إسرائيل لغز الشرق الأوسط، لم يبقَ في عمرها سوى 10 سنوات، قنبلة يفجرها «هنري كيسنجر» أخطبوط السياسة الأمريكية، ووزير خارجيتها السابق، وعراب الصهيونية في الولايات المتحدة في صحيفة «نيويورك بوست» مطلع أكتوبر 2012، ليعيد إلى السطح الهاجس الوجودي والريبة من المستقبل التي تحدث عنها زعماء الكيان منذ ظهوره إلى حيز الوجود. وقد سبق هذه النبوءة الخطيرة والمؤرقة للساسة الصهاينة دراسة سرية أجرتها وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA، توقعت أن الكيان الصهيوني مصيره السقوط في غضون 20 عامًا، ولن يكون بمقدور أحد حمايته من الانهيار، أو دفع عجلة الزمن إلى الخلف في ظل متغيرات داخلية ومحلية ودولية طاغية؛ لذا بدأ يتنامى إلى وعي الدول الغربية أن استراتيجيتها الاستعمارية التي تلت الحرب العالمية الثانية، وتأسيس الكيان الصهيوني آخذة في الاحتضار، وأن ساعة الصفر الوجودي ليست ببعيدة. وقد عبر رئيس الوزراء الإسباني الأسبق «خوسيه ماريا أزنار» عن مخاوفه من انهيار المشروع الصهيوني في مقابلة نشرتها صحيفة «التايمز» البريطانية، تحت عنوان: «ادعموا إسرائيل لأنها إذا انهارت انهار الغرب».

لم يكن أرباب الاستعمار الغربي لمنطقتنا العربية أكثر خوفًا على مستقبل الكيان الصهيوني الذي بدأت تدب في أوصاله وشرايينه عوامل الوهن والسقوط من أصحاب المشروع أنفسهم، الذين اجتاحتهم موجة مد عنيفة وضعت مستقبلهم ووجودهم رهن التساؤل الدائم. فما إن وضعت حرب تموز (يوليو) على لبنان أوزارها، ومُني الجيش الصهيوني بهزيمة مدوية، حتى أقر رئيس الوزراء الصهيوني «نتنياهو» أن الحرب أعادت سؤال الوجود إلى التلويح من جديد فوق رأس إسرائيل، بعدما أزالته حرب حزيران. ورأى نتنياهو في حينه أن التساؤل عن إمكانية بقاء إسرائيل لم يعد يقتصر على أعدائها، وإنما شمل أصدقاءها أيضًا. وقد عبر ستة رؤساء سابقين لجهاز المخابرات الخارجية الإسرائيلية «الموساد»، أنهم قلقون على مستقبل إسرائيل في ظل قيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» خلال حديث أجرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية مع رؤساء الموساد. ونقلت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية أن الرئيس الصهيوني الأسبق «شمعون بيريز» يشعر بالكآبة على مستقبل الكيان؛ بسبب تراجع مكانتها الدولية، وتدهور وضعها السياسي، وظهور دول إقليمية معادية لها.

وإزاء هذه المتغيرات الدراماتيكية التي تضع مسألة الوجود الصهيوني على المحك، والعديد من المقالات والدراسات والتصريحات الاستشرافية التي يطلقها كل يوم القادة والصحافيون والكتاب الصهاينة، يجدر بنا إيجاز بعض المتغيرات التي تبشر باقتراب انهيار المشروع الصهيوني وغروب شمسه عن المنطقة:

1- تآكل العقيدة الصهيونية في قلوب الصهاينة وعقولهم، وتراجع الكثير من المعتقدات التي تأسست عليها الفكرة الصهيونية والكيان لاحقًا، وظهور تيارات فكرية وأكاديمية «ما بعد الصهيونية» ترى أن الحركة الصهيونية ماتت بقيام دولة إسرائيل، ويجب إزالة هذه الفكرة من عقل المواطن الإسرائيلي.

2- انتهاء حقبة القيادات التاريخية في الكيان، وصعود قيادات سياسية وعسكرية ضعيفة إلى سلم الحكم تبحث عن المنصب والثروة على حساب المصلحة العليا للكيان.

3- تدهور العقيدة القتالية للجندي الصهيوني، وعدم رغبته في خوض المعارك، وهروب الكثير من الجنود الصهاينة من الخدمة العسكرية، وإقدام بعضهم على الانتحار خوفًا من المواجهة. وليس أدل على ذلك من حرب تموز (يوليو) في لبنان، والعصف المأكول في قطاع غزة.

4- استشراء الفساد، والرشوة، والفضائح الأخلاقية في مؤسسات الكيان، بما فيها مؤسسة رئاسة الوزراء، ورئاسة الدولة. وشواهد ذلك كثيرة، أبرزها اعتقال رئيس الوزراء الصهيوني السابق «إيهود أولمرت» بتهم الفساد والرشوة.

5- تفكك النسيج الاجتماعي والثقافي في المجتمع الصهيوني، وتباين القيم واللغات والأعراق والبيئات والمصالح، وتآكل الهوية المشتركة، وتحولها إلى حطام، على حد قول أحد الأدباء الصهاينة.

6- فشل منظومة الردع الصهيونية، وتعرض الجيش الصهيوني لهزائم متلاحقة على يد حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية في السنوات الأخيرة، وعدم ثقة القيادة بأداء الجنود في الميدان.

7- عدم جدوى نظرية الضربات الاستباقية في حسم المعركة وهزيمة الخصم مع حركات المقاومة، التي تتبع طريقة الحرب التقليدية الكلاسيكية، وحرب العصابات.

8- عدم ثقة الكثير من المفكرين والسياسيين والكتاب الصهاينة بمستقبل دولتهم المزعومة، وقناعتهم أن مستقبل الدولة مجهولٌ، إن لم يكن إلى زوال.

9- فشل منظومة الأمن الصهيوني، وعدم قدرة الكيان على تأمين حدوده الجغرافية، واستبدال الحراسة البشرية بأساليب مراقبة إلكترونية هشة يمكن اختراقها.

10- انخفاض معدلات الهجرة الوافدة إلى الكيان انخفاضًا كبيرًا، واتجاه الكثير من الصهاينة نحو الهجرة العكسية خوفًا على حياتهم ومستقبلهم، إذ سجلت دوائر الهجرة الصهيونية في السنوات الأخيرة ارتفاعًا كبيرًا في أعداد المغادرين والباحثين عن الجنسيات الأجنبية، وتراجعًا في أعداد المهاجرين اليهود القادمين إلى الكيان.

11- النمو السكاني الهائل، وارتفاع معدلات الإنجاب والمواليد في غزة، والضفة الغربية، والقدس، وعرب 1948، يقابله انخفاض كبير في أعداد المواليد والسكان الصهاينة، وما يشكله ذلك من هاجس ديموغرافي واستراتيجي للكيان.

12- ظهور العديد من حركات المقاومة الوطنية والإسلامية الرافضة للوجود الصهيوني على أرض فلسطين، والتي تحظى بقاعدة شعبية عريضة مثل: «حماس، والجهاد، وحزب الله» وغيرها من الأحزاب على امتداد المنطقة العربية.

13- انحصار النفوذ الغربي في المنطقة لحساب دول وفضاءات إقليمية وازنة، وتعاظم الدور التركي والإيراني في حوض المتوسط، وتداعي نظرية القرن الأمريكي التي بشر بها الكثير من الكتاب في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

14- تزايد حركة المقاطعة الدولية للكيان الصهيوني التي أخذت أشكالًا عديدة مثل: حركة BDS التي تتبنى دعم مقاطعة الكيان اقتصاديًّا وسياسيًّا وأكاديميًّا، وغيرها من المؤسسات العالمية التي تجأر برفضها للمشروع الصهيوني وجرائمه المروعة في فلسطين.

15- فشل الأنظمة العربية، وانكشاف شرعيتها، وهشاشة وجودها الوظيفي، والغموض الكبير الذي يكتنف مستقبلها؛ سيما دول الطوق العربي التي أصابتها الصدوع عقب الثورات العربية.

16- ظهور بعض البؤر والفراغات في جدار الطوق العربي المتاخم والمشاطئ لفلسطين خارج سيطرة الأنظمة العربية، يمكن أن تشغلها تنظيمات وجماعات معادية لإسرائيل في المستقبل القريب.

17- سقوط الدعاية الصهيونية القائمة على المظلومية التاريخية للشعب اليهودي، الذي فتكت به المحرقة النازية، وانكشاف الوجه الإرهابي العنصري الإحلالي للمشروع الصهيوني، حتى أصبح عبئًا ثقيلًا على الاستعمار الغربي.

18- الانسحابات المتكررة، والاتجاه نحو بناء الجدر والأسوار؛ لتجاوز معضلة الخوف والقلق من المستقبل، وشاهد ذلك انسحاب الكيان من لبنان عام 2000 وغزة عام 2005.

19- تهاوي أكذوبة: «الكبار يموتون والصغار ينسون»، وتمسك أجيال «ما بعد النكبة» بحقهم في العودة، وفشل جميع الوسائل التي سعت إلى شطب هذا الحق من الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني.

20- بطء مشاريع التطبيع أمام موجات الرفض الشعبي والمجتمعي رغم ما يحشد لهذا التوجه من مفكرين وإعلاميين وسياسيين.

21- تمدد النفوذ الإسلامي في الغرب، والازدياد المطرد في أعداد المسلمين والمؤسسات الإسلامية، ووصول بعض القيادات الإسلامية لمناصب قيادية رفيعة يمكن من خلالها توفير الدعم للقضية الفلسطينية ومجابهة اللوبي الصهيوني.

وبين ثنايا هذا العرض المقتضب لمتغيرات الفشل والسقوط ندرك جيدا أن نهاية المشروع الصهيوني باتت تلوح في الأفق، ولم يعد من الواقعي دفعها عن عتباتهم الملطخة بدماء آبائنا وأجدادنا. وهذا ما دفع الشاعر الصهيوني «حاييم جوري» إلى الاعتقاد أن كل إسرائيلي يولد وفي داخله سكين يذبحه، كذلك ليس من قبيل الاعتباط أن تقدم 16 وكالة استخباراتية وأمنية أمريكية دراسة لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية تطلب منها ضرورة التفكير في منطقة الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد إسرائيل. وأمام هذا القلق المستفحل والشعور بالكآبة على المستقبل، ماذا فعلنا لتعميق هذه الهواجس، وتأجيج مشاعر الريبة على مصير كيانهم الذي يكتنفه الغموض؟ ماذا فعلنا لنزيح هذا الغبار العابر عن وجه التاريخ؟ ماذا فعلنا لنقل الكيان من وكيل عضوي معتمد للمصالح الغربية في المنطقة إلى وكيل ثانوي، وعبء ثقيل على المصالح الغربية، والقيم الأخلاقية التي يتشدق بها أدعياء حقوق الانسان؟ وبعبارة أوضح لماذا تهرول الكثير من الأنظمة العربية للتطبيع مع إسرائيل، ولا يرقبون في المقاومة الفلسطينية إلًا ولا ذمة؟ وختاما لماذا يتكالبون علينا زُرافاتٍ ووحدانًا لمحو حق العودة من وعينا الجمعي؟ أُفٍّ لَكُمْ وَلِهَذِهِ الأَوْهَامِ الَّتِيْ أنْتُمْ عَلَيْها عَاكِفُوْن!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد