صنفت مدينة سنغافورة كواحدة من أنظف مدن العالم، حيث جاءت بالمراكز المتقدمة، ومن ضمن المدن العشر الأكثر نظافة في العالم، وذلك في عدة استفتاءات جماهيرية، ولعدة سنوات متتاليه. تقع سنغافوره بين ماليزيا وأندونيسيا، وهي على شكل شبه جزيرة تحيط بها المياه من ثلاث جهات، تعداد سكانها حوالي خمسة ملايين ونصف  نسمة يتقاسمون مساحة ارض قدرها ٧١٩ كيلو متر مربع فقط، وبذلك تكون سنغافورة من بين الدول الأعلى بالكثافة السكانية على مستوى العالم. وبالرغم من ذلك فإن سنغافورة العاصمة واحدة من أنظف مدن العالم. هذا الإنجاز يقف خلفه حزمة من القوانين والأنظمه التي تم فرضها على البلاد واحترمها السكان واتبعوها بأمانة كبيرة.

لايمكن لمنظومة نظافة كبيرة أن تنجح دون العمل على عنصر الموارد البشرية. ولا تصل مدينة بشوارعها وأماكنها العامة لمستوى نظافة عال دون المرور على زرع أو ترسيخ عادات وسلوكيات للسكان، تؤكد على أهمية الحفاظ على النظافة بدء من تنظيف البيت والحفاظ على نظافته وانتهاء بالحفاظ على نظافة الأماكن العامة. ورغم أن معظم سكان سنغافورة من المهاجرين ومن خلفيات ثقافية ودينية مختلفة إلا أن حزمة القوانين والأنظمة التي وضعتها الدولة تمكنت من خلق مناخ عام لشعور بالمسئوليه والانتماء لدى السكان، وهي بداية الوصول لمدينة نظيفة ونظامية.

 

نبذة تاريخية:

كانت جزيرة  سنغافورة مستعمرة بريطانية حتى عام ١٩٥٦، وفي هذا العام حصلت على استقلالها، أي منذ خمسين عاما فقط. وبالرغم من حداثتها، إلا أن هذه الدولة الحديثة قامت بحزمة إجراءات للنمو، منها: الارتقاء بالتعليم، ورفع دخل الفرد، ووضع قوانين وأنظمة صارمة لإلزام المواطنين بالحفاظ على نظافة الشوارع والأماكن العامة والالتزام بالنظام.

في سنغافورة يوجد هناك جملة من السلوكيات، والتي يمنع اتباعها في الأماكن العامة بناتا، ومن يخالف النظام ينتهي به الأمر إلى أزمه حقيقيه مع القانون، على سبيل المثال: يمنع في الشوارع منعا باتا البصق، التدخين، رمي النفايات ويعاقب المخالف بغرامة قدرها ٥٠٠ دولار سنغافوري أي ما يعادل ٧٠٠ دولار أمريكي. وما يلفت الانتباه أيضا أن العلكه ممنوعة تماما في سنغافورة، ومن يبيعها لن يغرم فقط بغرامة مالية، وإنما قد يعتقل ويسجن!

مما لاشك فيه أن الإراده السياسية في سنغافورة وقفت وراء تجربة نهضة أثبتت نجاحها وأصبحت درسا تتعلم منه الدول النامية. تعتبر سنغافورة بلدا فقيرا من حيث الموراد الطبيعية، إلا أن تركيزها على الصناعات التكنولوجية وعلى جعل نفسها مركزا ماليا ولوجستيا حقق لها نهضة كبيرة في مدة زمنية قصيرة نسبيا، ألا وهي ٥٠ عاما منذ الاستقلال.

 

التغيير:

بعد خمسين عاما من الاستقلال تمكنت جمهورية سنغافورة من إحداث تغيير كامل وشامل في كيانها كدولة، فتحولت من دولة صغيرة فقيرة بعدد سكان قليل وموارد طبيعية محدودة إلى دولة مركزية في مجال تجارة المال والأعمال والتكنولوجيا: فقد أدرك النظام السياسي فيها أن عليه الاهتمام بالنوعية في كل شيء، وليس الكمية لتحقيق النهضة المطلوبة، لذا استثمروا في التعليم والتجارة.

علي صعيد السياسات الاقتصادية تمكنت جهورية سنغافورة من تحقيق طفرة نوعية في نهضتها وفي زمن قياسي. وأصبحت سنغافورة العاصمة أحد مراكز التجارة والمال العالمية، وصنفت من قبل البنك الدولي كواحدة من الدول الأسهل استثمارا فيها ولمدة عشر سنوات متتالية، والدولة الأكثر انفتاحا على تجارة التكنولوجيا الجاهزة، ومن أكثر المدن الحاضنة للاجتماعات الدولية الخاصة باتحاد الجمعيات الدولية، ومن أفضل المدن لإمكانيه الاستثمار فيها، وثاني أفضل مدينة تنافسية في تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس، وثالث أكبر مركز تبادل للنقد الأجنبي في العالم، ورابع أكبر مركز تجارة عالمي، ورابع أكبر مراكز تكرير وتجارة النفط في العالم؛ حيث إن موانئها هي الأكثر ازدحاما منذ تسعينات القرن الماضي. وهي الدولة الأسيوية الوحيدة الحاصلة على مرتبة متقدمة في التصنيف الائتماني السيادي في السنوات العشر السابقة من جميع وكالات التصنيف الائتماني الكبرى.

أما على صعيد السياسات الاجتماعية، فقد تمكنت سينغافورة من الوصول إلى مرتبة متقدمة أسيويا في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة، ولاسيما في شأن التدابير الأساسية المتمثلة في التعليم والرعاية الصحية ومتوسط عمر السكان ومستوى المعيشة والسلامة الشخصيه والسكن. وعلى الرغم من عدم المساواة في الدخل بين السكان، إلا أن ٩٠٪ من السكان يملكون منازلهم الخاصة بهم، ومعدل الدخل هو واحد من أعلى معدلات الدخل في العالم مع انخفاض الضرائب.

لم يكن طريق سياسة النهضة السنغافورية مليئا بالأزهار؛  فقد واجهت الأزمات المالية الخطيرة خلال مشوارها، ولكنها تمكنت من تخطيها سريعا عبر مجموعة من السياسات التنشيطية وسياسات التقشف. ففي عام ١٩٩٧ واجهت الأزمة المالية الأسيوية كما واجهت الأزمة المالية العالمية في عام ٢٠٠٧.

 

 

النهضة السريعة: المزايا والسلبيات

رغم أن ميزات المعيشة والسكن في سنغافورة  تبدو رائعة من الخارج، ولكن إن كنت تنوي الانتقال للعمل في سنغافورة فقد تحتاج للبحث والتأكد أكثر حول ميزات وسلبيات المعيشة والعمل في سينغافورة. فأسلوب الحياه هناك  قد يحوي تفاصيل لم تجد نفسك بحاجه للوقوف عندها إطلاقا في السابق. على سبيل المثال: العلكه ممنوعة تماما في سينغافورة، وهي تقريبا من المحرمات، ومن الطبيعي أن تجد مواطنين لم يتعرفوا على العلكة إطلاقا في حياتهم، ويرفضون التعرف عليها من الأساس. إن كنت من الأشخاص الذين لايستطيعون التخلي عن أمر يبدو في غايه البساطه مثل العلكه، فقد تكون سينغافورة مدينه غير مناسبه لك.

من المؤكد أن مزايا وسلبيات العيش في سنغافورة  ليست مقتصرة على موضوع الاستغناء عن العلكة فقط، فهي كأي دولة أخرى تملك أسلوب حياتها الخاص بها، وفيها ما هو مشترك مع دول الجوار، وما هو مشترك مع أغلب دول العالم، بالإضافه إلى أمور خاصة بها لا تجدها إلا في سينغافورة، للحصول على فكرة أوسع عن أبرز ميزات وسلبيات العيش في سينغافورة قمنا بتلخيص الموضوع في نقاط أساسية:

  • التعليم: من ميزاته التنوع وجودة المؤسسات التعليمية، ومن سلبياته ارتفاع تكاليف الرسوم الدراسية.
  • العلاج: من ميزاته توفر عدد كبير وجيد من الأطباء والعيادات الاختصاصية، ومن سلبياته الأسعار العالية والتكاليف والأجور الغير ظاهرة.
  • اجتماعيا: من ميزاته سهولة الحصول على أصدقاء، ومن سلبياته التكلفة العالية لحضور أو إقامة الاحتفالات الاجتماعية.
  • المواصلات: من ميزاتها أن المواصلات العامة تقدم خدمة رائعة، ومن سلبياتها ارتفاع أجور سيارات الأجرة والتكلفة المرتفعة لاستعمال السيارة الخاصة.

ويبقى الحفاظ على نظافة المكان أمرا يعتمد على مدى التعود عليه، فمن يعتاد على نظافة تبدأ بنظافة ذاتية للجسم والملابس والمتعلقات الخاصة، وصولا إلى نظافة السكن، والتعود على تنظيف البيت المستمر، لا يجد صعوبة في الالتزام بنظافة شوارع مدينته والأماكن العامة، فالأمر عبارة عن سلسلة متصلة متواصلة من السلوك الإنساني. ما يعني أن الوصول بمدينتك لمكانة عالمية من حيث النظافة يعتمد بشكل كبير على سلوك الأفراد واستمراريتهم بالالتزام بالنظافة خارج منازلهم أيضا. ورغم أن وجود قوانين صارمة ومنظومة تنظيف جيدة للأماكن العامة في تلك المدينة يساعد كثيرا في الإسراع بالوصول للهدف، إلا أن أية سياسية تضعها السلطة الحاكمة لا يمكن أن تنجح، دون تعاون والتزام جاد من الأفراد والمواطنين في تلك المدينة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سنغافورة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد