خطوتان، خطوة، ربما أقل. بعد انقطاعٍ دام لأكثر من 10 سنوات، وقبل ثلاث سنوات من مثل هذا اليوم. قررنا الذهاب لزيارة القدس كعائلة فلسطينيّة لا يفصل بينها سوى القليل من الكيلومترات، والكثير من المكعبات الإسمنتيّة، والأبواب الكهربائيّة.

لا أذكر آخر مرة خطت قدمايّ القدس، كنت في التاسعة أم العاشرة من عمري. قررت، وبسبب تشجيع من شقيقتيَّ الذهاب برفقتهما. ولكن في البدايّة كان يتوجب عليّ الحصول على تصريح يمكنني من الدخول إلى مدينة القدس. ولكن بسبب التقاء الأعياد اليهوديّة وسوء حظي في آنٍ واحد، كان الارتباط مغلقًا (مكان إصدار التصاريح)، وعلى ذلك لن أتمكن من اجتياز المحسوم (المحسوم هي المعنى العبري لكلمة حاجز). ولكن أصرت شقيقتي للمرة الثانية على الذهاب برفقتهما دون تصريح، مع العلم أنها حصلت على تصريح قبل الأعياد اليهودية. عمّ الصمت، بعدها رددت مجيبة: حسنًا، سوف أذهب، كان كل تفكيري يصب في أنّ أعظم ما سيحصل هو العودة أدراجنا خائبين إلى المنزل. في صباح اليوم التالي، بدأت شقيقتي بتحضير نفسها. التفتت إلي قائلة: سنأخذ ملابس الصلاة لتأدية كافة الصلوات.

أجبتها بحماس: أجل، في الصباح سنتناول الفطور، فلا يوجد أفضل من كعك وفلافل القدس. وبدأت أذهب في التفكير في المشي في الشوارع القديمة، بين أبوابها وأزقتها، ورائحة الياسمين، والتقاط الصور التذكاريّة. بعدها بقليل، طُرق باب المنزل، إذا به العم فاروق، وهو أحد أقاربي الذي يقطن في بلاد المهجر، جاء لقضاء العطلة السنويّة هنا بين عائلته. إذ قرر أن يقلنا بسيارته والذهاب برفقتنا. انطلقت السيارة التي تحمل اللوحة الصفراء، التي يقودها العم فاروق الذي يحمل الجنسيّة الأمريكيّة، والتي تخول له اجتياز المحسوم من دون الحاجة للتصريح. بدأ نقاش بشأن الطريق التي سنسلكها. فاقترح:

– سنذهب من محسوم حزما، لن يكون هنالك تشديد، وستتسنى لنا فرصة أكبر للعبور. عم الصمت لدقائق، بعدها سمعنا صوت يجيب بانزعاج شديد، إذا بها شقيقتي حادة الطباع: لا، لا نريد إضاعة الوقت، نريد تقضية كافة الوقت في القدس، على ذلك سنذهب من محسوم قلنديا.

بعد نقاش استمر لدقائق، بين سنذهب من هنا أم من هناك. قررنا الذهاب بمشورة العم فاروق بصفته الأكبر سنًّا والأكثر حكمة. فقررنا الذهاب إلى حاجز حزما. عند وصولنا وجدنا أن العديد من السيارات تعبر بكل سهولة ومن غير تفتيش، زاد لدينا الأمل بالعبور. انتظرنا برهة إلى حين جاء دورنا، هنا كانت المفاجأة بأنهم أمروا بإيقاف سيارتنا.

– الجندي، الذي أطلقنا عليه اسم طوني: شلوم (سلام في اللغة العربية)، لوين رايحين، وين الهويات.

في محاولة لتضليلهم أعطيناهم تصريح شقيقتي، وجواز السفر الأمريكي على أمل أنّ يسمحوا لنا بالعبور. ولكن بعد تفحصهم للوثائق، نظروا إلى السيارة، نظرة تذهب إلى الوثائق والأُخرى تذهب إلى داخل السيارة. في هذا الوقت جاءت المجندة الشقراء، إنها شابة لا تتجاوز التاسعة عشر من عمرها، وبعد أن كررت ما فعله طوني. أشارت إلي قائلة: «وين هويتك؟».

أخرجت هويتي، خضراء، لا تسمح لي باجتياز هذا المحسوم.

نظرت إلى الهوية نظرة غضب! قائلة: «وين التصريح؟»

لكنني لا أملك التصريح، ولا الهويّة الزرقاء، ولا الجنسية الأمريكيّة. فما كان بي إلا أن أُجيب بنوع من الثقة: إننا بفترة أعياد، وفي الأعياد لا يتطلب الأمر تصريحًا. وبعد سماعها الإجابة طلبت منا إيقاف السيارة إلى جانب، هنا أدركنا أن الأمر سيطول. وقفنا نتأمل كيف تَعبُر السيارات تجتاز هذا المحسوم. أثناء الانتظار بدأت أنظر وأتفكر في الحاجز المادي أبواب حديديّة، قطع كبيرة من الطوب يقف وراءها العديد من الجنود، والكثير من الوقت يذهب سدى في الانتظار خلف هذه الحجارة. بعد ذلك، بدأت في محاورة نفسي متعديّة المرحلة المادية للحاجز لأدخل في المعنى النفسي. متسائلة: ماذا يعني محسوم؟ من أين جاءت هذه الكلمة؟ وكيف تسربت إلى ألسنتنا حتى باتت كلمة عاديّة؟

بدأت بالإجابة بنفسي: محسوم، مخسوم، الكلمة دارجة على ألسنتنا دون إدراك أنها بالأساس كلمة عبرية، هذا يشير إلى تسرب اللُغة إلى عقولنا. حتى عند معرفة أصل الكلمة، لم يكن من السهل استبدال الكلمة العربيّة بها.

بعد مرور ربع ساعة، جاء الجندي وطلب من العم فاروق النزول من السيارة، فأخذت أتتبعه بعينيَ، إلى حين دخوله إلى غرفة صغيرة. في ذلك الحين جاء جندي ذو بشرة سمراء، أخذ ينظر إلينا ويبتسم ثم يذهب ويعود، إلى حين عودة العم فاروق.

العم فاروق قائلًا: أريدك أن تأتي معي، يريدون الاستفسار عن بعض الأمور، وسيطرحون بعض الأسئلة الروتينية، لا داعي للخوف.

لا أُنكر أنني شعرت بالخوف الشديد، نزلت من السيّارة وسرتُ مع العم فاروق في خطوات متباعدة، خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الوراء. دخلنا إلى الغرفة بجانب الحاجز.

– عند دخولي طرح عليّ الجندي الذي يتكلم العربيّة: كيف حالك؟

– أجبت: وكيف سيكون حالي!

– هل تعلمين من أجل اجتياز المحسوم يجب الحصول على تصريح؟

– لا، لا أعلم.

أجاب بنوع من الدهشة: حقًّا! ألم تأتي إلى هنا من قبل؟

في هذه الأثناء لا أعلم ما الذي حصل، ولكن جميع الخوف تبدد بمجرد سماعي أن الذي يتحدث يتقن العربيّة. بدأت من جديد محاورة نفسي: إنه يتحدث العربيّة إنها لُغَتي لذلك لن يؤذيني، سيسمح لنا بالعبور، أو سيأمرنا بالعودة من حيث ما أتينا. هذا كل ما كان يدور في ذهني.

التفت إلي قائلّا: ما اسمُك؟ أُريد منك التوقيع على هذه الورقة.

أجبت: ما هذه الورقة؟ أذكر أنها مكتوبة بالعربيّة، الإنجليزيّة والعبريّة.

اقرئيها بصوتٍ مسموع وستفهمين.

بدأت بالقراءة، ما عساي أن أفعل. كان مفادها أنني لم أتعرض للضرب، ولا لأي فعل يتضمن العنف. كانت هذه الورقة عبارة عن إخلاء للمسؤولية عن الأفعال التي من الممكن أن أتعرض لها بعد توقيعي عليها، علمًا أنها صالحة للأعمال التي قاموا بها قبل التوقيع، وليس بعد.

بعد ذلك سألته: ما الذي سيحل بنا؟ فأجاب:

سوف تذهبون إلى «معسكر عطروت»، إن الأمر لا يتطلب الخوف، إنه أمر روتيني، وأسئلة عادية كالتي أجريناها هنا فقط.

فما كان بي إلا الإجابة: فلماذا الذهاب إذن؟

فأجاب متعجبًا: أول مرة يحصل هكذا، وأنه بالعادة نرجع من لا يملكون التصاريح، وخصوصّا من الإناث. فتذكرت هنا حظي للمرة الثانية.

وقفت في الخارج أتأمل الأبنية، والمدينة، إلى حين جاءت ناقلة الجنود التي ستأخذنا إلى المعسكر.

حينها أَشار آسفًا: «لو أن الأمر بيدي لما فعلت هذا، إنني غير سعيد، حاولت إقناعهم بعدم إرسالكم للتحقيق، ولكن كل محاولتي باءت بالفشل».

لا أدري ما الذي يريد إيصاله، ولكن في كافة الأحوال لا أريد أن أجمل الاحتلال. فخرجنا وطلب مني الصعود للناقلة برفقة جنديين.

أجبت: لا أريد الذهاب وحدي مع الجنديين. فطلب من العم فاروق مرافقتي، وبالوقت نفسه أرسل جنديًّا آخر مع شقيقتيَّ. وهكذا انطلقت الناقلة، كل ما كان يدور في ذهني في ذلك الوقت ماذا ستكون ردة فعل أهلي عند معرفتهم. ولكن الشيء الآخر الذي أدركته أنني قد اجتزت الحاجز، بالرغم من اختلاف الأسلوب واختلاف المقصد، إلا أنني اجتزته!

بمجرد وصولنا إلى المعسكر، جاء ضابط يسأل:

– ماذا هناك؟ أجابوا:

– إنهم لا يملكون التصاريح. فطلب منا الذهاب والجلوس على الكرسي، ودام الأمر أكثر من ساعتين، خلال هاتين الساعتين رأيت العديد من الشبان في غرفة صغيرة، لا يفصل بيني وبينهم إلا الجدار الذي أسند إليه ظهري. ما كان بوسعي في هذه اللحظات إلا أن أستكشف المكان. فأخذت عيناي تنظر إلى البنايات، الفتيات اللواتي يمارسن الرياضة، والمجندتين تستمعان إلى الموسيقى، وينظران إلي بنظرات غريبة لا أدري ما وراءها، خوف، أم تعجب من كوني الفتاه الوحيدة.

في خضم التأمل يأتي المحقق الضخم ذو البشرة السمراء، يستدعي الشبان الواحد تلو الآخر، لا يستمر التحقيق إلا بضع دقائق، يخرج المحقق ويعود يستدعيهم مرة أخرى. إلى حين جاء وطلب مني الدخول إلى غرفة التحقيق.

أشار لي العم فاروق بعد أن خرج من غرفة التحقيق:

– في بعض الأحيان يستفزون الفتيات، أنا أخبرك لكي تكوني على دراية. في حين خروجك من التحقيق ولم تجديني لا تخافي.

أجبت:

– لماذا؟ إلى أين ستذهب؟

العم فاروق:

– لقد سمعت أنهم سينقلونني إلى مكان آخر. سمعت الضابط، ولكن فهمت من مكالمته أنهم سينقلونني للتحقيق في مكان آخر. كان يتحدث اللغة العبريّة، أنا أظهرت عدم معرفتي باللغة.

عند دخولي إلى التحقيق، وبدأ التحقيق، وتوجيه الأسئلة الدقيقة. طلب مني المحقق:

– أخبريني بكافة التفاصيل!

قمت برواية القصة……..

أوقفني الضابط، وسأل:

– لماذا لا تملكين التصريح؟

أجبت: إننا في فترة أعياد وسمعت أنه في هذه الفترة لا نحتاج إلى التصاريح.

لم أفعل شيئًا غير الإنكار، وإظهار عدم المعرفة، ومعظم الإجابات أنني لا أعلم، لا أعرف، لم يخبرني أحد، وهكذا. وللمرة الثانية طُلب مني التوقيع على ورقة عدم التعرض للضرب، والشتم، وطلب مني قراءتها بصوتٍ مسموع.

ثم قال: هيا اتصلي بأهلك، وأخبريهم أننا سنحتجزك لعدة أيام.

لا أعلم لماذا لم أصدقه، علمت أنه يريد إخافتي، ولكن أظهرت بعض التردد:

– حقًّا…

وبعد ذلك وفي خضم النقاش سألني:

– أنت من رام الله؟ أعلم أنها مدينة جميلة. أريد منك مرافقتي في أحد الأيام لزيارة المدينة.

اكتفيت بالصمت، لم أقدم أي تعليق، لم أقم بأي حركة.

– المحقق: هل تعلمين ما أفضل الفنادق في رام الله؟

وهنا تقمصت دور المغفلة، وأنني لا أفهم ما الذي يقصده، أجبت بعفويّة:

– بإمكانك الاتصال على 144.

أما الجواب الذي صدر منه بتهكم:

– من المعقول أن تتوافر لديكم مثل هذه الخدمة، ثم صمت قليلًا، وأضاف: «حتى هاي ماخدينها منا».

المحقق:

– هل زرتي القدس من قبل؟ مجيبًا بكل ثقة: يمكنكم زيارة القدس متى شئتم، نحن نسمح لكم بذلك، وأيضًا يمكنكم زيارة الأماكن الجميلة والتنزه. حاولي فعل ذلك مرة أخرى.

أجبت:

– لا أريد القدوم هنا مرة أخرى، ولا أريد أيضًا زيارة القدس.

والآن أحاول ربط بعض الأمور، لماذا أَجبته بذلك؟ ربما يريد سماع هذه الإجابة، ويريد رؤيتها على أرض الواقع أيضًا.

في النهاية، أخذ بعض الصور لي، من اليمين، واليسار، وأعلى وهكذا. وهنا شعرت كأنني أحد المجرمين في أفلام هوليوود. بعد ذلك أخبرني: الآن أصبح لك ملف عندنا، من المفضل عدم مغادرتك المنطقة، لأنه من الممكن أن يجري استدعاؤك مرة أخرى. ثم ركبنا ناقلة الجنود، لنعود أدراجنا خائبين إلى المنزل، محطمي الأحلام. فلم نصل القدس، ولم نمش في شوارعها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات