ظاهرة ليست بجديدة على عالمنا، انتشرت على مر العصور وباختلاف المكان والزمان، فقد كان بابا الكنيسة نائبًا عن الله في الأرض، واليوم يحل الرئيس والدولة ليكونا خليفة الله عن طريق المؤسسات الدينية.


عاشت أوروبا في القرون الوسطى فترة التخلف والجهل الذي كان يتغلغل في القارة العجوز التي أصبحت أشبه بالبئر المظلم، وكان السبب الرئيسي في ذلك الظلام، هو تحكم البابا أو الكنيسة في أمور الدولة بشكل عام، دون أي معايير أو أسس للديمقراطية، ومن أجل تحقيق المصالح الفردية لرجال الدين، وهم في الواقع رجال الدولة، فما كان منهم إلا استخدام الدين وسيلة للتحكم، فأفضل وسيلة لإخضاع الشعوب وتبرير الأفعال غير الأخلاقية هي الدين.

وقد استخدمت الكنيسة لفظ الهرطقة على معارضيها وحتى أمام العلماء، ومن أشهرهم عالم الفلك جاليليو الذي قال إن الأرض ليست مركز الكون، واتهمته الكنيسة بالهرطقة، وحكم عليه بالنفي حتى موته، وقدمت الكنيسة اعتذارًا في العصر الحديث.

والفيلسوف والعالم جيرانو برونو، الذي قال بأن الأرض تدور حول الشمس، فرأى رجال الدين أن تلك الأقوال والأبحاث ما هي إلا هرطقة، وحكم عليه بالحرق.

ويوجد الكثير من الأمثلة عن مدى تحكم رجال الدين بالسلطة، واتهام أي معارض لهم حتى لو كان الاعتراض علميًّا وبالأبحاث، على أي حال، كل هذا من طي النسيان في الحضارة الأوروبية في القرون الوسطى، فلقد نجحت أوروبا في الخروج من عنق الزجاجة، وإبعاد رجال الدين عن التحكم في أمور الدولة.

ما زالت القرون الوسطى يعيشها العالم العربي والإسلامي، فقد سقطنا جميعًا في بئر الظلام والجهل. تغير الزمن والمكان وتغيرت الأشخاص، لكن لم يتغير دور رجال الدين، فما زال رجال الدين يتهمون الأفكار الجديدة بتهم لا تختلف كثيرًا عن الهرطقة.

المشهد الأول: في مكالمة من مفتي الديار المصرية على إحدى القنوات التلفازية إبان ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، حرم المفتي الخروج على الرئيس حسني مبارك بوصفه الشرعية، وقلل من شأن المشاركين في الثورة ووصفهم بأنهم بدون معرفة، وفي نهاية المكالمة أشار المفتي لقتل المتظاهرين بطريقة غير مباشرة.

المشهد الثاني :المفتي يقول على الرئيس المعزول محمد مرسي: «هذا الخازوق جاء بالصندوق».

المشهد الثالث :قال مفتي الجمهورية الأسبق خلال كلمته التي ألقاها في مؤتمر دعم السيسي للانتخابات الرئاسية: «إننا نختار بقلوبنا وليس بأصواتنا فقط، الفارس النبيل عبد الفتاح السيسي».

المشهد الرابع: مفتي الجمهورية يتحدث عن ضرورة عزل الرئيس مرسي، واستلام الجيش للبلاد من منظور ديني، واستشهد بأحداث تاريخية.

المشهد الخامس: دعم مفتي الجمهورية سياسات الحكومة، في مايو (أيار) 2015 أعدمت الحكومة المصرية ستة شباب مصريين بتهمة قتل عنصرين من عناصر الأمن، وأثبتت منظمة هيومن رايتس ووتش بالاستناد إلى أدلة، أن الشباب كانوا معتقلين في وقت قبل ارتكاب الجريمة المتهمين بها.

المشهد السادس: بابا الكنيسة المصرية قال: الرئيس السيسي يستمد قوته من ربنا، ولا يعمل من أجل مجده.

المشهد السابع: بابا الكنيسة في الاستفتاء على الدستور المصري، قال: «قول نعم يزيد النعم، وبركات، وخيرات لمصر»، في إشارة منه إلى التصويت بنعم.

تتعدد المشاهد ولا يمكن حصرها، والشاهد من الذكر أن رجال الدين في مصر كانوا وما زالوا يستغلون سلطتهم الدينية استغلالًا أشبه بأوروبا في القرون الوسطى، فمن معارضة الخروج على الحاكم والشرعية في 2011، ووصف المتظاهرين بصناع الفتنة والترويج لقتلهم، إلى تأييد التظاهر وخلع الحاكم والشرعية في 2013، ووصف المتظاهرين بالإرادة الشعبية والشعب العظيم.

تسييس الدين ليلائم الأهواء والأهداف الشخصية، من طمع في السلطة، ورضا الحاكم، يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، وهو النفور من الدين، والاتجاه نحو المادية، كما حدث في أوروبا، فبدلًا من أن يكونوا دعاة إلى الله، أصبحوا دعاة إلى الإلحاد.

ويستمر الحاكم في سؤال رجل الدين: «هو الدين بيقول إيه» ويرد الآخر بـ: «آمين».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد