أن تولد وتنشأ داخل غرفة معتمة حالكة السواد حينها تصبح حدود عالمك ما تلمسه يداك ويصبح الحديث عن الألوان شيء من العبث، وأن تولد وتنمو داخل غابة شاسعة ممتلئة بالحيوانات وتحيا حياة ساكنيها فتأكل أكلهم وتتطبع بطباعهم حينها يصور لك أن المشي على رجليك فقط شيء من البهلوانية وكلام البشر طلاسم ورموز لا تستطيع فكها، وأن تولد وتكبر داخل ملاهي أعدت للأطفال ثم يأتيك أحدهم ليحدثك عن الديمقراطية وظاهرة الإحتباس الحراري والأزمة الواقعة بين حكومة مدريد وإقليم كتالونيا سوف يعد هذا لك شيء من التّرّهات لن تصدر إلا عن إنسان قد اكتسى عقله بالخرف.

هذه ما تسمى بالعوالم المنغلقة، وتتميز تلك العوالم بانعدام الأفق وضيق الحدود وعمى الإدراك واتساع وكثرة الفجوات بينها وبين محيطها، وكثيرة هي تلك العوالم المنعزلة في عصرنا الذي نحيا ويعتقد قابعيها أنهم قد بلغوا الأفق وملكوا المعرفة وأدركوا الغاية ومن هنا تبدأ القصة.. قصة المنغلق.

عاشت الحركة الإسلامية في مطلع العقد الثامن من القرن الماضي حالة من الانفتاح على المجتمع بعد أن منحتهم الدولة هامشًا من الحرية في الحركة والدعوة وكان للدولة من هذا الأمر غاية، ولكن لم تستثمر الحركة هذا الهامش من الحرية في انفتاح حقيقي على المجتمع بكل مكوناته؛ وذلك لأسباب عدة، أولها أن من كان على رأس الحركة وقتها زمرة من أبناء الجيل الأول للحركة والذين سلبت منهم ثمرة شبابهم وربيع عمرهم في غياهب السجون في حقبة عبدالناصر فقد عزلهم عبد الناصر عن العالم بالكلية لفترات طويلة، فأصبحت حدود عالمهم أسوار السجن السميكة، وأوطانهم الزنازين المظلمة، وأحداثهم حفلات التعذيب التي لم تدع إلى غيرها، فأصبحت حياتهم بلون واحد وهو لون القمع والتعذيب والخوف، وعندما خرجوا وجدوا كونًا غير الذي قد كان فقد تغيرت معالم المجتمع الذي ألفوه وحدود الجغرافيا التي عهدوها وعاشوا فيها؛ مما دفعهم إلى الانغلاق والتقوقع على أنفسهم في تنظيمات سميكة هي جدرارنها بسماكة جدران السجن، وأضحت مهمتهم ليس الخروج للانتشار والتغلغل والاندماج، وإنما لاستقطاب من هو أقربهم شبهًا في التركيب، والأميل لفكرتهم عاطفة، ومن ثمَّ الانطواء على أنفسهم والعودة إلى قوقعتهم مرة أخرى، أما السبب الثاني فهو دعم الدولة لهذا النمط من التفاعل مع المجتمع، واستغلاله لإحداث التوزان المطلوب، والذي صب في النهاية في مصلحتها والوقوف بقوة لمن يغرد خارج هذا السرب والذي حدث مرات عدة، وذلك لأن الحركة لم يكن مكونها الوحيد أبناء حقبة عبد الناصر، بل كان هناك جيل جديد ابن عصره، والتي لم ترق لبعضه تلك الحالة، وهنا دقت طبول المواجهة.

استطاع من تبقى من أبناء الجيل الأول للحركة الإسلامية في القرن العشرين من نقل عدوى الانغلاق والتقوقع التي أصابته وتمكنت منه داخل معتقلات عبد الناصر، إلى نسبة ليست بالضئيلة من جيل الشباب؛ فأصبحوا قوالب كربونية منهم، كما ظهرت فئة أخرى أكثر انغلاقًا وتقوقعًا، وبفجوة أكبر وأعمق بينهم وبين المجتمع، فأصبحت هذه الفئة أشد انعزالًا وغيابًا عن المشهد، وفئة ثالثة رغم قلتها، لكنها لم تجد مفرًا من الاندماج والانصهار مع المجتمع، وإنتاج مظلة أكثر اتساعًا تستوعب تحت ظلها أبناء الأمة بكافة أطيافها ومكوناتها، وهنا تباينت الحركة بتباين علاقتها مع المجتمع، ولكن بقي الطيف الغالب هو الذي أنتجته حقبة عبد الناصر ورسمت معالم طريق أسواط الجلاد.

من مظاهر الانغلاق المتجلية للحركة هو الظهور المنفرد، سواء كان في الطرح المنفرد في القضايا العامة أو الفعاليات الخاصة في الأحداث العامة أو الأنشطة الأحادية في المناسبات العامة، كل ذلك نمّى الفجوة الموجودة بين الحركة وبين المجتمع، سعت الدولة إلى زيادة الفجوة بدعم هذا الظهور للحركة، وكانت تقف بالمرصاد لمن يخرج عن المضمار؛ مما أنتج عدة صراعات بين الدولة وبعض أبناء الحركة ظهرت جلية في تسعينات القرن الماضي، فأبناء الحركة الجدد يريدونها أكثر انفتاحًا والدولة من مصلحتها الحفاظ على الفجوة الموجودة بين الحركة والمجتمع كما هي.

من هناك.. من على أعتاب سجون عبد الناصر كانت بداية القصة، وبقيت ممتدة يتوارثها جيل بعد جيل إلى عصرنا هذا، لكن في السنوات الأخيرة إصطدمت الحركة بجيل جديد من الشباب أكسبتهم الأحداث إدراكًا ووعيًا جعلته يسعى لوضع نهاية لهذه القصة.. قصة المنغلق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!