مفهوم الاستكبار أعم من الديكتاتورية

النزاع والمعركة بين المستضعفين والديكتاتورية المتجبرة التي أطلقنا عليها في عمقها بالاستكبار من جانب المستكبرين بدأت ملامحها منذ عهد الرسل عليهم السلام، ويحمى الوطيس وتشتد المعركة كلما قاوم المغربون والعالمِ المستكبرِ مشروع الإسلام والإسلام في زماننا، ويستعر النزاع كلما خرجت الأمة بشعوبها وشبابها لنيل حريتها والانعتاق من ذل الاستعباد والسلاطين والحكام والنظام الدولي إلى الحرية المطلقة لعبادة الله ونيل الرزق بحرية.

وفي نفس الوقت كلما مرت المراحل الانكسارات والصدمات، وانحطت الأمة وانكسرت ظلمًا وتكبرًا، بعث الله مجددين ومصلحين لرأب الصدع وتجديد الدعوة وتغيير الأمة وإخراجها من الغثائية إلى النهضة والبناء.

قص الله تعـالى علينا نزاع مستكبري ثمودَ قومِ صالح عليه السلام قال: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [234].

ومن أصالتنا الدينية المشيدة على الوحي وخبر السماء يأتي القرآن ليقدم المعنى الصحيح للظالم والمستبد والفاسد في أعلى تجلياته وصفاته وهو معنى ومفهوم الاستكبار وهو ضد الاستضعاف.

وفي القرآن الكريم «لا يصح استعمال المصطلح القرآني التقابُلي مستكبرون/ مستضعفـون إلا إذا كان الاضطهاد في الرزق وفي المقومات الأرضيّة مقترنًا بالاضطهـاد في العقيدة والشـرع».(1)

خصائص الاستكبار العالمي

القرآن الكريم يصف المستكبرين وطبقة الاستكبار بخصائص خصوصية واستثنائية يسبر أغوارها ويكشف أدوراها الوحي الأصيل

«خصائصها المادية (احتكار الثروات إلى جانب الفقر)، والنفسية (الاستكبار من جانب وموقف الضعيف التابع من جانب)، والاجتماعية السياسية (ملأ يتحكم وعامة تعاني)، والدينية (طبقة مترفة تحارب رسل الله والمؤمنين وتكفر بالله واليوم الآخر دفاعًا عن مكتسباتها ومكانتها ورئاستها ومتعتها)».(2)

تطور الاستكبار

في جو الاستكبار العالمي المتآمر المتكالب سلفًا حسب ما أخبر به حديث «القصعة» على قصعة الأمة نهمًا ونغمًا ورقصًا على جراحها بآلة الاستكبار، وبمعية إنتاجاته الجبرية الديكتاتورية العربية الذابلة، ظهرت بعد الربيع العربي صيغ جديدة لإقامة ميزان الرعب والتوازن في النظام الدولي على شكل ثورات مضادة وانقلابات ووسائل تقتيل وتفتيت، يستهدف من خلالها هوية الأمة، لعلها هذه المرة تقسم لمقسم وتجزئ إلى مجزئ يزيد من إضعافها كي لا يكون لها بوادر تفكير تحريري آخر أو بادرة حراك أو ثورة ضد الاستبداديين الحاصلين على شهادة الديكتاتورية من مؤسسة «صناعة الطغاة».

فبعد فشل النظام الدولي المستكبر من إخضاع الشعوب منذ سايكس بيكو وأكثر بالتقسيم والقوميات وصنع الديكتاتوريات وتخريب العقول والإرادات ونشر الفساد والعهر والجهل والفقر بين الفئات، ها هو اليوم يعدل عن إستراتيجيته الكلاسيكية التفقيرية التجهيلية ليصوب رمحه هذه المرة إلى الجزء الذي أيقظ الأمة بعد سبات وهو الإسلام والهوية الأصيلة.

والكاشف لمجرى وحركة التاريخ يستخلص استنباطًا من حركة الاستكبار في شخص النظام الدولي تطور عقليته منذ 1921- 2016 من خلال مراحل:

  • – من نظام الاستعمار الدولي – النهب.
  • – إلى نظام الصراع الدولي – أيديولوجيات الهيمنة.
  • -إلى نظام الأمن الدولي – الإرهاب.
  • – واليوم نظام البلطجة الدولية – القتل.

المستضعفون في عهد التضاد

كان المستضعفون على عهد الشنآن والتضاد الصراعي بين قوى النظام الدولي خصوصًا الشيوعية والرأسمالية، بين مطرقة الدب السوفياتي وسندان النسر الأمريكي يجدون مُتنفسًا بين العملاقين.

وزد عن العملاقين عملاقًا آخر كان نصيرًا للشعوب المستضعفة ولو بحسابات ووفق أجندات، مختفيًا بتحضر وبعباءة تحرير بيت المقدس وهو التوجه الإيراني الفارسي الذي أدخل نفسه في النظام الدولي بقوة بوصفه طرفًا قويًا يحسب له ألف حساب في التوازن السياسي الدولي، ويحقق وجوده وحقه في كعكة التقسيم بميزان الرعب والتوازن ببعبع القنبلة النووية والخطر على إسرائيل واحتضان ودعم القوى الإسلامية المهددة للأمن الإسرائيلي.

أمريكا كانت تدعم المستبدين وتصنع الديكتاتورية وتفتح لها أبوابها اليهودية والصهيونية «فتجد الشعوب المقهورة سلاحًا ونصيرًا إستراتيجيًّا عند الدولة العظمى التقدمية السوفياتية».(3)

والعكس حين تعاني الأمة من غطرسة الدب السوفياتي تجد أفغانستان مثلًا الدعم الأمريكي جاهزًا ونصيرًا مصلحيًا.

كل من العملاقين كان ينهم ويتجبر على الأمة لكن الصراع بينهما كان يعد ثغرة يستغلها المستضعفون بالدعم والمصلحة المؤقتة.

وهذا الفهم في الأحداث هو ما حدا بالإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ليقول: «كان المستضعفون، على عهد التقابل والتضاد بين الشيوعية والرأسمالية، يجدون مُتنفسًا بين العملاقين. أمريكا كانت تدعم الطواغيت فتجد الشعوب المقهورة سلاحًا ونصيرًا إستراتيجيًا عند الدولة العظمى التقدمية السوفياتية. أما اليوم فالوِفاق بين شرق الجاهلية وغربها وحَّدَ السياسة بما لا يُبْقي متنفسًا للمستضعفين».(4)

النظام الدولي من التضاد إلى الوفاق

أما اليوم وخصوصًا بعد ظهور بعبع الثورات وتحرك الشعوب هنا وهناك، وبعد تهديد الحراك البوعزيزي بسقوط جدار الدول الديكتاتورية العربية لتحل محلها دول ديمقراطية قوية، ولربما بمرجعية إسلامية، ظهر الوِفاق بين شرق الجاهلية وغربها تجمعهما الرؤية الكنسية والنظرة الصليبية بروح يهودية صهيونية، فتوحدت سياسة الطرفين وتيمم قصد الاستكبار العالمي من طامع ناهم على ثروات الأمة الإسلامية إلى آلة مدمرة حاقدة  لما تسميه «الخطر القادم» وهو الإسلام أو مشروع الإسلام القادم.

وانضاف إلى الطرفين طرف ثالث قوي خفي وهو المشروع الفارسي الإيراني بصحبة نظرته الدينية المتطرفة، لقاء ليس كمثله لقاء وتكالب لا نظير له ضد الانبعاث والنهضة والتغيير القادم.

روح وفاق المستكبرين

وهذا ما شهدناه من نفاق سياسي وتكالب أممي تختفي وراءه إيران وأمريكا وروسيا وأوروبا وروسيا بروح الصليبية والصهيونية والصفوية لتقدم الدعم الدولي والقانوني لطائرات روسيا ولقوات بشار الأسد لقصف حمص وحلب وسوريا بذريعة محاربة الجماعات المسلحة الإرهابية.

إنه وفاق وتوحد ليس له نظير جمع النبوءات الصليبية والفارسية واليهودية في بوصلة واحدة وروح واحدة دينية سماوية أسطورية، لم تكتف بنبوءة احتلال بيت المقدس، بل صار أسمى مراميها القضاء على التهديد الباقي والسرمدي المجسد في  العروة الوثقى الباقية المتجذرة في غرز المسلمين، وهو الإيمان الباعث الأساس – بعد المعرفة والعلم – على الانعتاق من رقبة الاستعباد، والمحرك الأول لرفض الظلم والذل، والاستعباد يأتي والديكتاتورية، وهو الإسلام ومشروع الإسلاميين.

إن الاصطفاف اليوم غير المسبوق على الأمة بعد تجاوز مرحلة التكالب على الأمة بصراع وتنافس ونهم نفطي ومادي، وحَّدَ السياسة بين المتكالبين بما لا يُبْقي متنفسًا للمستضعفين.

فضاقت ثغرة الاستفادة من الصراع بين العملاقين واستحكمت حلقات الدعم من قبل دول الديمقراطية بما فيها الأوروبية لتصطف هي الأخرى بجنب العملاقين والعملاق الثالث وهو إيران، ليوجهوا الجهود نحو القضاء على ما يؤرق مضاجعهم وهو مشروع الإسلام المتزن المتئد.

ويجمع هذا المفهوم للتوافق الاستكباري العالمي رؤية الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في قوله:
«كان الحِلف الغربي ضدَّ الشيوعية مُحَرِّكَ «الناطو» وعامِلَ التلاحم بين الأغنياء الأقوياء. أما اليومَ فالمحرك في النظام العالمي الجديد هو العِداء للإسلام. الإسلام هو «دولة الشر»».(5)

الإسلام أشر دولة

كان الرئيس الأمريكي السابق ريجان منذ بضع سنوات يصف الاتحاد السوفياتي بأنه «دولة الشر». وقد انتهت تلك الدولة إلى السقوط في أحضان عدو الأمس. وبذلك فقدت الحضارة الرأسمالية مِرآة تعكِس لها حقيقتها لترى وجهَ نفسها في عدوٍّ مطلق، «في «دولة شر». ولا تجد الحضارة المادية في تاريخ عِدائها للإسلام، ولا في حاضر استعمارها لمنابع النفط، ولا في مستقبل تخوفها من الصحوة الإسلامية «دول شر» أشرَّ من الإسلام».(6)

وما صار يصرح به علنًا ومؤخرًا رؤساء الدولة وقادتها الغربيون من رفضهم للإسلام والمسلمين بذريعة أنهم مصدر الإرهاب والرعب، له دليل صريح على الحقد الدفين على الأمة الإسلامية، وبرهان بارز على بروز عصبيتهم وحميتهم الصليبية، وخوفهم المتنامي من تمدد الإسلام وصحوته واستيقاظ أربابه.

ولقد استخلص المستكـبرون في الأرض من دروس الربيع العربي ومن تصدر الطرف الإسلامي المصاف والمقاعد والتجربة الديمقراطية بمظاهرها الإيجابية والسلبية أن الإسلام الحركي هو العدو المهدد للاستقرار الاستكباري في العالم، القادر على تقويض العروش الصنيعة الظالم أهلُها.

تركيا من الشر

وأظن أن تركيا الديمقراطية كما هي مرمى المطاعم ومشاريع النظام الدولي لتسقط في غياهب الفوضى، ومطمح ومطمع القوى الاستكبارية، فهي كذلك تشكل آخر الحصون والحاضنات القوية للأمة الإسلامية، التي علا صوتها سياسيًا وديمقراطيًا لتصطف في مصاف الدول الحرة والديمقراطية بامتياز، وتتبَنّى قضايا الأمة الكبرى وتعبر عنها بثبات وصدق.

وأظن أن النظام الدولي يفقه تقدم تركيا وتغلغل التوجه الإسلامي الأردوغاني، ويعي خطورة عدم مذاق تركيا من الفوضى الدمائية ونجاتها من مؤامرة الفتن الطائفية.

وإنه حقًا مؤخرًا بعد فشل مؤامرة الانقلاب التركي في 15 يوليو فشل بزج تركيا في نافورة دماء المنطقة.

وقد ظهرت تجليات المؤامرة لإسقاط هذا الحصن الحصين من الأمة في المؤامرة المكشوفة قبل وفي وبعد الانقلاب من قبل القوى الغربية وحتى العربية المتآمرة من خلال المواقف السياسية والتحريض الإعلامي الحاقد يقول ديفيد هيرست:

«لقد كان رد الفعل التركي بالأمس تعبيرًا عن ديمقراطية ناضجة. بينما كان رد الفعل الغربي تعبيرًا عن ديمقراطية فاسدة، شوهها وأصابها في مقتل الدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه الدول الغربية للاستبداد والدكتاتورية».

_________________________________________________________________________________________________

1-عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 276، دار الأفق، الطبعة الثانية.
2-عبد السلام ياسين، العدل ص 298، دار الأفق، الطبعة الأولى.
3-عبد السلام ياسين، العدل ص 298، دار الأفق، الطبعة الأولى.
4-عبد السلام ياسين، العدل ص 298، دار الأفق، الطبعة الأولى.
5-عبد السلام ياسين، العدل ص 298، دار الأفق، الطبعة الأولى.
6-عبد السلام ياسين، العدل ص 298، دار الأفق، الطبعة الأولى.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد