إن كان الله قد قضى وقرر مصيري إلى الجنة أم إلى النار، فما جدوى امتحاني في هذه الحياة الدنيا؟ وإن كان الله قد قرر مسبقـًا ما سوف أكسبه من خير أم شر، فما الذي يبقى من حريتي المزعومة في اختيار أفعالي؟ وإن كنت سأحاسب على أعمال قد كتبت علي جبرًا، فأين العدل الإلهي؟ وهل أنا مسير في حياتي أم مخير؟

نقرأ كثيرًا في القرآن الكريم قول الحق سبحانه: “يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ”، وأكاد أجزم أن معظمنا يمر على هذه الآية مرورًا سريعًا مع أنها صلب معنى الوجود الإنساني على الأرض، فإن كان الله قد وضعنا في هذه الدنيا في امتحان يترتب على نتيجته مصيرنا الأبدي إما في نعيم دائم أو في عذاب مقيم، فأين العدل في امتحان قد قُضيت نتائجه مسبقـًا؟

لعل أكثرنا- وإن لم يعترف صراحةً لنفسه أو لغيره- قد فكر ولو مرةً واحدةً بهذه الأفكار، ولعل معظمنا قد تغافل عن البحث عن إجابة شافية تطفئ لهيب نار لطالما قيل لنا إن مجرد التفكير بها قد تورد الإنسان مهالك لا يستطيع النجاة منها.

إن كنت ممن تساءل عن هذه الأسئلة فلا تحزن، فالسؤال درب العارفين والمتعلمين، وأي علم أسمى من معرفة غاية وجودنا ومآل حياتنا؟ ولعلني في هذه السطور البسيطة أحاول بيان إجابة بسيطة وميسرة لكل هذه التساؤلات.

لعلنا نبدأ بالقول بأن الإنسان في حياته مسيرٌ في جوانب معينة ومخيرٌ في أخرى، وأن كل عمل سيحاسب الإنسان عليه فهو مخيرٌ بالمطلق فيه، بل إن جميع جوانب حياة الإنسان المسير بها، فلا حساب فيها لأنها تقع خارج إطار التكليف، فالإنسان لن يحاسب على شكله أو نسبه أو بيئته أو طريقة عمل أجهزته الداخلية، أو ما يفعله مكرهًا لأنه لا يملك أن يتحكم أو يقرر هذه الجوانب من حياته.

أما كل عمل يعرض على العقل بأن يُفعل أو لا يُفعل، فالإنسان مخيرٌ فيه، وهو ما سيحاسب عليه، ولو فُقدت القدرة العقلية، أو الإرادة الإنسانية الحرة لَرُفع التكليف عن الإنسان، فقد ورد في مسند الإمام أحمد عن الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم قوله برفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم المجنون حتى يعقل، وورد عنه أيضا: “رُفع عن أمتي الخطأ و النسيان وما استكرهوا عليه”. رواه ابن ماجة والبيهقي وغيرهما، إذن فربط التكليف بالعقل يدل وجوبًا على أن التكليف وما يترتب عليه من حساب سيكون على تلك الأفعال التي يجد الإنسان فيها خيارًا بأن يَفعل أو لا يَفعل.

ولفهم الصورة بشكل أوضح لا بد من توضيح لصفتين من صفات الله عز وجل، وهما العلم والعدل، ولا يجب أن ننظر لصفة منهما على حساب الأخرى، فالله خالقٌ للأفعال كلها وهو عالم بها، وهذا صحيح، ولكنه في الوقت نفسه عدل، فصفة العدل تتطلب منا أن نوقن بأن الله لم يكلفنا إلا بما خُلقنا صالحين لفعله وصالحين لعدم فعله.

فصفة علم الله بالأفعال وبما سيكون لا تؤثر مطلقـًا على حصول الفعل، فمجرد العلم بوقوع فعل ما لا يعد مؤثرًا على حصوله، فالفعل يوجد بسلسلة علله وأسبابه لا بعلم العالم  أو بجهل الجاهل.

فعلم الله بالأفعال وما يترتب عليها – ولله المثل الأعلى- كعلم مدرس أوتي من الفراسة  والخبرة ما أتاح له بعد معرفة درجة  ذكاء طلابه وجدهم بأن  يكتب في مذكراته بأن فلانـًا منهم سينجح  في نهاية العام وأن الآخر سيرسب، ثم أقبل عليهم بتعليمهم وإرشادهم، حتى إذا انتهى العام الدراسي وقع ما سجله في دفتره من حالهم، فهل من المعقول أن يدعي شخص ما بأن معرفة المعلم المسبقة بنتيجة كل طالب قد أجبرت من نجح منهم على النجاح أو من رسب منهم على الرسوب؟ فالعلم بالشيء ليست صفة جبر عليه، بل صفة اكتشاف له.

وكذلك الله عز وجل علم أزلاً ما سيكون من فعل عبده المختار، وكتب ذلك لا ليلزم به العبد، بل لعلمه المسبق بما يكون منه، و الفرق بين علم المدرس في المثال السابق وعلم الله عز وجل، أن علم المدرس قد يصيب أو يخطئ، أما علم الله عز وجل فلا يخطئ أبدًا، وهذا لا يعني أبدًا أن العلم بما يكون  من الإنسان قد أجبر الإنسان مسبقـًا أن يقوم بهذا الفعل أو أن يتركه.

أما صفة العدل، فتتجلى بأبهى صورها في حساب الإنسان على ما اقترفت يداه باختياره هو، فلو كانت أفعال الإنسان مفروضةً عليه أو كانت قسرًا عنه فلا معنى للعدل، وقد يسأل سائل فيقول: فما تفسيرك لقول الحق سبحانه: “يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ”، فهذه الآية تدل أن الضلال أو الهدى بأمر الله، وقد قضى مسبقـًا بما سأكون عليه، إما ضالاً وإما مهتديًا، فكيف يُزعم بأنني حر في اختيار أفعالي؟

لعل من أفضل ما قرأت للإجابة عن هذه المعضلة، ما فسره الشيخ الشعراوي حينما قال بأن الهداية نوعان: هداية بمعنى الدلالة إلى الحق، وهداية بمعنى الأخذ باليد والإعانة على اتباع الحق.

فأما الهداية الأولى والتي بمعنى الدلالة فهي عامة ٌلكل الناس، وهي مناط الاختيار بدليل قوله سبحانه: “إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا” الإنسان: 3، وقوله أيضًا: “وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ” البلد: 10، فالله خلق الإنسان وفيه الصلاحية والقابلية المطلقة للاختيار بين الحق والضلال، وهذه الهداية هي عامة للناس مؤمنهم وكافرهم، بدليل قول الحق سبحانه: “وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ” فصلت: 17، فثمود هنا اختاروا الضلالة بإرادتهم وأبوا هداية الله لهم فعاقبهم الله  جزاء اختيارهم.

أما الهداية الثانية فهي الإعانة والإخذ باليد لضمان سلوك طريق الخير، وهي تأتي بتيسير الله عز وجل لمن اختار بإرادته الحرة الهداية الأولى، بدليل قوله سبحانه: “وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ” محمد: 17، فالهداية الثانية هي نعمة الله وفضله لمن اختار بإرادته طريق الهداية الأولى، وقال الحق أيضًا: “قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ” الرعد: 13، فمن أناب إلى الله ورجع إليه وسلك درب الهداية الأولى، أخذ الله بيده ويسر له من الوسائل ما يعينه على الهداية الثانية.

فلو سألك أحد ما عن الطريق للوصول لمكان معين، وكان هناك طريقان: أحدهما يوصل لذلك المكان والآخر يوصله لمكان آخر، فلو أرشدته للطريق الأول، فقد هديته للطريق الصحيح، وهذه بالضبط هي الهداية الأولى، وهو في كل الأحوال مخير بأن يصغي لنصحك وإرشادك أو أن يتركه، ثم فلنفرض بأن هذا السائل قد استجاب لك ومضى سالكـًا الطريق الصحيح، ثم لحقت به وزودته بما يعينه في سيره من أدوات أو غيرها، فهنا فأنت قد أخذت بيده وأعنته على سلوك الطريق الصحيح وهذه هي الهداية الثانية.

وملخص القول إن محاسبة الإنسان منوطة بإطار التكليف فقط، وهذا الإطار يشمل من الأفعال ما يكون الإنسان قادرًا على فعله أو تركه بإرادته واختياره الحر بلا إكراه أو إجبار، وأن معرفة الله وعلمه بما سيكون من هذه الأفعال لا تلزم جبر الإنسان وإلزامه بالقيام بها، بل كونه عز وجل خالقنا فهو أعلم بما سيكون منا من اختيار للأفعال وما يترتب عليها من جزاء أو عقاب.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد