توت توت توت توت.
الحرية ولا القوت؟
هاتموت وأنت ذليل ومصدِّي؟
ولا تموت راجل بتحدي؟
أصل العمر أكيد هايعدِّي،
وفي كل الأحوال هاتموت.
توت توت توت توت.
الحرية ولا القوت؟

صلاح عبد الله

في الصراع الممتد منذ 1954 بين جماعة الإخوان المسلمين وسلطة يوليو «المؤسسة العسكرية»، كانت الغلبة دائمًا للمؤسسة العسكرية، إلا في انتفاضة 25 يناير عندما خرجت الجماهير بالملايين، رفضًا لفشل سلطة يوليو على مدى ستة عقود في توفير العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، عندها فقط أصبح في إمكان الإخوان الانتصار على المؤسسة العسكرية، تلك المؤسسة التي لم تنتظر الهزيمة فكانت المبادرة «الانقلاب الاستباقي» في 11 فبراير «بيدي لا بيد عمرو» -إلى حين مرور «العاصفة»- فتولت الأمر، عن طريق المواجهة غير المباشرة، والالتفاف على «العاصفة» عن «طريق رأس الرجاء الصالح» بديلًا عن الاصطدام المستحيل، وقد كان؛ فقد سمح أن يكون للإخوان الغلبة دستورًا ومجلس شعب ورئيسًا، وكلها وفقًا لإجراءات ديمقراطية 100%! ثم انتصرت المؤسسة العسكرية على الإخوان وعلى انتفاضة يناير وعلى مشروع التوريث دفعة واحدة.

يذكرنا هذا بسذاجة فكرة كانت ومازالت منتشرة بشكل كاسح بين محللين سياسيين، تقول: «بتخبط المجلس العسكري خلال المرحلة الانتقالية»، سذاجة لا ترى النجاح المنقطع النظير الذي حققه المجلس العسكري في الوصول إلى أهدافه، فالعبرة والمعيار العلمي في قياس النجاح أو الفشل، في أن يقاس بمدى نجاحه في تحقيقه للأهداف التي تحقق مصالحه، والتي يحددها هو لنفسه للمرحلة المعينة، وليس الأهداف المفترضة التي تحددها أنت له، وترغب في أن يحققها لك!

25 يناير أسقطت حاجز الخوف، وإذا كان بعض المحللين السياسيين يرى أن «طوال أكثر من ستة عقود، بأن تاريخ علاقة سلطة يوليو بالإخوان المسلمين هي سلسلة طويلة من معادلة استخدام سلطة يوليو للإخوان ثم تحجيمهم» «1»، فإن دخول الجماهير كعنصر أساسي في المعادلة بعد سقوط حاجز الخوف في 25 يناير 2011، مما يجعل المعادلة مختلفة، من معادلة «الاستخدام ثم التحجيم»، إلى معادلة «الاحتماء بالجماهير المنتفضة، ثم الانتصار»؟!

والسؤال المصيري الآن:

إذا ما تكرر موقف 25 يناير مرة أخرى، هل يمكن أن تكون النتائج مختلفة، أي هل سينتصر الإخوان؟!

هناك مسألتان تحددان الإجابة على هذا السؤال:

المسألة الأولى: هل تستطيع سلطة يوليو النجاح فيما فشلت فيه على مدى ستة عقود لتتفادى 25 يناير مرة أخرى؟!

المسألة الثانية: هل تنجح جماعة الإخوان في استخلاص الدروس الصحيحة من تجربة 25 يناير، فتحصل على نتائج مختلفة «مرة أخرى تونس في المقدمة»؟!

لمن يراهنون على ثبات الموقف الشعبي من الإخوان المسلمين!

لا أبدية في الموقف الشعبي، بالرغم من الشعبية الجارفة التي حظي بها جمال عبد الناصر سنوات طويلة؛ فقد استطاع السادات بعد توليه الرئاسة، استطاع أن يحول بوصلة الرأي العام المصري 180 درجة خلال فترة زمنية قصيرة للغاية! بإطلاق أحلام الجماهير تجاه حياة الرفاهية إبان زيارته للقدس في 19 نوفمبر 1977، وما حدث ويمكن اعتباره مثالًا صريحًا يؤكد هذه «الخاصية»، ما حدث من عزوف واضح لقطاعات واسعة من الجماهير، عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية 2015، ومن بعدها انتخابات الرئيس السيسي نفسه، رغم دعوة السيسي لهم بضرورة المشاركة! جاء ذلك بعد مرور وقت قصير على الحماسة الواضحة من نفس هذه الجماهير لكافة الانتخابات والاستفتاءات التي أجراها وأشرف عليها المجلس العسكري بعد يناير 2011!

إن الشعبية الجارفة التي حظي بها الجيش، التي اتخذت أعلى تجسداتها في انتفاضة 30 يونيه 2013 ضد حكم الإخوان، هذه الشعبية التي تراوحت منذ 25 يناير 2011 وما بعدها، هذه الشعبية هي نفسها التي تجعل قيادة الجيش تواجه مشكلة توقعات شعبية ضخمة، بأن تحقق القيادة الجديدة الحقوق المشروعة لملايين المصريين، السياسية والاقتصادية والاجتماعية… إلخ، على اعتبار أن هذه القيادة هي التي تصدرت المشهد السياسي منذ 3 يوليو 2013، «إعلان المجلس العسكري موافقته على ترشح السيسي لرئاسة الجمهورية»«2»، وعلى الجانب الآخر، لا يمكن اعتبار أن هذه الشعبية الجارفة المؤيدة للرئيس السيسي ولقيادة الجيش، والمعادية لتيار الإسلام السياسي عمومًا، والإخوان المسلمين خصوصًا، لا يمكن اعتبار أن هذا الموقف، موقفـًا أبديًا، فكما يقال في السياسة «لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة».

هل كان مبارك وأعوانه خلايا إخوانية نائمة، أو طابور خامس؟!

إن إغلاق منافذ العمل الاجتماعي والدعوي أمام الإخوان، لا يجعل أمامهم سوى العمل السياسي، في أفضل الأحوال، أما في أسوأها، خاصة لدى الشباب؛ فالعمل الجهادي المسلح! أما إذا ما أغلق العمل السياسي، وإذا ما استثنينا الاحتمال الواقعي بتحول البعض نحو العمل المسلح، خاصة بين الشباب، فإن النتائج السياسية والاستراتيجية المؤكدة لانسداد الأفق السياسي، وأمام تنامي التنظيمات الدينية المتطرفة «القاعدة/ داعش» سيصبح الخيار الإسلامي «المعتدل» هو الأقرب لعموم الناس الذين يرفضون العنف، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى؛ فمن المتوقع تحول الموقف الإقليمي والدولي نحو الإخوان المسلمين، وتوقع ازدياد الدعم الدولي لهم حال اندلاع «ثورة جديدة»، أو موجة جديدة من انتفاضة 25 يناير 2011، خاصة مع تطور موقف الإخوان بفصل النشاط الدعوي عن السياسي.

«لاحظ التجربة التونسية – حركة النهضة أكبر الأحزاب في الائتلاف الحاكم، وفصل الدعوى عن السياسي «إعلان الغنوشي في المؤتمر العاشر» والتحرر من فكرها الدعوي وتحولها إلى حزب سياسي مدني – دور الرباعية في الحفاظ على الوحدة الوطنية، الأمر الذي أهلها؛ لأن تحصل على جائزة نوبل – المجتمع المدني التونسي قوي لارتباطه بثقافة دول شمال البحر المتوسط (أوروبا)».

لماذا الثورة القادمة قيادتها إسلامية وليست مدنية؟!

على الرغم من أن الشعار الذي رفع في ثورة يناير كان «دولة مدنية، لا عسكرية ولا دينية»، إلا أن جمهور انتخابات 2012 الرئاسية، وجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما، إما سلطة «مدنية» ذات خلفية عسكرية «أحمد شفيق»، أو سلطة «مدنية» ذات خلفية دينية «محمد مرسي»، في ظل الغياب شبه الكامل للقوى المدنية، حتى وصل الحال ببعضها للترشح على قائمة حزب الحرية والعدالة الإخواني!

لقد ناصب نظام يوليو العداء للقوى السياسية اليسارية والليبرالية، أشد من عدائه للقوى السياسية الدينية «الإسلامية»؛ فقد كانت نشأة نظام يوليو متداخلة مع «الإخوان المسلمين»، وحيث كانت «عضوية أغلب تنظيم الضباط الأحرار في جماعة «الإخوان المسلمين»، وبعضهم ومنهم عبد الناصر كانوا أعضاءً في الجهاز الخاص في جماعة الإخوان، ولم تمض سنة 1953 حتى كان قد تم الإفراج عن المسجونين في قضايا الإرهاب من جماعة الإخوان، وشارك الإخوان في أول حكومة في يوليو واستثني الإخوان من قرار حل الأحزاب، وتم تطهير وزارة الداخلية من كل خصومهم، وتم إشراكهم في لجنة إعداد الدستور في يناير سنة 1953وهو نفس ما تكرر في ثورة يناير 2011! «3»

وطوال تاريخ جمهورية يوليو أخلت الحياة السياسية من كل القوى السياسية لحساب الإخوان، إنها جدلية القلعة والمعبد التي سيطرت على تاريخ مصر كله تقريبًا باستثناء فترات أنوار بحر متوسطية قليلة، حتى إنه يمكن القول أن تاريخ علاقة السلطة بالإخوان المسلمين هي سلسلة طويلة من استخدام العسكر لهم ثم تحجيمهم. «4»

«ويقرر ر. هـ. ديكمجيان في كتابه «تاريخ الحركات الإسلامية» أن ثلث التنظيمات الإسلامية الراديكالية على مستوى العالم خرجت من مصر، وتعدادها الكلي 92 تنظيمًا، ومنذ حرق ونهاية مدرسة الإسكندرية الفلسفية الهيلينية ومقتل العالمة والفيلسوفة هيباتيا، ارتدت «منطقة شرق وجنوب المتوسط» إلى طور العقل الديني، وظلت مصر لخمسة عشر قرنًا حتى نهاية القرن الثامن عشر يغلب على ثقافتها العقل الديني، وهذا ما أبعدها ومعها العالم العربي عن المشاركة في نشأة الحداثة عبر دخول طور العقل الفلسفي ومن بعده العقل العلمي، وما نتج عن ذلك من التطور الرأسمالي وبزوغ روح القوانين والديموقراطية وولادة الفرد المواطن، ومنذ 52 حدد انتماء مصر في ثلاث دوائر: العربية والأفريقية والإسلامية «فلسفة الثورة – ص 102-105» وهو ما يعني قطع علاقة مصر مع حوض الحضارات أي حوض المتوسط، وبالتالي مع الحضارة المعاصرة.

مارست سلطة يوليو الوظيفتين «العسكرية والدينية» في خصومتهما مع الدولة المدنية، ومؤسسات المجتمع المدني، والفكر العلمي والديموقراطي، ومشروع الطبقة الوسطى، وتبديد النخب، بالإضافة إلى عزل الأقباط عن الحياة العامة، وهم الذين خلا منهم تنظيم الضباط الأحرار ومجلس الثورة.

إن خدمة وتعميق المعتقد الإيماني هو عمل إيجابي، ولكن تأسيس عقل ديني معادٍ للحرية والتقدم لخدمة أهداف سياسية فاشية، هو ما أدى إلى ما نحن فيه، وهكذا يمكن معرفة لماذا خرج من مصر ثلث جماعات الإرهاب باسم الإسلام على المستوى العالمي». «5»

كل دلائل الواقع المصري الحالي، تؤكد أن «الانتفاضة/ الثورة» قادمة، وتؤكد أن القيادة ستكون للتيار الإسلامي وفي مقدمته الإخوان، لكن واقع خبرة العقود الماضية تؤكد أيضًا،«6» أن سلطة يوليو لن تنتظر الهزيمة، وستتخذ من الخطوات الاستباقية ما يقطع الطريق على كابوسها المزمن، بأن تجد تحالف بقيادة الإخوان يحكم مصر، كل ذلك في المدى القريب، أما على المدى البعيد والمتوسط، فهذا له شأن آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد