احتفل الحزب الشيوعي الصيني بمئوية تأسيسه الأولى، وها هو ينطلق نحو المئوية الثانية بخطى ثابتة، وهو ما وضحه الرئيس شي جين بينغ، بخطابه بذكرى تأسيس الحزب المئوي قائلًا: «يجب أن نمضي قدمًا نحو الهدف المئوي الثاني».

هذا الحزب الذي بدأ بـ13 عضوًا وبسرية في شنغهاي في العام 1921، يعتلي اليوم سدة الحكم في الصين، وخلال 100 عام مر بمصاعب وكفاح للوصول بالصين إلى القمة، وأول هذه العقبات كانت مخلفات الاستعمار، وأهم هذه المخلفات الجهل والفقر المدقع، وأيضًا الخوف من الانفتاح على العالم.

ويبدو واضحًا اليوم أن هذه المخلفات أضحت تاريخًا غابرًا، ولغة الأرقام والتحليل توضح أن الصين تتجاوز التوقعات كلما حدثت أزمة عالمية، وآخرها توقع التباطؤ الشديد للاقتصاد الصيني بسبب جائحة كوفيد-19، وهو ما لم يحدث، وكان تباطؤ الاقتصاد الصيني أقل بكثير من المتوقع، وبدأ العام الحالي بالتعافي، وسط توقعات بنموه بنسبة أكثر من 8%.

تجاوز الناتج المحلي الإجمالي للصين 14.7 تريليونات دولار أمريكي للعام 2020، وما زالت الصين تحتل المركز الثاني عالميًّا خلف الولايات المتحدة الأمريكية، وكثير من المحللين الاقتصاديين يعتقدون أن قمة الهرم ستكون من نصيب الصين في الأعوام القادمة، علمًا بأن الناتج المحلي الإجمالي للصين في العام 1952 بلغ 30 مليار دولار فقط، أي إنه تضاعف 490 مرة خلال 70 عامًا فقط، وللمقارنة نجد أن الناتج المحلي الأمريكي للعام 1952 بلغ 373.3 مليارات دولار وتضاعف 56 ضعفًا حتى عام 2020، وحتى في زمن الكوفيد-19 فإن الاقتصاد الصيني نما وصمد بفضل الإجراءات الحصيفة بمواجهة هذا الوباء، بالمقابل نجد الولايات المتحدة تحقق تراجع بالناتج الإجمالي بقيمة 500 مليار دولار أمريكي. [1][2]

بالطبع ما ذكر سابقًا له أثر واضح في مكافحة الفقر وخاصة الفقر المدقع، حيث بلغ معدل الفقر في المناطق الريفية 97.5% أو ما يقارب 770 مليون شخص في العام 1978، وباتباع عدة سياسات إصلاحية تمكنت القيادة الصينية من تحقيق نتائج مذهلة بانخفاض (دراماتيكي) وصولًا إلى 1.7% أو 16.7 ملايين شخص حتى العام 2018.[3] كما أن مكافحة الفقر والازدهار الذي تشهد الصين رافقه تحسن مستمر بجودة التعليم، فاليوم لدى الصين ما يقارب 3 آلاف جامعة وكلية، وما يقارب 20 مليون طالب بالدراسة الجامعية، ونصف مليون طالب أجنبي (ثاني أكثر وجهة عالمية بعد الولايات المتحدة)، كما أن ستة من الجامعات الصينية احتلت مواقع ضمن أفضل 100 جامعة بمؤشر QS العالمي لتقييم الجامعات للعام 2020.

أكثر ما يثير الانتباه إلى عظمة الصين هو المبادرات التي تتبناها ونجاحها المبهر، فاليوم نجد «مبادرة الحزام والطريق» التي تلتف حولها أكثر من 100 دولة ومنظمة، للتشارك في التجارة، وتحقيق الاستدامة للاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى مبادرة «اخترع في الصين» والتي سبقتها مبادرة «صنع في الصين»، والتي تهدف إلى تشجيع الابتكار والاختراع واستقطاب الكفاءات من دول العالم كافة، لجعل الصين مركزًا إقليميًّا للابتكار، وهنالك مثال مهم لهذا النوع من المبادرات، وهو الجيل الخامس من الإنترنت، أو جيل الأشياء كما يوصف، والذي جرت محاربة انتشاره من قبل الدول الغربية، لمنع تصدير هذه التكنولوجية الصينية.

وحتى في عصر كوفيد-19، ما تزال الصين تزرع لتحصد، وأهم مثال على ما حصدته هو توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP). وتكمن أهمية هذه المبادرة بنقطتين: الأولى أنها أتت بزمن كوفيد-19؛ مما يعطي أملًا للبشرية بأن المضي قدمًا ما زال ممكنًا وبأن العولمة ما زالت مستمرة، والثانية القدرة على إدارة الأزمة، فمثل هذه المبادرة (التي تضم 15 دولة) قادرة على تحفيز اقتصاد الدول المشاركة والإبقاء على نمو ناتجها المحلي، وتعد حماية مثالية لأي ضرر ناتج من أزمات عالمية (مثل الحرب التجارية التي اندلعت بين العم سام والتنين الصيني).

الملاحظ بأن الحزب يتطور مع الوقت بشكل مذهل، ويغتنم الفرص المتاحة بفاعلية وكفاءة، وعلى مدى قرن لم يُغيِّر الحزب مبادئه الجوهرية، ولكن طورها ليعتمد «الاشتراكية بألوان صينية»، فهو ما زال مناصرًا لقضايا العالم الثالث، وهو مفهوم تمامًا، فجميعنا تجرعنا من ويلات الاستعمار، وعلى مدى المئة عام الماضية، ستبقى ذاكرة الصينيين مليئة بالقادة الذين ساعدوا بوصول الصين الى مكانتها الحالية، وأذكر منهم ثلاثة أسماء ستبقى محفورة بذاكرة الصينيين للأبد، أولها الزعيم «ماو» المؤسس، وأمين عام الحزب الشيوعي الصيني «دينغ شياو» المصحح، والرئيس الحالي «شي جين بينغ» قائد النهضة.

ختامًا، تحتاج الدول إلى قيادات قادرة على تجاوز المحن والأزمات، من خلال السياسات الاقتصادية والسياسة الخارجية المتوازنة، وهو ما انتهجته الحكومات الصينية المتعاقبة. ولا أعتقد أن ما يحدث في الصين هو معجزة، بل إن كلمة معجزة مرتبطة بالقدرة الإلهية والسماء، بل هي قيادة وقدرات، فمهما حدث سوف تعود لتأخذ مكانها المناسب في العالم، فلديها كل المؤهلات، وتضع أولويات مثل الازدهار الاقتصادي ورفاهية الشعب ومبادرات جديدة، والابتعاد عن النزاعات التي لا يوجد بها رابح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد