في بداية الأمر احب أن أشير إلى أمرين غاية في الأهمية في هذا المقال، أولهم هو أن هذا المقال سيحتوي على بعض الكلمات الجارحة والقادحة لبعض الأفكار الدينية ولعلنا نتطرق لعِدة نصوص في معرض حديثنا هذا، ولكني أؤكد من صميمي أنني لا أقصد ــ بأي حال من الأحوال ــ الطعن في أي شخص بعينه؛ بل إني سأحاول بقدر الإمكان أن أفحص الأفكار وأحلل المشاهد بشكل تجريدي بقدر المستطاع وأتمنى ألا أخلق في صدر أي شخص ضغينة تجاهي، والأمر الثاني في هذه المقدمة هو أني لن أبادر بالإفصاح عن معتقدي الشخصي في هذه المقالة؛ فصنفني ملحدًا إن شئت أو صنفني مؤمنًا إن شئت؛ ولكن تيقن بأني لست ملزمًا بأي تصنيف خاص بِك، وأنني طوال هذه المقالة سأرتدي عباءة الملحد وأستعير نبرته وفِكره، بل إنني في عِدة مواضع سأثير عِدة أفكار لغرض تحقيق الاستفزاز الفِكري، وهذا لا يعني بالضرورة كوني ملحدًا كما لا يعني بالضرورة كوني مؤمنًا.

صورة الملحد من عيون رجال الدين

حين نقوم بجولة صغيرة وسط رجال الدين المتصدرين للمشهد ــ المصري على الأقل ــ ونحاول أن نستقصي ملامح الشخص الملحد سنجد أنها ملامح مشوهة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى؛ فالملحد ــ كما قيل لنا من قِبل الشعراوي، ومصطفى محمود، وتامر اللبان، وهيثم طلعت، وماهر صامويل ــ هو شخص ترك الدين حتى يسير خلف شهواته ويعيش في فوضى وبردعة متكاملة بعيدًا عن لوازم الصلاة والعبادة بالنسبة له؛ أو أنه شخص ترك الدين لأنه ساذج وغبي وأراد أن يرى الله جهرًا حتى يؤمن بِه، أو أنه شخص يعبد العلم آناء الليل وأطراف النهار، ويستثيره لمعان الغرب والأوروبيين، أو أنه كفر بالله؛ لأنه دعا الله لشأنٍ ما والله لم يستجب له في نفس الحين، أو لأنه شخص قليل العلم والدين يحب أن يهذي بما لا يفقه فيه شيئًا، أو لأنه جحد ضد الدين وقلبه طُمس باللعنة والسواد.

الآن وبعد هذه الجولة المتواضعة القصيرة المغروسة في عقل كل منا كأفراد مصريين؛ دعنا نفحص ــ من وجه نظر شخص لاديني ــ كل ادعاء سبق ذِكره كمحاولة لفِهم مدى صحته بالإضافة إلى فحص أسباب التحدث بمِثل هذه الادعاءات.

أول قول لدينا هو هل الملحد ترك الدين حتى يسير خلف شهواته؟ قبل الرد وجب علينا التساؤل عن ما هي الشهوات التي ترك بسببها الملحد الدين؟ هل هي شرب الخمور؟ هل من المنطقي أن يقوم الشخص بترك الدين حتى يُقبل على شرب الخمور؟ أي أنه وببساطة أيهما أفضل في النتائج؛ أن يكون الشخص مؤمنًا وشاربًا للخمور أم أن يكون ملحدًا وشاربًا للخمور؟ بالطبع مؤمنًا شاربًا للخمور أفضل من ملحدًا شاربًا للخمور، ففي أسوأ الحالات شارب الخمر المؤمن في الدنيا سيلقى جزاءه في النار، ثم يدخل الجنة في نهاية المطاف، بعكس الملحد الذي لن يذوق من نعيم الجنة مِثقال حبة من خردل، فهل حقًا يعتقد المؤمن بأن الملحد ترك الدين حتى يحتسي الخمور بكل أريحية؟ هل هناك شخص عاقل يعتقد بأنه سيفلت من قبضة الإله بمِثل هذه الطريقة الساذجة وهي بأن يترك الدين ويحتسي الخمور كما يشاء ويكأن الإله في غفلة منه؟ أم أن السذاجة تتلخص فمن يعتقد بأن الملحد ترك الدين على الرغم من علمه بوجود إله وبصحة الدين، ولكنه فعل ذلك فقط حتى يحتسى الخمور؟ أم أن المقصود بالشهوات التي ترك لأجلها الملحد الدين هي الشهوات الجنسية؟ إن كان القول بهذا الصدد فهل تعتقد عزيزي القارئ بأن الملحد إن كان شهوانيًا من الجانب الجنسي كان سيترك الدين الذي يحلل له الزواج بأربع نسوة، بالإضافة إلى عدد غير محدود من مُلك اليمين؟ أشك صراحةً والآن دعنا نستقصي الحديث التالي في أن الشخص الملحد يعبد العلم ويتحدث به في كل حين، أولًا أن لا أدري حقًا كيف يمكن أن تجتمع العبادة مع العلم في جملة واحدة، فكما شرحت في مقالتي السابقة تحت عنوان صراع العلم والدين؛ فالعبادة هي تقديس ويقين فحين أن العلم هو شك وتمحيص؛ فقول مِثل أن الملحد يعبد العلم أو أن أي شخص عمومًا يعبد العلم يدل على فقر اطلاع القائل على فلسفة العلم وفلسفة الدين لا أكثر ولا أقل، وأما الاعتراض على أن الملحد يذكر العلم في كل حين فهو اعتراض غريب، فبدلًا عن الحث على الحديث بصيغة علمية ومستدل عليها سواءً كان المتحدث ملحدًا أو مؤمنًا؛ يقوم الطرف المؤمن باستنكار حديث الملحد بشكل علمي، لا أدري فلعل المؤمن يرغب في الحديث عن إنزال الله للمطر بدلًا عن تفسير امتصاص السحب للقطرات وزيادة ثقلها، أو الحديث عن كيف يأتي الله بالشمس من المشرق عوضًا عن الحديث عن الحركة المحورية لكوكب الأرض، فالحديث من النوع الثاني صنع لنا التراكم المعرفي والتقدم الحالي، أما الحديث من النوع الأول فهو الآن عبارة عن أساطير نقرأها عن زيوس إله الإغريق، أما قول أن الملحد ترك الدين لأنه دعا الله فلم يستجب له، فبغض النظر عن أنه فاسد وفي الفقرة المُقبلة سنستعرض عِدة أسباب عامة عن لماذا ــ فعلًا ــ ترك الملحد الدين، ولكن لحظة عزيزي القارئ، هل تعتقد حقًا بأن الشخص الذي يترك دينه لأن إلهه لم يستجيب له فور دعائه شخص ساذج؟ أو هل تعتقد بأن الشخص الذي يتخذ استجابة إلهه له من عدمها معيارًا لترك الدين شخص ساذج؟ إن كانت الإجابة هي نعم فمع الأسف السذاجة التي تشعر بِها لا يستحقها الشخص الملحد، بل يستحقها نصك الديني؛ ذلك لأن الله عز وجل هو من وضع هذا النهج كمعيار لصدق أو كذب أي إله؛ حين قال في كتابه العزيز القرآن الكريم: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، أي أن الله عز وجل حتى يثبت زيف آلهة قريش قال للكفار ادعوا آلهتكم ليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين في دعواكم بأنهم آلهة حق، فنفس المعيار نطبقه على الإله، وندعوه وإن لم يستجب فيُثبت زيفه، وهذا ليس معياريًا ولا معيار الملحد؛ بل هو معيار الله عز وجل نفسه، أما آخر قول وهو أن الملحد شخص جحد بالدين فهو له مصادر عِدة مِثل وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ، خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ، فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا، ولكن عوضًا عن الدفاع العام هُنا اتجاه هذا الادعاء فدعنا نفحص بعض الأسباب من واقع حديث لادينيين عرب مِثل أدم المصري، وأحمد سامي، وجورج بول ومصري ملحد وغيرهم ونقارن تلك الأسباب بالصورة المرسومة في عقل كل فرد تجاه الشخص اللاديني ومن ثَم نرى ما الدافع وراء مِثل هذه الادعاءات الفاسدة التي يتداولها رجال الدين آناء الليل وأطراف النهار.

من هو الملحد: مِن فم الملحدين

أحمد سامي هو مفكر مصري له سلاسل عديدة على «يوتيوب» يشرح فيها المنهج العلمي ونظرية المعرفة وعلم الأخلاق والنص الديني، مصري الجنسية ومسلم النشأة وترعرع بالإمارات، حيث هناك درس الشريعة، والفقة، والأصول على نفس المنهج السعودي، حافظ للقرآن عن ظهر قلب ودارس للمنطق الرياضي والتقليدي.

بعد ما يقرب من 20 سنة متضمنة البحث والدراسة والحوارات والمناظرات قرر أن يترك الدين الإسلامي لأسباب لا شأن لها بصورة الملحد التي روج لها رجال الدين مرارًا وتكرارًا، لم يترك أحمد الدين بسبب شبهات الملاحدة والأقوال الفاسدة لدى المستشرقين؛ بل ترك الدين بسبب التفاوت المنطقي في النص القرآني نفسه، فالعقلانية الغائبة عن النص والإسقاطات البشرية التي تعتري النص من كل اتجاه والمنظومة الأخلاقية الإسلامية الفاسدة هم من جعلوه يٌقبل على هذه الخطوة، ومثله أدم المصري، مفكر وباحث مختص بدارسة الكتاب المقدس وحاصل على شهادة جامعية تشيد بدراسته للعهد الجديد، ترك أدم الدين المسيحي بسبب المنطق المتهافت والمعدوم في النص المقدس،ذلك بجانب المنظومة الأخلاقية السادية التي يروج لها الكتاب المقدس ويرويها لنا متمثله في أفعال إله العهد القديم، ومثل أحمد، وآدم فهناك مصري ملحد وجورج بول، وحسن البدري، وآرمين ناوابي، وعباس عبد النور، وغيرهم ممن شعروا بالتراكمات غير المنطقية في النص المقدس ذاته، لم يترك اللادينيين أو الملحدين دينهم بسبب جحودهم اتجاه النص ونفورهم عنه؛ بل بسبب قُربهم من النص وعلمهم الواسع بِه والذي راكم عليهم العديد والعديد من الإشكاليات المنطقية والعلمية في باطن النص، أنا لست بصدد الدفاع عن أحد من السابق ذكرهم، ولكني هنا للطعن في فِكرة الإستخفاف بأفكار اللادينيين والترويج لها بكونها أفكار تافهة لا تستحق النظر، اللاديني هو شخص بحث كثيرًا ودرس الكتاب المقدس أو القرآن الكريم مرارًا وتكرارًا، فما أفظع الاستخفاف بتجربة شخص عانى فكريًا ونفسيًا حتى يُقبل على خطوة ضخمة مِثل تركه للدين، وهذا الحديث ليس فقط دفاعًا عن اللادينيين بل هو دفاعًا عن المتدينيين كذلك، فالمجتمع المؤمن الذي يقوم على الإستخفاف بمن هو دونه؛ والتحقير من أفكار غيره؛ وتزييف صورة من هم سواه لن يصمد كثيرًا، فالدين الصالح والمتماسك يظل صامدًا عن طريق الحوار والتلحين بالحجة مقابل الحجة؛ والفِكرة مقابل الفِكرة، أما التحصين الأعمي تجاه الملحدين؛ وتلبيس ما ليس فيهم وترسيخه في عقول المؤمنين سيؤدي بالضرورة إلى خمول عقول المؤمنين؛ ومما سيؤدي إلى صدمة فكرية لدى الطرف المؤمن حين يصادف مستقبلًا شخص لاديني ويسمع منه حجج منطقية واستشهادات قرآنية لعل الطرف المؤمن لا يعلم بوجودها من الأساس بسبب انتكاسته الفكرية التي كان السبب فيها رجال الدين الذين روجوا لصورة الملحد على أنه شخص شهواني وساذج وما إلى آخره؛ ظنًا منهم بأن هذا النهج سيثبت المجتمع المؤمن على الدين، ولكن هيهات.

خلاصة هذا الحديث هي أن التسخيف من الطرف الآخر ليس حلًا فضلًا عن أن يكون ردًا على الأفكار، التقليل من شأن اللادينيين لن يطمس أفكارهم ولن ينفي وجودهم، بل سيطمس فِكر المؤمنين أنفسهم؛ فبينما اللاديني يقرأ ويدرك لهيب الوضع الفكري الموجود؛ يتكئ المؤمن على أريكته مطمئنًا بقول شيخه له عن أن الملحد شخص ساذج وأبله، وكما قلت سابقًا وسأقول الآن وفي كل حين، الحل لمشكلة التقاعس الفِكري والتشويه تلك يكمُن في الارتقاء بمستوى الحوار وفي خلق زخم فكري مبين المتدين واللاديني حتى نصل إلى أرضية حوارية مشتركة وسليمه لا تشوبها شوائب التسخيف؛ ولا يصيبها العوار في الحديث؛ أرضية تتسم بصحة الاستدلال الذي يغنينا عن ظاهر النتائج، فلا يهم ما النتيجة التي توصلت إليها، سواءً كانت الإلحاد أم الإيمان؛ فالمهم في الأمر هو صحة الاستدلال والعقلانية في المسار المعرفي الذي ستتبعه، وهذا ما يستحيل تحقيقه إلا عن طريق القراءة والنقاش والسعي نحو التزاحم الفِكري الخلوق من كلا الطرفين؛ المؤمن والملحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد