لم أكن كغيري من الصبية، حين يسأل عن هدفه أو طموحه المستقبلي حين يكبر، يقول طبيبًا أو طيارًا، وكأني أدركت منذ صغري أن أحلامنا في حد ذاتها، تحتاج علاجًا نفسيًا فوريًا، قبل أن تطير من مخيلتنا دون رجعة، ندرس ونتعلم، لنعبد طريق المستقبل، دون أن ندري إلى أي المحطات ستكون آخر عهدنا لأننا تعلمنا أن الأهم من الوصول للأهداف، هو عدم التوقف للحظة ونحن نسعى لها، لا تُسَيرنا خارطة طريق أو استراتيجية حياة، بل تسيرنا عبثية وفوضوية مجتمعاتنا المقيتة.

 أحاول دائمًا توسيع مداركي وفكري وأطور من إمكاناتي، أحاول دائمًا أن أصيغ لنفسي منهجًا ودستورًا خاصًا بي، لا يشبه أحدًا، وليس مبنيًا لا على الأيديولوجيات المتعفنة ولا على نظريات أكل عليها الدهر وشرب، لذلك سعيت ألا أطلق حكمًا على أحد إلا إذا سمعت منه أو قرأت له، مجنبًا نفسي الدخول في سذاجة الأحكام الانطباعية المبنية على الحقد والحسد، والعنصرية في أغلبها، عشنا الطبقية والتفرقة، عشنا الجهوية، كيف لا وأنا من بلد عانى من الاستعمار لأكثر من قرن وثلاثين سنة، بالرغم من أنه لم ينجح في جعل الجزائر فرنسية طول هذه المدة إلا أنه نجح في شيئين، تغريب النخبة، وجعل العربية عقدة لها، وبث الفروقات والتناحر بين أبناء البلد الواحد عن طريق الجهوية، مستعينا في ذلك بقانون الأعراش والقبائل الساذج، هذا منا والآخر لا فقط لأنه ليس من سلالتنا، كنت أعتقد منذ صغري أن هذا هو السبب الرئيسي للعداوة والحقد والحسد في مجتمعاتنا، أيقنت فيما بعد أن الحقد والحسد، وتمني زوال نعمة الآخر، أمراض نفسية يعاني منها الكثير في العالم، فبين من يعبد أصحاب المادة أحيانًا، ومن يعبد شهوته أحيانًا أخرى، تسير المصالح ويحدد مستقبل الناس.

كنت أعتقد أن ما يحكى عن الظلم المسلط على الناس، سواء في الإدارات أم أماكن عملهم، وحتى في الجامعات، مبالغ فيه، إلى أن كنت جزءًا من هذه الأوساط المتعفنة، فحين يصبح فاقد الوجدان والضمير أستاذًا جامعيًا، وحين يصبح الطالب المجد مضطرًا لمقايضة أفكاره ونجاحاته بالسكوت والرضوخ لآراء أساتذة بعضهم ذوو تفكير سطحي ساذج، آن الأوان أن نكبر على مجتمعنا أربعًا، بأي حق يمنح المرضى النفسيين مناصب حساسة في بلداننا، ليمارسوا ساديتهم تجاه الناس بكل تعسف وقهر، والضحية الوحيد العامل البسيط والطالب الفقير الذي يقطع الأميال للوصول للمحاضرات، أي قانون إنساني أو ديني أو سماوي يمنحك حق تحطيم مستقبل الناس وقطع أرزاقهم، يمارسون هذه السياسات ليكون لهم ولأولادهم فقط العيشة الهنيئة، ويتركون بقية الخلق تتخبط في وحل الفساد والمشاكل، ولا يكمن وصف ما يقومون به إلا بالعهر الأخلاقي والنفاق الاجتماعي، ماذا بقي لنا أي حرية لم يحرموننا منها، العمل، الفكر، الإبداع، كلها أمور تعد خطًا أحمر لا يجب تجاوزه، لأنها قادرة على تعريتهم وكشف عيوبهم وعورتهم، وعيوب تلك الأنظمة المتعفنة، التي يعملون لصالحها ويطبلون لها ويسعون دائمًا لتلميع صورتها المهترئة، وهدفهم الوحيد أن تبقى على تلك الكراسي حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولتحقق مبتغاها يجب أن تقف سدًا منيعًا يحول بينها وبين نجاح الأفراد وتفوقهم وتحرر فكرهم وتطور آلياتهم واستغنائهم عن التبعية لهم، لهذا فوصولهم لتلك المناصب لا تعتمد لا على المستوى العلمي، ولا على الكفاءة الذهنية والعملية، بل يكفي أن تكون متملقًا أو محسوبًا على أحد أحزاب السلطة، حتى تفرش لك الطريق للوصول لأعلى المناصب، فالمقاربة بالكفاءات صارت إجراءً من الإجراءات الروتينية التي تعد من الشكليات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, حرية, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد