حضرت ندوة بعنوان «مفهوم الدولة المدنية» أقيمت بمحافظة صفاقس مسقط رأسي وهي عاصمة الجنوب التونسي. إفتتحت أشغال الندوة بمداخلة السيد محمد الشتيوي والتي تمحورت حول العلاقة القائمة بين الإسلام والدولة المدنية. فقد أشار الدكتور الشتيوي إلى أن الاشكالية الراهنة موغلة في القدم وليست وليدة اليوم باعتبار وجود تباين في الرؤى والمواقف في الصفوف الاكاديمية والعلمية.

كان من المفترض أن يحسم الدستور التونسي الذي تمت المصادقة عليه بتاريخ 27 يناير (تشرين الثاني) 2014 الخلافات المتصاعدة بشأن هذه المسألة الا أن الجدل تواصل إبان الانتخابات التشريعية والرئاسية قبل أن يخمد بعدها مخلفًا الكثير من الانقسامات والاختلافات داخل المجتمع برمته.

من هنا يتعين علينا طرح السؤال التالي: ماذا نعني بالدولة المدنية؟ وهل تعني الدولة المدنية بالضرورة إقصاء الدين من الحياة العامة؟

كما يقال “تعرف الاشياء بأضدادها” فإن الكثير من المفاهيم يتم تعريفها بالنظر إلى نقائضها. إذ لا يمكن تحديد مفهوم معين بمنأى عن نقيضه وبالتالي فإن تحديد مصطلح الدولة المدنية يفترض الإحاطة بجملة من الخصائص التي تميزها عن الدولة الدينية أو غيرها من الدول. حيث تمثل الدولة المدنية إرادة الشعب وعلوية القانون الذي يستمد قوته من علوية الدستور بما هو أعلى سلطة في الدولة.

كما تعترف الدولة المدنية بمبدأ التعددية وتقبل الاختلاف الذي لا يفسد في نهاية المطاف للود قضية. إضافة إلى ذلك، فإن الدولة المدنية نظامها ديمقراطي ويقوم فيما يقوم على نبذ الاستبداد وتكريس نظام التداول السلمي على السلطة.

من هذا المنطلق، يمكن القول بأن جوهر هذه المبادئ التي أسلفت ذكرها تحيلنا على عدم وجود تعارض بين الإسلام والدولة المدنية. بعبارة أخرى، فإن الدولة المدنية لا تعادي الدين بل تعترف به وتؤطره وتحميه في إطار القوانين الجاري العمل بها والتي تنص على أن الدولة تقوم بحماية الدين. لذا فإن الدولة المدنية تلتزم باحترام جميع الأديان وعلى رأسها ديننا الإسلامي الحنيف والسمح ولا تفرق بينها.

وفي سياق حديثه عن التقرير الصادر عن لجنة الحريات الفردية والمساواة مؤخرًا، أشار الدكتور الشتيوي إلى أن صياغة التقرير كانت محكومة بهاجس الخوف من سلطة الدولة الدينية. حيث سعت عدة أطراف معادية للدين أو محسوبة على أطراف متشددة الترويج لإمكانية تطبيق الشريعة في تونس ومن ثمة حاول هؤلاء نشر بعض الأكاذيب التي لا تمت للواقع بصلة. وقد ساهم هذا التخويف في نوع من الهوس لدى الخائفين من الشرع بسبب تعالي أصوات المطالبين بضرورة الوقوف صفًا واحدًا أمام تطبيق الشريعة. وقد تناست هذه الفئة غياب الحاضنة الشعبية لحكم رجال دين راديكاليين. فلا سبيل إلى حكم تونس باعتبارها دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية مقاصدية بالدرجة الأولى وليست جامدة كما يظن البعض. كما أن الشريعة سمحة كلها بحكم أنها تقوم على مبادئ كونية كالعدل والإنصاف فضلا عن مبدأ الشورى وغيرها.

المداخلة الثانية حملة توقيع الدكتور معتز القرقوري والمختص في القانون الدستوري. حيث قدم مقاربة دستورية لمدنية الدولة من زاوية نظره. بين المتدخل أهمية توضيح الخلط على مستوى العلاقة بين الدولة المدنية والدولة اللائكية. فالدولة المدنية لا تنكر الظاهرة الدينية وإنما تقوم بتنظيم الشأن الديني وبالتالي فهي ليست لائكية. علاوة على ذلك، فقد حاول الدكتور القرقوري التذكير بأن مدنية الدولة التونسية تمت دسترتها من خلال دستور 2014 سواء من خلال الفصلين الأول والثاني فضلا عن تناول الفصل 49 من الدستور إلى مدنية الدولة في علاقة بالحقوق والحريات.

وفي هذا الصدد، تم تعريف الدولة المدنية على أنها دولة المواطنة وسيادة الشعب وعلوية القانون. كما تم التطرق إلى أن القانون الوضعي يمكن أن يستلهم أحكامه من الشريعة ولكنه ليس مطالبًا بذلك.

المداخلة الثالثة قدمها الدكتور سامي براهم مختص في علم الاجتماع والذي استهل كلمته بمباركته للمحاضرات الملتئمة على اعتبارها فرصة للتفكير في مسائل شائكة من قبيل “مدنية الدولة في علاقة بالدين” فضلاً عن إمكانية الخروج بحلول عملية تساهم في توضيح الصورة للجميع. كما أن الدولة المدنية ليست مصطلحًا وإنما هي مفهوم متطور باستمرار وهو متحول بعيدًا عن الثبات والجمود.

حاول الدكتور سامي براهم تسليط الضوء على السياقات التي نشأت فيها الدولة المدنية واستضافنا لخوض غمار رحلة المفهوم. وسعى المتدخل إلى تجنب الدخول في متاهات مجانية لن تضيف للمتابع شيئًا بقدر ما قد تزيده اشتباكًا.

في الختام، مثلت هذه الندوة الثقافية فرصة لكل المتابعين والمنشغلين بالحراك الثقافي التونسي من الاستزادة ببعض المعلومات في علاقة بالإشكالية الراهنة فضلا عن إماطتها اللثام عن حقيقة مفادها أن الإسلام لا يتنافى مع الحداثة ومدنية الدولة لا تعني حرمان الناس من ممارسة حقوقهم وحرياتهم الأساسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد