ما إن كلفت نفسك بمراجعة سريعة للتاريخ الحديث؛ فلن تخطئ عيناك أن المجتمع في كل حين، وكل مكان، منهمك بإصدار الأحكام وتصنيف الناس.. ثم يصدر الحكم أن أولئك هم السادة الصفوة، وسواهم عبث لا يذكر، ما خلقوا إلا لخدمة ودلال السادة ورفاهيتهم.
أو أن الجميلات هن صغيرات الأنف، متسعات الأعين، مسبلات الشعر، وما عداهن قبيحات، أو ربما ادعوا العدل الذي هو منهم براء؛ فأطلقوا عليهن عاديَّات، بالتشديد، أي عزيزي القارئ / عزيزتي القارئة. أو أن الأبيض سيد بلا منازع، وعدد بلا حصر ولا انتهاء.
تلك انتكاسة فطرة بشرية أوجدها الله، وبثها في قلوب البشر أجمع. البعض – قلة من قليل – قد احتفظ بآدميته، يقاتل عنها ببسالة كل يوم .. وإلا سلبت منه سريعًا. والبقية عاثوا، يتجردون من البشرية، ويلبسون لباس قبح خشنة منفرة .. وما اكتفوا، بل انطلقوا يسخرون من أولئك: اليقظة إنسانيتهم، ويكيلون لهم اتهامات بعدم الفهم تارة، أو بالضعف تارة.
وتطور الأمر سريعًا، لتجد أننا بعدما قطعنا أكثر من عقد ونصف العقد من القرن الواحد والعشرين قد وجدنا تطورًا جينيًا لأولئك الإنسانيين.
بدأ الأمر بقرائتي لإحدى المشكلات على صفحة لإحدى مواقع التواصل الاجتماعي، تبث بها ضيقها وهمها، أن حبيبها لا يكن لها من الحب قدرًا، وتسرد الأدلة الدامغة، كما تصف الشاكية .. فتقول إن المذكور لا يغدق عليها بألواح الشيكولاتة الفاخرة، ولا بباقات الورود العملاقة .. كذا لم يقم بعمل حفل مفاجأة لها بمناسبة اللامناسبة؛ ليخبرها كم يحبها أمام الملأ .. وتضيف قائلة: إن ذلك المجرم – خاصمه المحبون أجمع – لم يركع على إحدى ركبتيه عندما طلب الزواج منها لأول مرة، فيا لتعاستي! انظرو كم كانت تضحيتي! وتسرد بعد، فتحكي أن العيد قد مر دون أن يفاجئها بعدد هائل من البالونات كما فعل رفيق صديقتها المقربة فلانة.
ثم بالانتقال سريعًا لصفحة أخرى أجد أننا أخيرًا قد ابتكرنا من تلك الأحكام نوعًا من الحداثة بمكان – عزيزي / عزيزتي – فأصبحت القهوة لا تشرب على عجل، والقهوة مرة، فلا تفسدوها بالسكر، بينما لا يعلم أحدهم شيئًا عن أن أصول تحضيرها تتألف من إضافة للسكر، تتراوح حسب الرغبة، وإن شئت فارجع للمصدر لقراءة أكثر إطلاعًا عن الأمر.
أترك اللوح الضوئي وأطيل التحديق في جدار غرفتي المقابل؛ إذ تقبع قطعة صغيرة متهالكة من الورق قد ثبتت بشريط لاصق منذ ما يتجاوز الخمس سنين على الأرجح، وكتبت – أغلب الظن – بواسطة من كانوا يستأجرون الشقة من قبل، خطت الكاتبة عليها: الرب خلقني ووهبني عقلًا به اهتديت لذاتي، وما عليه كوني، وبالرغم من كوني لم أقترف إثمًا، فقد رفضني الكثير لإختلافي ذاك .. إنهم يرفضون الرب فيّ!
أنغمس بتفكيري لأدرك أننا ببساطة نقتات الديكور، تلك الدجاجة شهية المنظر في الإعلان، إنما هي مادة بلاستيكية مصنوعة بالدقة المثلى لتبدو كذلك.
جذابة المنظر، تسيل لعابك في حينها، لكن حاول ابتلاع قطعة منها؛ لينسد حلقك، ولتسعل، فلربما تنجو، ولربما لا. قولبنا الحب بالهدايا، واختصرناه في المفاجآت .. نفيناه عن الصامتين، الذين لا يريدون تبادل رسائل الغرام على العامة، ولا صور لهم في كل مكان تجدها.
صرنا نوجه السؤال للشخص: أحاولت التواصل مع حبيبتك تلك؟ فيجيبك لا؛ فنخبره: أنك معجب بها فقط، أي عزيزي. فيصمت الأخير، وهو الذي ملأ العشق قلبه وهام بمعذبته تلك، فلم يغمض له جفن، ولم يرقد له جسد.
يا سادة .. حبًا بالله، لنتوقف عن إصدار الأحكام قليلًا .. لسنا آلهة بالوكالة لنحاسب أشخاصًا أو لنصنف آخرين. لسنا حراسًا للجنة الحب؛ لنستوقف الداخلين، ناظرين إليهم مليًا فربما نمنع وربما نسمح. دعوا البشر لذواتهم. وكونوا فقط أنفسكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد