والمنجمون مئة وعشرون سنةً».

نقف عند التاريخ قليلا ونبدأ بسرد حكايات الأمم والتحولات والتغيرات التي طرأت عليهم وتحديدًا في المجتمع الدولي ففي القرن الماضي شهد بروزًا قويًا وانهيارًا قويًا أخرى على سبيل المثال:

القرن العشرون كان هناك قوى عظمى في الساحة الدولية (بريطانيا، الدولة العثمانيه، فرنسا وغيرها …) ولم نعتقد بأن عمرهم الافتراضي قد انتهي أو وصل إلى مرحلة الهرم وغادر، وجاءت بعدها قوة غيرت مجرى العالم كانت تدعى (بالفتاة المدلله) وهي الولايات المتحدة بسطت قوتها على كافة بقاع الأرض واستحوذت على الإرث القديم وبدأت تتغنجر في جيلها لأنها تظن بأنها سيدة المكان وصولًا إلى القرن الواحد والعشرين وفي بداياته استمرت أمريكا على النهج القديم، ونسيت بأن هناك قوى جديدة قد ظهرت على الساحة وتسمى بوليدة العصر وهي الصين، وبناء عليها سنطرح هذه الأسئلة:

كيف استطاعت الصين أن تحقق نقلة تطورية داخليًا ودوليًا؟

وهل تشكل خطرًا أمام الولايات المتحدة قبل أزمة كورونا وبعدها؟

نموذج الحلم الصيني

«الحلم الصيني حلم الأمة وحلم جميع الصينين». *الرئيس الصيني (شي جين بيغ)

يعتبر الحلم الصيني عملية تاريخية طويلة تطمح فيها الصين أن تكون دولة السلام، فقد استطاعت في فترة قصيرة جدًا أن تحقق استقلال الوطني والنهوض بالإصلاح والتحول فى علاقات الإنتاج في كافة المجالات. ومنذ العصر الحديث، وفي غضون مائة سنة، حققت الصين التحول في علاقات الإنتاج، من الإنتاج الإقطاعي إلى الإنتاج الرأسمالي، ثم التحول إلى علاقة الإنتاج في الاشتراكية، وأيضًا تتمتع بالمدى الأكثر اتساعًا وعمقًا، الذي يبلور القوة العظيمة الكامنة في سويداء قلوب أبناء الشعب الصيني من أجل تحقيق ثراء وقوة الدولة ونهضة الأمة، أيا كانت التحديات الجسام.

فالحلم يرتكز على الموروث الثقافي المشرق والمخزون الاستراتيجي للحكمة التاريخية، مما يمنح الشعب الثقة الذاتية، والقوة الذاتية، والأمل المنشود في التقدم والحياة. هو تحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية، ويعد ذلك أكبر حلم للأمة الصينية منذ بداية العصر الحديث، وهذا الحلم يتحقق من خلال مرحلتين:

حلم بناء مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل عند حلول الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني.
وحلم بناء الصين دولة اشتراكية حديثة وغنية وقوية وديمقراطية ومتحضرة ومتناغمة. سيتحقق بالتأكيد حلم النهضة العظيمة للأمة الصينية.

وقال الرئيس شي في تلك الكلمة:

«علينا بذل الجهود الحثيثة وأن نتقدم بإرادة لا تعرف الهوان من أجل دفع قضيتنا العظيمة – قضية بناء الاشتراكية بخصائص صينية – إلى الأمام، وأن نكافح من أجل تحقيق الحلم الصيني بالتجديد العظيم للأمة الصينية».

بعد أن وضحنا الحلم الصيني من خلال إحياء النهضة والسلام والابتعاد عن الصراعات الدولية وغيرها، وهذا ما يجعل أمريكا تحسب الف حساب لها، لأنها انتهجت المنهاج الصحيح بينما أمريكا ركزت على مصالحها الشخصية دون أن تلتفت للشعب، للسيطرة على العالم وكما يجعل الصين قوة خطرة على أمريكا هي الإصلاحات الداخلية، لأن الدولة عندما تكون صالحة داخليًا سوف تستطيع أن تضع قوتها خارجيًا دون أن تتضرر.

من ناحية اقتصادية تتمتع الصين بقوة اقتصادية لا يمكن مقارنتها بغيرها، حيث إنها اجتاحت كل منزل في العالم وهذا يعد تنافسًا شرسًا بينها وبين الولايات المتحدة، والدليل أن ترامب في أحد خطاباته وضح بعدم تعامل الشركات الامريكية مع شركه هواوي وهذا يدل على ان أمريكا تعلم بمدى قوة الصين التجارية والاقتصادية.

وهناك مجال آخر لربما تجهله الولايات المتحدة وهو المجال العسكري، حيث إن جيش التحرير الشعبي هو جيش جمهورية الصين الشعبية وهو أكبر جيش في العالم ويضم القوات البحرية والقوات الجوية والقوات النووية الاستراتيجية، ويأتي بعدها الجيش الأمريكي وكذلك تضم الصين أسلحة متطورة لا تقارن بما لدى أمريكا.

خطر الصين على الولايات المتحدة

هنا سوف أوضح الخطر القادم لأمريكا، هناك تصريحات جاءت من قبل وزير الدفاع الأمريكي (مارك إسبر)  موضحا «إن واشنطن لا تسعى للمواجهة مع الصين، لكن عليها التوقف عن ممارساتها السلبية، متحدثا في الوقت ذاته عن التحديات التي تواجهها بلاده على مستوى الجبهات الخارجية، ودعا إسبر في كلمة له في مؤتمر ميونيخ للأمن المجتمع الدولي إلى الشعور بالقلق العميق من تطوير الصين الذكاء الاصطناعي».

وجاء وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبير يدعم أقوال إسبر خلال كلمة ألقاها أمام مؤتمر ميونيخ للأمن في ألمانيا إن الحزب الشيوعي الصيني يشكل خطرًا هائلا على الغرب، لذلك بما أن الصين تشكل خطرا على أمريكا قامت باستخدام الحرب الجرثومية ضد الصين على أساس أن تطيح بالقوة الاقتصادية والموارد البشرية الصينية وهنا بعد الأدلة على أن أمريكا هي من افتعلت فايروس كورونا من خلال اتهام الصين لها.

«تشاو لي جيان، المتحدّث باسم وزارة الخارجيّة الصينيّة، تمسّك براويته الأولى وأعلن عن وجود إثباتات تؤكّد أنّ هذا الفيروس تمّ اختِراعه وتطويره من قبل عُلماء أمريكيين عام 2015، وأنّ مجلة Nature Medicine الأمريكيّة أكّدت في بحثٍ نشرته في أحد أعدادها في العام نفسه أيّ عام 2015، أنّ عُلماء في الولايات المتحدة تمكّنوا من الحُصول على نوعٍ جديدٍ من فيروس كورونا له تأثيرٌ خطيرٌ على الإنسان، وقال إنّ جُنودًا أمريكيين شاركوا في دورة الألعاب العسكريّة العالميّة التي جرت في مدينة ووهان التي تَنافس فيها 10 آلاف عسكري من مُختلف أنحاء العالم في تشرين أوّل (أكتوبر) الماضي، هم الذين نقلوا الفيروس إلى هذه المدينة».

نعلم جميعنا أن هناك كلاميّةً واتّهامات مُتبادلة بنشر الفيروس بين الولايات المتحدة والصين، حيث اتّهمت الأولى (أمريكا) الثّانية (الصين) بتصنيع هذا الفيروس في أحد معاملها في مدينة ووهان، وتسرّب منها إلى المدينة ردًّا على تصريحاتٍ سابقةٍ أدلَى بِها قبل بضعة أيّام المتحدّث الصيني نفسه، ولكنّ قليلين أعاروا هذه الاتّهامات الأمريكيّة للصين أيّ اهتمام، لأنّ تاريخ الولايات المتحدة وإدارتها حافلٌ بالأكاذيب، والخُطط التآمريّة ونشر الأوبئة، علاوةً على استِهدافها للصين بحربٍ تجاريّةٍ لضرب اقتِصادها وتخفيض مُعدّلات نُموّه، حتى لا يتفوّق على الاقتِصاد الأمريكيّ، ويُطيح به من المرتبة الأولى عالميًّا.

أزمة الكورونا الحاليّة أثبتت أنّ الصين أكثر تقدُّمًا من الولايات المتحدة ودول غربيّة عديدة في هذا المِضمار، بالنّظر إلى النّجاحات الكُبرى التي حقّقتها إداريًّا وطبيًّا في التصدّي لها وتطويق أضرارها في زمنٍ قياسيٍّ، بينما ما زالت الأنظمة والمُؤسّسات الصحيّة الغربيّة تتخبّط، وحتّى لو عاد الفيروس إليها فإنّها ستكون مُستعدّةٌ لمُواجهته والقضاء عليه بحُكم خبرتها التي أثبتت فاعليّتها.

إذا نهاية القول هي أن الصين هي مستقبل القادم في المجتمع الدولي، وإن لم تكن فيكفي أنها المنافس الأول والقوي أمام الولايات المتحدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد