مقدمة

صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي هو عنوان كتاب لعالم السياسة الأمريكي صمويل هنتنجتون، والذي كان في البداية عبارة عن مقالة نشرها الكاتب عام 1993 بمجلة الشؤون الخارجية والتي كان يديرها وقتها.

تعرضت هذه الأطروحة الفرضية إلى الكثير من الانتقادات قبل أن تتحول إلى مرجعية أساسية في تحليل الأحداث والسياسات الدولية بعد حدث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، وبالنسبة للكاتب، فإن الصدام بين الحضارات سيهمين على السياسة الدولية والكونية، فخطوط فقدان التوازن بين الحضارات ستتحول مستقبلًا إلى الخطوط الأمامية لجبهات القتال.

إن المقالة كتبت في ظروف ما بعد الحرب الباردة تم تطويرها لتتحول إلى كتاب عام 1996، ولتصبح بذلك هذه الأطروحة بمثابة عقيدة المحافظون الجدد بالولايات المتحدة الأمريكية وبدول الاتحاد الأوروبي، فبالنسبة إليهم أحداث الحادي عشر من سبتمبر تؤكد فرضية أن حروب ما بعد الحرب الباردة لم تعد أيديولوجية، بل أصبحت ثقافية حضارية، وبالنسبة إليهم فإن الإسلام العنيف (كما يحلو لهم إطلاق التسمية على حركات الجهاد الإسلامي) عوضت الشيوعية كعدو يسعى لتدمير الحضارة الغربية ومبادئها.

نظرية صراع الحضارات – إن جاز إطلاق صفة النظرية عليها – اعتبرت عند الكثيرين من المفكرين الغربيين كمصفوفة أيديولوجية لمحاربة الإرهاب، وقبل هذه الأطروحة الفرضية كاتب آخر أشار إلى التفوق الحضاري والأيديولوجي للغرب، وهو فرنسيس فكوياما في كتابه (نهاية التاريخ والرجل الأخير)، والذي ركز فيه على الأقل أن هناك توافقًا عالميًا حول الرأسمالية وحول الديمقراطية الليبرالية، توافق لا يترك أي مكان لأية أيديولوجية أخرى، ولأية أفكار أخرى، والفكرة العامة التي يمكن استخلاصها من كتاب فكوياما نهاية التاريخ والرجل الأخير هو الإصرار على الفكر الواحد والنمط الواحد، وهذا بحد ذاته هدم لقيم الليبرالية التي تقوم على أساس التعدد والتنوع وقبول الآخر.

الملفت في فرضية فوكوياما قوله بنهاية الصراعات والنزاعات بانتصار الرأسمالية، وبتوجه العالم إلى تبني خيارات الرأسمالية ومبادئ الديمقراطية الليبرالية، ويظهر كما يؤكد الكثير من الخبراء والمختصين، وأن فرضية هنتنجتون جاءت كرد على ما جاء به فوكوياما، وبالرغم من أن الطرح الذي تقدم به فوكوياما لا يقل أهمية من الناحية التحليلية للسياسة الدولية عن صدام الحضارات إلا أن ما أحدثته هذه الأخيرة من نقاش وانتقادات وصدى إعلامي منحها فرصة الانتشار السريع أكثر من طرح نهاية التاريخ ويعود هذا بالدرجة الأولى حسب اعتقادنا إلى فرضية، وأن طرح صدام الحضارات لاقت رواجًا واستحسانًا من قبل المحافظين الجدد الذين التحق بهم جماعات Born Again وهو تيار إنجيلي بروتستانتي أعضاؤه من البيض الذين يتميزون بكراهيتهم الشديدة للإسلام ولكل ما يرمز له.

حضارات الحروب

حول كتابه صدام الحضارات قال صمويل هنتنجتون فرضيتي هي أنه في هذا العالم الجديد، النزاعات والصدامات لن تكون بالمقام الأول بدافع أيديولوجي أو اقتصادي، بل ستكون الثقافة هي المهمين على الانقسامات والصدامات الكبرى بين البشر، ستبقى الدولة القومية تلعب دورها القيادي في شؤون السياسة الدولية، ولكن الصدامات الرئيسة في السياسة العالمية ستبرز بين دول ومجموعات تنتمي لحضارات مختلفة، وصدام الحضارات سيهيمن على السياسة العالمية، وستكون الحدود الثقافية بين الحضارات هي خطوط القتال، وأضاف بأن الشعور بالانتماء إلى الحضارة سيزداد أهمية في المستقبل وسيتشكل العالم بتفاعلات سبع أو ثماني حضارات كبرى: الحضارة الغربية، والحضارة الكونفوشيوسية والحضارة اليابانية، والحضارة الإسلامية، الهندوسية، السلافية الأرثوذوكسية، حضارة أمريكا اللاتينية وربما الأفريقية، والنزاعات ستكون على طول الفجوة الثقافية بين الحضارات.

وأثارت هذه الفرضية الكثير من الجدل، بل الكثير من اللغط؛ فقد سارع الكثير من الملاحظين والكتاب إلى اعتبار أن فرضية هنتنجتون صحيحة على اعتبار، وأن معظم النزاعات المسلحة التي حدثت بعد الحرب الباردة وانتهاء زمن الأيديولوجيا هي نزاع بين خطوط الثقافات، فما حدث بالبوسنة والهرسك هو نوع من الصدام الحضاري، وفي السودان، وفي كشمير، وسريلانكا، والشيشان، فكلها لها بعد ثقافي حضاري حسب التحليل الذي استند على ما عرف بنظرية صدام الحضارات لصاحبها صمويل هنتنجتون، ولكن وما يعاب على هذه النظرية أو المقاربة أنها تبسيط للعلاقات الدولية المعقدة والتي لها أكثر من بعد، وكذلك تقسيمه للحضارات ضمن خطوط تماس مع بعضها البعض، والمعروف أن الحضارات هي تراكمات لمساهمات إنسانية، وليست متباعدة لا ارتباط بينها ولا منغلقة على نفسها لا مشتركات بينها، وعلى كل هناك رأي آخر، ولكن يبقى أنه الرأي الراجح.

ثم ما يعاب على فرضية صمويل هنتنجتون هو أنه يحصر المواجهة الحضارية بين الإسلام والحضارة الغربية على أساس الهوية الحضارية، وإن كان قد أفصح من خلال كتابه أن الهوية الحضارية تخص التفاعلات بين سبع أو ثماني حضارة، إلا أنه يركز بصورة شديدة على الصدام بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، وهو في حقيقة الأمر يستمد هذا العداء للإسلام وجعله مصدر تهديد وصدام للحضارة الغربية من أفكار المستشرق برنارد لويس، والذي يعرف عنه أن خطه الفكري معادٍ للإسلام؛ فقد نشر مقالًا بداية تسعينات القرن الماضي بعنوان (جذور الغضب الإسلامي)، ومن خلال هذه المقالة يسعى برنارد لويس إلى تحليل الأسباب الكامنة وراء الكراهية التي يبديها المسلمون تجاه الغرب والولايات المتحدة الأمريكية خاصة، وعوض ذكر الأسباب الحقيقية وراء هذه الكراهية والحنق، يذهب إلى تشبيك هذه الكراهية بتلك العلاقة التاريخية القائمة على الصراع بين الإسلام والغرب، على أن جذور هذه الكراهية والمتسبب في هذا النزاع هو جوهر الإسلام بحد ذاته، وعلى هذا الأساس يبني هنتجتون مقالته أو كتابه فيما بعد دون أن يسعى لتحليل ما جاء به برنارد لويس ولا أن يفحص عن قرب جوهر الإسلام الفعلي، بل يأخذ الإسلام بجريرة بعض المسلمين الذين يتهورون في اتخاذ مواقف معادية للغرب ويذهب إلى اعتبار أن التحدي أمام صانع السياسة في الدول الغربية هو السعي إلى امتلاك القوة لصد الآخرين، وخاصة ضد الإسلام على أساس أنه تهديد للحضارة الغربية، وبطبيعة الحال فهذا استنتاج غير موضوعي بالمرة وغير صحيح.

في هذه النظرية يتحدث هنتنجتون بلغة وأيديولوجية متعالية تفترض في الآخر العدو، وتفترض أن الحضارات كيانات منغلقة على نفسها لا تقبل الآخر، ونسي أن الإسلام في حد ذاته يقبل كل المتناقضات، ويشملها برعايته دون أن يصطدم معها على أساس أنه دعوة للخير ودعوة إنسانية، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. فهذه هي دعوة الإسلام لا حرب فيها ولا صدام.

إن صدام الحضارات، بالإضافة إلى دعوته إلى تبني خيار الحرب والصدام مع كل من يخالف قيم الغرب وحضارته، يعتبر أن الحرب هي الحقيقة وفقط، وأن الحضارات تسعى إلى الصدام لا إلى السلام، وأن الغرب وحضارته تقابل الجميع، ولعل هذا ما نراه اليوم من حروب وسعي الغرب بكل مكوناته إلى خلق بؤر توتر وصراعات مسلحة.

البعد الديني في تقسيم الحضارات

في تقسيمه للحضارات يرى هنتنجتون أن العالم مقسم إلى تسعة مناطق نفوذ ثقافي تمثل حضارات العالم وهي: الحضارة الغربية وحضارة أمريكا اللاتينية وحضارة الصين الممثلة في الحضارة الكونفوشيوسية وحضارة الهند، أو الحضارة الهندوسية، والحضارة اليابانية، والحضارة الإسلامية، الحضارة السلوفاكية الأرثوذوكسية، وأخيرًا الحضارة الأفريقية.

فالحضارة الغربية والتي تمثل خلفيتها الثقافية الديانة المسيحية الغربية بثنائيتها الكاثوليكية والبروتستانتية وتغطي المنطقة الجغرافية الممتدة من أوروبا الغربية إلى دول البلطيق والدول الأنجلو أمريكية وأستراليا ونيوزيلاندا وإسرائيل، وتقوم هذه الحضارة على أساس مصدرين هما: الامتداد الحضاري للحضارة اليونانية القديمة والحضارة الرومانية، والمصدر الثاني هو الديانة المسيحية، وتتحدد هذه الحضارة بأبعاد ثلاثة هي الديانة المسيحية والقانون الروماني والنزعة الإنسانية المستمدة من الفلسفة اليونانية القديمة، ولكن الذي يمد هذه الحضارة بأسباب القوة والمناعة لحد الآن هو الإنتاج الفكري والثقافي الغزير الذي رافق الثورة الصناعية، وهذان العاملان هما من أعطى للحضارة الغربية خصوصيتها وتميزها في الوقت الحاضر وليس الدين المسيحي الذي حورب وانتهى به المطاف غريبًا وسط المجتمع الأوروبي.

أما حضارة أمريكا اللاتينية فخلفيتيها الثقافية كذلك مسيحية، كون الكنيسة الرومانية الكاثوليكية هي الديانة المهيمنة على المشهد الديني بأمريكا اللاتينية ولهذا سميت بأمريكا اللاتينية، ومصطلح اللاتينية مصطلح يشير إلى اللغات الرومانيقية والتي تشمل كل من اللغة الإيطالية والبرتغالية والإسبانية والكتالونية والفرنسية، وكلها لغات منحدرة من اللغة اللاتينية، وهي اللغات المهيمنة على المشهد اللغوي بهذه القارة، مع العلم أن هذه المناطق تعرف بتنوعها العرقي والثقافي، الأمر الذي يعطيها ثقافية منفردة لا يتم الالتفاف إليها كثيرًا، ويتم التركيز فقط على أن هذه القارة لاتينية وفقط، دون الحديث كثيرًا عن حضارة المايا، والتي رغم أنها تقع ضمن الفضاء الجغرافي لأمريكا اللاتينية، إلا أنها تبقى كتميز لكل هذه المناطق، بالإضافة إلى أن هذه الحضارة بها أكثر من 44 لغة مختلفة، فلماذا الإصرار على أنها لاتينية، إلا إذا كان الأمر ينطوي على خلفية دينية مسيحية غربية.

وقد صنف صمويل هنتنجتون دول أمريكا الجنوبية على أنها حضارة أخرى على الرغم من أن هذه المنطقة من العالم تعرضت لاستعمار بغيض من طرف الدول الغربية، والمنطقة تتشارك مع الغرب نفس الدين ونفس القيم تقريبًا، وهذا ما أكده أحد المنظرين في اليمين الأوروبي، ويظهر وأن هنتنجتون طابق الدين مع الحضارة ليوهمنا أنه يتحدث عن الحضارة بنكتها الثقافية.

ومن هذين المثالين يتبين أن التقسيم قام على أساس ديني، وحتى مصطلح ثقافي كثيرًا ما يحشر فيه الدين كواحد من العوامل الثقافية، ناهيك عن ذاك التقسيم الذي يمس تضمين منطقة البوسنة والهرسك المجال الأرثوذكسي، فالكثير من الخبراء يقولون بأن هنتنجتون اقترف عدة أخطاء على المستوى الثقافي والجغرافي والتاريخي.

وفي أفريقيا وبنظر الكثير من الخبراء فإن الحضارة الأفريقية يعتبرها هنتنجتون هي منطقة الساحل الصحراوي دون دول الشمال الأفريقي وبدون القرن الأفريقي، فعلى أي أساس تم استبعاد هذه الدول الإسلامية عن مجالها والأفريقي؟ خاصة وأن هذه الدول في الشمال الأفريقي وفي القرن الأفريقي لها إسهامها الثقافي في الحضارة الأفريقية، كما أنها كمنطقة جغرافية هي جزء لا يتجزأ من أفريقيا، فمرة أخرى نكتشف أن فكرة التقسيم لها بعدها الديني، وليس الثقافي الحضاري كما يدعي هنتنجتون.

العالم الأسيوي كذلك غير منسجم ثقافيًا كما يدعي هنتنجتون، وذلك عندما يربط بين كوريا الجنوبية والفلبين، واللذين نقول عنهما إنهما ينتميان للحضارة الصينية، وهذا ما يثير خطأ فادحًا برأي الكثير من الخبراء والمختصين الذين يؤكدون على خطأ هذا الادعاء.

والحقيقة أن الصين ترتبط مع الفلبين منذ عهود قديمة تمتد إلى آلاف السنين بعلاقات تجارية وثقافية، وتوجد بالفلبين جالية صينية منذ زمن بعيد، ولكن الفلبين لم تكن يومًا ضمن الإمبراطورية الصينية.

من جهة أخرى فإن العالم الأسيوي ليس كتلة واحدة كما يقول صمويل هنتنجتون، والتاريخ الآسيوي يؤكد على أنه وعلى مر القرون كانت هناك دائمًا نزاعات وحروب بين المكونات الإثنية والعرقية على غرار التاييس Thais والخمير والفيتناميين والصينيين واليابانيين والكوريين.

وإلى غاية اليوم وأحداث كوريا الشمالية تؤكد على أن العداوة متحكمة بين اليابانيين والكوريين خاصة مع الشماليين حيث يسود التوتر ويخيم شبح الحرب بين الدولتين والعرقيتين، بالإضافة إلى أن التعاون الاقتصادي والعسكري والتنموي بين هذه الدول ضعيف جدًا وفي بعضها منعدم.

المصالح الجيواستراتيجية للصين لا تتوافق مع تلك الخاصة باليابان، بل تتعارض معها في كثير من الحالات والمواقف والمجالات كما أنها لا تتوافق مع إندونيسيا، وصمويل هنتنجتون يقرر وأن العالم الآسيوي ككتلة واحدة يسعى لحرب اقتصادية ضد الغرب، بينما يشير الاقتصاديون إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا وأوروبا لهم استثمارات ضخمة بالصين وسنغافورة وماليزيا والهند واليابان، دون أن يحدث هذا أية مشاكل أو صعوبات.

الكثير من الجاليات الصينية والهندية تعيش بدول أمريكا الشمالية منذ عشرات السنين دون أن يظهر هذا كأنه احتلال لمناصب العمل وتضييق على أهل البلد، زد على هذا فالاحتياط النقدي من العملة الصعبة لليابان موجودة ببنوك الولايات المتحدة الأمريكية، فأين الصدام هنا؟

وهناك الكثير من المغالطات والتي تظهر أن هنتجتون يسوق لكراهية ما بين الحضارات من خلال إبراز أن الدين هو المحدد للصدام، وهناك أمثلة كثيرة، فلو اعتمدنا على نظريته، فإن حضارة أمريكا الجنوبية والتي تتشارك نفس الدين ونفس القيم تقريبًا مع الحضارة الغربية، وهذا ما أكده أحد المنظرين في اليمين الأوروبي، يتم إدراجها ضمن حضارة أخرى بعيدة عن الحضارة الغربية، ومرة أخرى هل طابق صمويل هنتنجتون الدين مع الحضارة؟

وهذا ما نستشفه عندما يخضع هذه الحضارة أي حضارة أمريكا الجنوبية أو أمريكا اللاتينية لاعتبارات جغرافية ومعها الحضارة الأفريقية، غير أنه يدرج الحضارة الإسلامية للدين الإسلامي ونفس الشيء لحضارة الهندوس فأي تصنيف نأخذ به؟

مفارقة أخرى نجدها في تصنيفه للأستراليين الذين يعيشون بأقيانوسيا يصنفهم على أنهم ينتمون للحضارة الغربية، والمطالب الوطنية للأكراد بتركيا يعتبره كنزاع حضاري ونفس الشيء ينطبق من وجهة نظره على المطالب الاجتماعية للمكسيكيين.

المفكر إدوارد سعيد كان من بين الأوائل الذين نددوا بقلب الحقائق من طرف صمويل هنتنجتون في مقالته التي عنونها صدمة الجهل، ويعتبر إدوارد سعيد من بين الكتاب والمفكرين الذين كانوا ضد غزو العراق، وقد وبرهن على أن نظرية صمويل هنتنجتون والتي يستمد أفكارها الرئيسة من اليهودي الأمريكي برنارد لويس والذي برر الهجمة الغربية على العالم الإسلامي والصين وكان هذا المؤرخ قد شغل منصب مسؤول المجلس القومي للأمن الأمريكي مع المبالغة بالترويج لما يمكن أن نسميه كارثية وخطورة القنبلة النووية الإسلامية والمقصود كان دولة باكستان لأنها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك القنبلة النووية.

ومنذ 11 سبتمبر تمر باكستان بموجة عنف لا نظير لها وطبعا هذا لم يكن بمحض الصدفة، بل كان ثمار مخطط بدأ بموجة إعلامية موجهة ومركزة على الخطر الذي يمكن أن يشكله باكستان مع القنبلة النووية.

في كتاب آخر بعنوان (من نحن؟) عبر صمويل هنتجتون عن تخوفه من التهديدات والمخاطر التي تتربص بما أطلق عليه الهوية الأمريكية، خاصة مع الحضور المتزايد للغة الإسبانية داخل نسيج المجتمع الأمريكيين ونفس التخوف نجده عند الفرنسيين من أسلمة أوروبا كما يدعون.

خاتمة

إن ما جاء في كتاب صدام الحضارات لا يعدو من وجهة نظري المتواضعة أن يكون إلا نوعًا من التشجيع على الكراهية ونبذ المختلف معنا، فما قدمه صمويل هنتنجتون ساعد كثيرًا على التشجيع على ظاهرة كراهية الأجنبي وانتشارها في كامل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.

لقد اعتبر الإسلام هو العدو الأول للغرب وهو العدو الأخضر الذي أخذ مكان العدو الأحمر، ولعله من المفارقات العجيبة أن تفجيرات أوكلاهوما في 19 أبريل (نيسان) من عام 1995 سارعت وسائل الإعلام الأمريكية والفرنسية إلى وصف التفجير بأنه تفجير إرهابي من عمل المسلمين لأنهم الجهة الجانية الأكثر احتمالًا، ثم بعد ذلك انكشفت الحقيقة وظهر وأن التفجير قام به كل من تيموثي ماكفي وتيري تيكولز واللذين ينتميان لليمين الأمريكي المتطرف الأبيض والمسيحي، وبالرغم من هذا فلم تقم وسائل الإعلام بتصحيح النظرة والاعتذار عن تسرعها.

إن هذا ينم عن كراهية شديدة للإسلام، وكل من انتسب إليه، بفضل مثل تلك الكتابات التي تصنف على أنها نظريات علمية يعتمد عليها في تحليل السياسة الدولية، نخلق التوتر عوضًا عن أن نساعد على إشاعة أجواء المحبة والتسامح بين البشر، فكيف نتحدث عن الحدود الدموية للإسلام؟

وعلى هذا الأساس فلماذا لا يستحضر الحدود الدموية للمسيحية في البلقان والقوقاز، ولماذا لا يتم استحضار الحدود الدموية الهندوسية على حدود كشمير وسيرلانكا، ولماذا لا نتحدث عن الحدود الدموية البغيضة لمصالح الدول الأوروبية ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية على خطوط التماس التي وضعوها بين الشمال والجنوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد