قبل مدة كتبت أن مطلب الدولة المدنية في العراق ضياع بدءًا من المصطلح، وأردت في ذلك المقال أن أبين خطأ استخدام هذا المصطلح الذي لا وجود له في قواميس المصطلحات السياسية، ولا يوجد مماثل له في اللغات الأخرى، وإنما هو مصطلح مخفف عن الدولة العلمانية استخدم في مصر وانتقل فيروسيًّا إلى العراق.

وقد بينت في ذلك المقال تفاصيل المصطلح، وظهوره بديلًا عن العلمانية، كما كتبت عن الناشط المدني -مقالًا بعنوان من هو الناشط المدني؟- لتتضح الصورة أكثر عن المصطلح واللبس في استخدامه أو التمويه المتعمد.

اليوم للأسف، ومع استمرار استخدام الساسة وغيرهم هذا المصطلح –الدولة المدنية- والترويج لها وكأنها الحل السحري لمشاكل البلد، نشهد في هذه الانتخابات –انتخابات مجلس النواب العراقي لعام 2018- ضياعًا من نوع آخر، يتعلق بالموضوع نفسه، ألا وهو ضياع الراعي للمطالبة بالدولة المدنية! فمن هو الراعي لمطلب الدولة المدنية حقيقة في العراق حاليًا؟ مع تحفظنا على المصطلح طبعًا، ومع وجود تحفظ للكثير من العلمانيين على غموض المصطلح أيضًا، وكونه نوعًا من الغش! ومن هو المتبني الحقيقي لمطلب الدولة المدنية؟

فهل هي المرجعية الدينية العليا –بحسب التعبير المتعارف والمقصود بها مرجعية السيد السيستاني- التي قالت على لسان أحد معتمديها بأنها تريد دولة مدنية؟!

إن صدق هذا المعتمد طبعًا وكانت المطالبة حقيقية بذلك. أم هل هي الجهات والتيارات الإسلامية، والتي لبس بعضها ثوب المدنية علنًا، وصارت تطالب بها وتتبناها؟! أم هل هي الأحزاب العلمانية المعروفة، كالحزب الشيوعي مثلًا، الذي أثار الكثير من مريديه بتحالفه مع التيار الصدري، ولم تكف توضيحات مرشحته الأبرز في ذي قار مثلًا هيفاء الأمين ولا توضيحات غيرها في بيان أسباب هذا التحالف، وهل هو تنازل عن المبادئ أم لا؟ ومن الطرف المتنازل؟!

أم هل هو تحالف «تمدن»، والذي يرفع شعار «من أجل دولة مدنية»، والذي يقوده النائب «فائق الشيخ علي»، والنائبة «شروق العبايجي»، بفضائحه المتوالية من المال إلى العركجية –خطاب فائق الشيخ الانتخابي لشاربي الخمور-؟!
أم هل هو «الحزب المدني» الذي استثمر العنوان اسمًا، وجذب بعض الأسماء الإعلامية، وما لبث أن خسر بعضهم، وهو بقيادة «حمد الموسوي»، والذي لا علاقة له بالمصارف، والشرقية لا دخل لها بالترويج لهذا الحزب، والمالكي لا علاقة له به؟!
أم هل هو «التحالف المدني الديمقراطي» الذي يعلن في مجاميعه وصفحاته على مواقع التواصل براءته من تحالف تمدن ومن الحزب المدني، والذي يقوده «علي الرفيعي» الذي حصل على علامة «إكس» في انتخابات 2014؟!

إكس نقصد بها الفشل في الانتخابات البرلمانية السابقة 2014، علمًا بأنه خريج جامعة «آكس» في فرنسا. ومن أهم قياداته «صادق أطيمش»، والناطق الرسمي باسمه الذي ينتقد الدين الإسلامي بالعربية ويكتب بالألمانية كتبًا للتعريف بالإسلام!
التحالف الخارج من عباءة الحزب الشيوعي والذي تأسس في ألمانيا عام 2010 باسم «التيار الديمقراطي»، ثم تحول لاسم «التحالف الديمقراطي»، ثم تحول إلى «التيار الديمقراطي العراقي»، ثم قبل 2014 بقليل تحول إلى اسم «التحالف المدني الديمقراطي». وقد أطلنا بخصوصه؛ لأنه أول جهة أسست لهذا المصطلح في العراق.

أم هل هم بقايا متظاهري ساحة التحرير -إن بقي منهم أحد لقلة عددهم أصلًا- الذين يرفضون كل هذه الخيارات؟ّ! أم هل هم المرشحون المستقلون الذي دخلوا في قوائم مختلفة، وينادون بالدولة المدنية بوعي للمصطلح أو بدونه؟! أم من؟!

كثرت الرعاة، كما كثرت أمنيات تعريف المصطلح ومحاولات توضيحه، وكما لم يفلح أحد في التعريف والتمييز بين الأمنيات والتعريف، كذلك لم تفلح جهة ما في أن تكون راعية لمطلب الدولة المدنية، ولم تتوحد مطالب المدنيين!

أما مطالب الدولة المدنية، فربما نكتب عنها في مناسبة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد