عندما سئل (لي كوان يو) مؤسس سنغافورة الحديثة عن دوره في نهضة بلاده، قال: «أظن أنني لم أقم بمعجزة في سنغافورة، لقد قمت فقط بتخصيص موارد الدولة للتعليم وغيرت مكانة المعلمين من الطبقات الدنيا إلى المكان اللائق بهم وهم من صنعوا المعجزة».

وبالنظر إلى ذلك التوجه وعند إجراء مقارنة بسيطة بين الوضع العام الحالي لسنغافورة ولدولة كمصر، سنجد أن ما آلت إليه الأوضاع في كلتا الدولتين كان نتيجة حتمية للنهج المتبع في كل منهما، فبالتأكيد لم يكن لي كوان ليسمح بأن يثري العالم بعقول وطنه المتميزة في حين يفتقر لها في الداخل بل ويستعين أيضًا بعد ذلك بخبراء أجانب لينهضوا ببلاده كما نفعل نحن في مصر ويسير على خطانا في ذلك العرب.

فبينما كانت سنغافورة تنتقل من مصاف دول العالم الثالث لتصبح ضمن دول العالم الأول خلال أقل من جيل، كانت مصر تتدرج نزولًا لتستقر في المركز الأخير في جودة التعليم ومستوى الجامعات وكانت نتائج نهج التسطيح والإهمال المتبع لدينا منذ عقود إزاء التعليم تتجلى واضحة في كافة ملامح الحياة، حيث أصبحت الشهادة العلمية بالنسبة للغالبية العظمى مجرد ورقة تثبت أن صاحبها تلقى العلم ولا يُحسب على فئة الأميين حفاظًا على الشكل والمستوى الاجتماعي، أو الورقة التي تمنحه فرصة الحصول على وظيفة ذات دخل عالِ أو الالتحاق بركب السلطة و المنصب؛ فأصبح بذلك البحث عن المال وتحصيله هو المبتغى وليس العلم في بلاد ارتفع فيها شأن السلطة والمال وانحدر فيها شأن العلماء، فلم يعد العالم أو الباحث الذي يطمح لتغيير العالم بنظرياته وإحداث طفرة علمية مصدرها بلاده يجد من يدعمه بل يتعثر في كل خطوة للأمام بعقبة تؤخره قليلًا فقط عن السد المنيع الذي تنهار عليه أحلامه وتتبدد في نهاية المطاف.

فالبحث العلمي الذي هو ركيزة التطور في الدول المتقدمة والذي تنفق عليه إسرائيل 4.7% من دخلها القومي يكاد ينقرض في مصر من شدة الإهمال وهي التي تنفق فيه أقل من 1% من دخلها فقط، ليصبح نصيب الباحث الواحد على سبيل المثال في جامعة الإسكندرية هو 31.25 جنيهًا بعد تقسيم المبلغ المخصص لها على عدد أعضاء هيئة التدريس، وهو المبلغ الذي من المفترض أن ينهض بالعلم وهو لا يكفي ثمنًا لأوراق البحث، وبالتالي لم يكن من الغريب أن يتراجع ترتيب مصر في البحث العلمي حسب تقرير التنافسية العالمي لعام 2014/2015 الصادر في المؤتمر الاقتصادي العالمي من المرتبة الـ127 في 2013 إلى المرتبة الـ135 في قائمة تضم 144 دولة، ونتيجة متوقعة لذلك أيضًا كان تقرير الاتحاد العام للمصريين في الخارج لعام 2013 ليكشف عن تعداد علماء مصر في الخارج الذين وصل عددهم إلى 86 ألف عالم، وبذلك تحتل مصر المركز الأول في عدد العلماء على مستوى العالم وهو الإحصاء الذي يثير الرضا والسخط في آن واحد، فمن يحصي ذلك العدد من العلماء قد يظن خاطئا أن تلك البلاد تمتلئ بهم حتى فاضت وسيغيب عن ذهنه أنها من هيئت لهم المناخ والبيئة الطاردة بما لايدع لهم بدًّا من الهرب بعد أن ضاقوا ذرعًا باستجداء الدعم للبحث العلمي والاختراعات من الدولة أو حتى إيجاد من يستثمر في العلم بالرغم من أن  مردوده في النهاية يعود على الدولة أيضًا.

لينتهي المطاف بـ 75% منهم بالاستقرار في الخارج في البيئة التي وثقت بهم ودعمتهم ليبقى لنا في النهاية حق الفخر والحسرة فقط، الفخر لكونهم أبناء الوطن والحسرة على فقدانهم وفقدان آلاف غيرهم من العقول الفذة التي لم يهيأ لها بدء المشوار من الأساس، وعلى الرغم من جميع ما ورد لم نجد أيا من أولئك العلماء يتوانى عن تقديم المساعدة التي تحتاجها بلاده من خبرته وعلمه حتى ولو لم تساهم بها بل أعلى من شأنها في الخارج حتى وجب علينا وأصبح لا مفر لنا من الارتقاء بأنفسنا للحفاظ على ذلك الشأن، ومن أبرز الأمثلة على هؤلاء العلماء الذين لاتكفي السطور لتعداد أو حصر إنجازاتهم التي ملأت أرجاء العالم والذين لم يحظوا بالشهرة داخل مصر أو حتى إلقاء الضوء عليهم كغيرهم مما امتلئت الصحف بأخبارهم كان:

1- البروفيسور هاني مصطفى

صُنف كأحد أهم خمسة صناع للطيران في مونتريال كندا وهو واحد من أهم علماء الطيران في العالم، حيث يعمل كرئيس لوحدة تطوير الأبحاث في شركة براد أند ويتني أحد أهم شركات تصنيع الطائرات في العالم والتي من خلالها ساهم في تصنيع أكثر من 70 محرك طائرة كما ساهم في إنشاء مصنعين لتصنيع المحركات، وعلى مدار حياته عمل رئيسًا لمعهد مونتريال للفضاء، وعميد كلية هندسة علوم الطيران والفضاء في جامعة كيبيك، ومندوبًا لكندا في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وقد حصل على 23 براءة اختراع وأجرى 100 بحثًا هندسيًا ليحصد بعد ذلك أكثر من 30 جائزة كبرى كان أهمها نيل وسام فارس من الهيئة الوطنية بكيبيك، والجدير بالذكر أنه تخرج في كلية الهندسة جامعة القاهرة عام 1970 وبعد حصوله على الدكتوراه من كندا والعمل هناك لفترة وجيزة عاد إلى مصر عام 1981 ليبدأ حياته فيها ولكنه ما لبث أن عاد أدراجه إلى كندا بعد سنة واحدة فقط لالتماسه تغير الأوضاع في مصر وتزعزع مكانة العلم والعلماء وانعدام مناخ الابداع وصعوبة العيش.

2- العالم مصطفى عبد المقصود

وهو العالم الذي يعتبره الألمان ثروة قومية لعقليته الفريدة التي أهلته للعمل في أهم المناصب والذي يحيط عمله بالكثير من السرية لطبيعة المهام الموكلة له في أكبر دولة صناعية في العالم، فهو يعمل اليوم كعميد لمعهد بناء السفن وعلوم البحار في جامعة هامبورج ويشرف على أكبر معمل اختبار جودة سفن في الاتحاد الأوروبي، وقد بدأ رحلته بعد تخرجه في كلية الهندسة جامعة الأسكندرية وسفره إلى ألمانيا لاكمال دراساته كغيره من العلماء ليُكتب له التميز بفضل كفاحه وعقليته ويصبح في فترة وجيزة أشهر مصمم سفن في ألمانيا، حيث وضع تصميمات أكبر مدمرة بحرية في الجيش الألماني والعالم وساهم أيضًا في تصميم العديد من القطع البحرية الحربية الأخرى، وكان من أبرز إنجازاته وأحدثها تصميم أكبر حاوية في العالم والتي يبلغ طولها 200 متر وقدرة على حمل 85 ألف طن بضائع وتقع حاليا قيد التنفيذ، بالإضافة إلى حصوله على العديد من براءات الإختراع واكتشافاته العلمية المهمة في صناعة السفن.

3- الدكتورة هدى المراغي

في حين أن المرأة العربية مازالت تناضل من أجل أبسط حقوقها وتحاول إقناع الجميع بجدارتها بالمهام والمناصب الحقيقية لا الشكلية فقط، كانت المرأة المصرية والعربية حققت ذلك في الخارج لتثبت لعالمها العربي أن العيب ليس في طبيعتها كما يدعون وإنما في عقولهم.

ومن أبرزهم كانت الدكتورة هدى المراغي أول سيدة في تاريخ كندا تصبح عميدة لكلية الهندسة جامعة ويندسور عام 1994 والتي بدأت مشوارها العلمي بعد تركها عملها كمعيدة في جامعة القاهرة وسفرها إلى كندا للحصول على الدكتوراه لتخسر مصر بذلك 350 بحثًا أجرتهم ساهموا في تغيير موازين هندسة التصنيع في العالم، وبالرغم من كونها كانت المرأة الوحيدة في مجالها على مدار حياتها إلا أن ذلك لم يثنيها أن تصبح أول سيدة تحصل على لقب أستاذ كرسي في الهندسة الصناعية في تاريخ كندا، وأن تساهم في إنشاء أهم مصانع السيارات في العالم وتحديث أنظمتهم مثل مصنع كريسلر وأن تبتكر أول نظام للإنتاج الذكي والمرن في العالم، بالإضافة إلى عملها كمستشارة لوزارة الدفاع الكندي لمدة خمس سنوات لتحصل مؤخرًا على وسام أونتاريو الكندي تكريمًا لجهودها في مجال الهندسة، ليبقى دائما السؤال الأبرز هل كانت ستحقق أيًا من ذلك إن بقيت داخل مصر وكان أقصى طموحها التدريس في الجامعة؟

4- البروفيسور أسامة مصيلحي

تخرج مصيلحي أيضًا في كلية الهندسة جامعة القاهرة عام 1970 ليبدأ حياته المهنية في تصميم المفاعلات الذرية في شركة كاناتوم الكندية بعد حصوله على الدكتوراه في علم إدارة مشروعات البناء والتشييد، كما عمل أيضًا استشاريًا في حل نزاعات الإنشاءات والتشييد واستعانت به الهيئة الهندسية للجيش الأمريكي في نزاع لها مع شركة مقاولات خلال مشروع ممر الإقلاع في قاعدة بلاو باسيفيك الجوية، ثم عمل مستشارا للموانئ السعودية لمدة ثلاث سنوات ساهم من خلالها في عمل 16 رصيفًا بحريًا، وكان أيضًا واحد من ثلاث أساتذة شاركوا في مشروع كندا القومي والذي اختص في وضع استراتيجية لشبكات المياه والطرق والصرف الصحي للبلاد ويعمل حاليا بروفيسور في جامعة كونكورديا وقد أجرى أكثر من 550 بحثا علميا في التحليل الإنشائي.

5- الجراح هشام عاشور

وهو الجراح العالمي الذي جمع الكثير من العمليات المعقدة والتي ظلت لسنوات حكرًا على بعض الأطباء فقط في العالم لصعوبتها وقام بتبسيطها وتعليمها لفريقه من الأطباء لخدمة عدد أكبر من المرضى وتقليل فترات الانتظار، وتتشابه بدايات مشواره مع الكثيرين في مصر وإن اختلفت النهايات فما أن تخرج في كلية الطب جامعة عين شمس وبدأ بالعمل حتى تعرض للظلم والاضطهاد من رئيس القسم لخلاف استغل فيه الأخير سلطته ليقرر عاشور الاستقالة معتزم السفر والتوجه إلى ألمانيا، وبالرغم من كونه لم يكن يمتلك سوى القليل من المال إلا أنه وبعد كفاح طويل خلا من الظلم هناك مُنح التخصص بإمتياز وأصبح أصغر رئيس قسم في مستشفيات ألمانيا ثم مديرا لأكبر مستشفى نساء وولادة وأورام نساء في العالم ورئيسًا لمركز أورام الثدي في ولاية ايزارليون، ولم يمنعه أخر حدث حملته ذاكرته له في مصر أن يرفض التنازل عن الجنسية المصرية مقابل الألمانية وقد رفع قضية للجمع بين الاثنتين وفاز بها في سابقة أولى تقديرًا لمكانته، وقد أجرى عاشور وعلى مدار حياته المهنية وحتى اليوم أكثر من أربعة آلاف عملية من النوع المعقد والخطير إلى جانب آلالاف من العمليات البسيطة، وظلت شهرته أغلب حياته محصورة في الخارج حتى كانت مبادرته مؤخرا مع أحد البرامج لعلاج الحالات المستعصية في مصر حيث أجرى أكثر من 15 عملية جراحية مجانًا لنساء عانين لسنوات من أورام صعبة ولم يكن بامكانهن الخضوع للعلاج لافتقارهن للمال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد