تحول موقف الدول الكبرى من الأزمة السورية، من موقف المساهم في حل الأزمة -وإن كان يلعب دورًا خفيًا آخر- إلى موقف الأطراف في الأزمة، فباتت التفاوضات تتم بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، فيما يخص الشمال السوري، وإيران تنضم حينما يتعلق الأمر بالجزء الجنوبي، وباتت الاجتماعات تتم بين مسئولين روس وأمريكان وفرنسيين وبريطانيين، في غياب شبه تام لآراء القوى المعارضة في سوريا، أو حتى للدول العربية التي تعتبر أولى برعاية الحل.

وفي الأخير، وبعد أن استفحل الأمر، رفض ائتلاف قوى المعارضة السورية وفصائل الجيش السوري الحر، بالأمس، اعتبار الدولة الروسية طرفًا راعيًا للعملية التفاوضية في سوريا، بعد أن فشلت الولايات المتحدة وروسيا، شركاء الأنف التي غرست نفسها داخل الأرض السورية من تثبيت هدنة واحدة لمدة أسبوع.

وقال الطرفان في بيان مشترك، إن العملية التفاوضية وفق الأسس الراهنة لم تعد مجدية ولا معنى لها، في ظل القصف والقتل والتدمير الذي ينبغي أن يتوقف بشكل فوري وكامل، وذلك وفقًا للقرارات الدولية، مؤكدًا عدم قبول الطرف الروسي كطرف راعٍ للعملية التفاوضية.

وربما للأمر حجة تبرره، فقد تم عقد مؤتمرات جنيف (1) و(2) و(3) ولم تصل لحل، وإنما مجموعة من القرارات، تارة يعترض عليها الروس، وتارة أخرى يعترض عليها الأمريكان، وبين هذا وذاك تقصف قوات الأسد المدنيين بحجة قصفها للإرهابيين، ويقصف الروس أيضًا المدنيين والأطفال، ضاربين عرض الحائط بأفضل ما وضعه القانون الدولي، وهو الحق الإنساني منه، الخاص بحماية المدنيين أوقات الحروب.

ولا يتوقف الأمر على جانب الروس فقط، وإنما يقصف أيضًا طيران التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أماكن أخرى من سوريا، يقع أيضًا ضحيتها المدنيين، فيما يظل السبب الوحيد المعلن لتدخل الأطراف الدولية مجتمعة موجود ويتمدد، وهو محاربة الإرهاب المتمثل بالأساس في تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام (داعش)، وجبهة النصرة، وبعض التنظيمات المسلحة الأخرى التي تعد «متطرفة»، وفقًا لرؤية كل طرف من أطراف الأزمة.

ومر حتى الآن ما يزيد على الخمس سنوات، على بدء الأزمة السورية الطاحنة، والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من المدنيين بين قتلى وجرحى، وهجر الملايين من أبناء سوريا، ودمر الاقتصاد ومزقت الدولة، وتفككت كل دعائمها، في نفس الوقت الذي عقدت فيه عشرات، وربما مئات المؤتمرات في جنيف وفي نيويورك، وفي عواصم عربية وعالمية كثيرة، ولكن لم يتمكن أحدهم من حسم الأزمة.

وأين تمكن الأزمة؟

بوتين الذي يسعى ليعيد الإمبراطورية السوفيتية، وجعل روسيا ندًّا للولايات المتحدة الأمريكية، نجح في ذلك بطريقته «الغشيمة» التي لا يُرد عليها سوى بحرب عالمية جديدة يتجنبها العالم أجمع، فقرروا عقد حرب عالمية مصغرة في روسيا، وما يعطي لبوتين الأفضلية، هو قرب نهاية فترة حكم أوباما، والتي يرغب في إنهائها بأقل صورة دموية ممكنة.

كما يحتاج الروس لفتح المجال لأسطولهم البحري في البحر الأسود، وهو ما فعلوه بالضبط عن طريق السيطرة على السواحل السورية، كما قام الروس بنشر قواعد طيران منها يتمكنون من السيطرة على الشرق الأوسط، وأيضًا أوروبا الشرقية، وتهديد الغرب.

عندما نتحدث عن الولايات المتحدة الأمريكية، فإنها خلال العقود الأخيرة لم تشهد تراجع كبير في قوة سياستها الخارجية مثلما شهدته خلال السنوات الأخيرة في فترة حكم «أوباما»، الذي حصل على جائزة نوبل للسلام بفضل قيامه بتقليل الحروب العسكرية المباشرة التي تقودها الولايات المتحدة، ولكن على الوجه الآخر، بدأ الأمريكان في تحديد من هو «المعارضة المعتدلة» وفقًا لوجهة نظرهم، وتسليحهم، وهو ما أدى لفرط انتشار السلاح بشكل لا يمكن حصره، خصوصًا وأن الخريطة العسكرية تتغير بين ساعة وأخرى، وكل مخازن السلاح تتبادل القوى الاستيلاء عليها، وأيضًا لا تمنح الدول الكبرى ألا أنواع معينة من السلاح التي لا تستطيع تلك القوى حسم المعركة بها، مثل مضادات الطائرات، وهو ما يجعل المعارضة «المعتدلة» حسب رأيهم، مجرد طرف يدفع في طريق الدماء فقط، في معركة لا تنتهي.

كما أن إدارة أوباما تمكنت من الحفاظ على تواجد الولايات المتحدة على الساحة الدولية بشكل كبير، ولكنه محدود بالمقارنة بما سبق، ولكن نجحت في تقليل حجم النظرة العدائية التي نظر بها العالم لها إبان حرب أفغانستان والعراق، وغيرها من الحروب التي دخل فيها الجيش الأمريكي بمعداته العسكرية، حتى تورطه في استخدام أسلحة محرمة دوليًّا في العراق.

كما حافظت الولايات المتحدة على حلفائها ومصالحها في الشرق الأوسط، وهو الدور الذي تتدخل الدول الكبرى من أجله بالأساس، وهو إثبات الهيمنة والتأكيد عليها، حتى تتمكن من تحقيق مصالحها بالإشارة أو بالقوة إن تطلب الأمر، واستخدمت إستراتيجية ربما يمكن أن نعرفها باسم «إستراتيجية الباب الخلفي»، والتي منها تسيطر ولكن لا تشارك بقوات برية.

كما أن اعتماد الأمريكان على الحروب الجوية فقط، كان أمر محمود في مظهر الإدارة الأمريكية أمام شعوبها، التي كرهت مقتل أبنائها في الحروب الخارجية بلا نتيجة واضحة لذلك، فمنذ أعلنت الإدارات الأمريكية المتعاقبة الحرب على الإرهاب، لم يحدث شيء سوى تمدد الإرهاب.

ولتشابك مصالح الأطراف، لا الأفراد، فإن الصراع السوري ما زال مستمرًا لم يحسم حتى الآن، لأن كل منهم يكتفي بالتنظير، وتحميل الآخر المسؤولية، ورغم توقع المراقبين أن الأزمة السورية ربما اقتربت من الحل، إلا أن هذا الوقت القريب كدهر على المدنيين.

وفي ظل كل هذا تكتفي العديد من الدول الأطراف الأخرى بأدوار بسيطة، ولعل أكثر الدول تدخلًا بعد روسيا وأمريكا، هم تركيا وإيران والسعودية، وأحيانًا إسرائيل، كل منهم يتدخل ويبرز بشكل علني وقوي حينما يتعلق الأمر بمصلحة مباشرة له، أما عن الحل فلا حل عندهم.

  • g ، فاعترضت، وهو اعتراض لا يعدو أن يكون ذرّا للرماد في العيون، إلا أنه وعلى كل حال أفضل من الشجب والتنديد.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد