كل ما هنالك تأمين لعبة تسمى صفقة القرن

كثُرت التحليلات عبر الشاشات عن نتائج الضربة الأمريكية المتوقعة ضد إيران، وميليشيات تابعة لها في بعض دول المنطقة، وما قد يسفر عن تلك الضربة من رد فعل متوقع أيضًا من إيران وميليشياتها، وقد بدأت إرهاصات تلك الردة من صاروخ قد سقط في المنطقة الخضراء في العراق، واللافت في الحديث المثير هذا، أن الأمريكيين قد يفعلونها هكذا دون حسابات دقيقة! وهي لا تغيب عنهم بالطبع.

ونرى أن تلك الحشود الأمريكية لها أهداف أخرى بعيدة عن إيران باعتبارها هدفًا؛ فالدول الكبرى وفي مقدمتها أمريكا، بعد حرب الخليج الثانية وما ترتب عليها من اجتياح العراق وتخريبه، قد اتفقتا سويًّا وسرًا على ضبط إيقاع المنطقة، وفق اتفاق سري بين الطرفين على اقتسام الثروات الضخمة في تلك الدول، دون حروب يصعب تمريرها أمام شعوبهم، والتي ترفض انتهاك سيادة الدول، وسحق حقوق الإنسان تحت وابل النيران المدمرة، وشن حروب غير مبررة من الأساس، وفقًا لمعايير تلك الشعوب في تلك الدول المتأمركة.

فكل ما هنالك تأمين لعبة تُسمى صفقة القرن، ولا بد للصفقة من حراس خشية إفشالها، فالإسرائيليون الغارقون في الفرح إلى حد الجنون باقتراب ترسيم دولتهم المزعومة، قد مهدوا الطريق جيدًا لتأمين تلك الصفقة، والحرب الآن ستشعل الغضب الذي لا تريده إسرائيل، وما يحدث في الخليج هو بداية احتفال بانوراما كبير لتلك المراسم للدولة المزعومة، فوفقًا للسيناريو المعد سلفًا لا بد من تأمين الخليج، وإلهائه في سيناريو محكم خشية انفجار الشعوب العربية غضبًا من ضياع قدس الأقداس لديهم، وانتزاع أراضيهم عنوة أمام أعينهم إهداءً لعدوهم الأزلي، وحماية حكام تلك الدول العربية الموقعين سلفًا على تلك الصفقة من ردة فعل شعوبهم، فلن تكون حربًا ولا تقويضًا لمصالح إيران على المدى البعيد وعلى أقصى تقدير، وإنما هي لعبة وصفقة وربح كبير.

ها هي فرنسا في الظلام الليبي تتراءى لكل ذي عينين، تلهث خلف البترول الليبي، كما أمريكا في الخليج تتوهج وتحصد مئات المليارات دفعة واحدة، وروسيا التي تتمدد في سوريا وتسيطر على مناطق خريطة الرصيد الكبير من الغاز المتوقع استخراجه قريبًا، فلا مجال لشن حروب قد تخلف وراءها خسائر كبرى لتلك الدول من الجند والعتاد، كما الحال في مواجهة إيران عسكريًا.

لا، لن يدوي هدير الحرب، ولن يقع الزلزال الكبير المدمر، وإنما استفزاز لإيران لكي تتحد الشعوب مع حكامها إزاء خطر كبير وأكبر من إسرائيل وصفقتها، وهو الغول الإيراني المتهور، والتمهيد للمتغيرات الكبرى القادمة في ليبيا وسوريا واليمن وفلسطين، تحت حراسة مشددة، وتقسيم تلك الدول، وفرض الحماية عليها بين الدول الكبرى بأيدي أبناء جلدتنا، «حفتر» الليبي مثال حاضر هنا.

ودون حروب مباشرة من تلك الدول، ثم اجترار ثرواتها لاحقًا، لن تكون حربًا، بل بانوراما لمشهد نهاية المسرحية التي كنا فيها نلعب دور الكومبارس، وقد حان للبطل أن يترجل فوق المسرح، مزهوًا ليتسلم جائزته وسط حراسة أعتى الدول بترسانة حربية قاهرة، والذين يتحدثون عن اندلاع حرب كبرى ضد إيران، وميليشياتها في العراق ولبنان واليمن، قد فات عليهم أن تلك الميليشيات قدمت خدمات جليلة منذ البداية، لنصل للمشهد الختامي اليوم، فلم يكن احتلال العراق وتخريبه تمهيدًا لتقسيمه إلا بتلك الميليشيات الإيرانية.

لم يكن بث الرعب في نفوس اللبنانيين حتى قرروا المواجهة العسكرية فيما بينهم حلًا للنزاع، إلا بتلك الميليشيات الإيرانية، لم يكن مواجهة الإصلاحيين في اليمن إلا بتلك الميليشيات الإيرانية، لم يكن تركيع الخليج ونهب ثروات طائلة منه عنوة، إلا بتهديد مباشر بتلك الميليشيات الإيرانية، فلن تكون حربًا على إيران، وإنما لتحييد إيران عن سوريا تمهيدًا لتقسيمها وتقسيم اليمن، وليبيا، ولفرض صفقة القرن على شعوب الدول العربية المتمركزة حاليًا خلف حكامها خشية الغول الإيراني، وفقًا للسيناريو الأمريكي، وهو في الحقيقة ليس إلا دولة مثل باقي الدول التي تتلاعب بها الدول الكبرى في السر والعلن، فلا حرب تلوح في الأفق، وإنما راية دولة كبرى ترفرف وتتمدد فوق مسرح كبير يسمى أرض العرب الممهدة تمامًا، وكيف تشن الحروب التي تخلف وراءها خرابًا ودمارًا كبيرًا في الوقت المنشود بإعلان إسرائيل الكبرى؟ فهذا خطأ استراتيجي كبير إن حدث، فالوعد بتمرير الصفقة يتضمن سيناريو تمريرها كما نشاهده الآن عبر الشاشات، لن تشن الحرب مجددًا، فليس هنالك سوى صفقة كبرى يجري إحرازها بتقدم كبير.

ونتيجة لسريان تلك الصفقة إلى حيز التنفيذ، وهو نقطة ضعف السيناريو الأمريكي، هو دور الشعوب العربية الثائرة، والتي تحتشد الآن في أكثر من دولة، وسيُشعل فتيل الغضب المستعر كافة شعوب تلك الدول الجريحة، وستندلع ثورة كبرى هادرة، وقد يترتب عنه مواجهات ضخمة متتالية مع الحكام الذين التزموا الصمت، ولم يتصدوا لإلغاء تلك الصفقة الملعونة، وقد تنتهي تلك المواجهات بانقلاب كبير على النظم الحاكمة، وستقتلع تمامًا وبلا رجعة هي وكافة المتواطئين في تلك الصفقة، ليشرق فجر العرب الجديد في إمبراطورية كبرى ستضم كافة شعوب العرب، فتعود القدس وفلسطين كاملة، وتلتحم تلك المناطق المقتطعة والمرشحة للتقسيم إلى أرض واحدة، فتلك الإمبراطورية ليست حلمًا أو خيال كاتب، وإنما بقوة دفع المواجهات المحتملة، وبإدراك ووعي حقيقي من شباب الأمة الذي يتمتع بقوة هائلة، بحتمية بناء وحدة تمثل الخلاص لتلك الشعوب المنتهكة والمرشحة للفناء الكبير.

إمبراطورية عربية سيكون لها شأن عظيم بين الأمم؛ ألا وهي أرض العرب الحرة، فلن تموت أمة سيدها محمد -صلى الله عليه وسلم-.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد