ابن المقفع من أشهر الشخصيات التي يذكر اسمها إذا جاء الحديث عن المنجزات الأدبية في الحضارة الإسلامية أو العربية بشكل عام، وبالطبع يرجع ذلك لكونه الذي ترجم الكتاب الشهير (كليلة ودمنة)، ولكن من هو ابن المقفع.

اسمه روزبه بن داذويه وهو فارسي الأصل، ونشأ بالبصرة في ولاء آل الأهتم، وهم معروفون بفصاحة اللسان، وكان أبوه يدين بمذهب زرداشت، ونشأ ابن المقفع زرداشتيًا، وتقلد الكتابة لكثيرين فكتب ليزيد بن عمر بن هبيرة، وكان واليًا على العراق لمروان ابن محمد آخر الخلفاء الأمويين، واتصل بعيسي بن عبد الله بن عباس عم السفاح والمنصور، وأسلم على يديه، وكتب له، وقُتل ابن المقفع لتشدده في كتابة صيغة الأمان التي وضعها ليوقع عليها أبو جعفر المنصور أمانًا لعبد الله بن علي؛ فأفرط ابن المقفع في الاحتياط فيها، حتي لا يجد المنصور منفذًا فيها للإخلال بعهده، فغاظ المنصور ذلك فأوعز بقتله، وكان قتله في عام 142 أو 143 أو 145 هجريًا.

وابن المقفع من أقوى الشخصيات في عالم الأدب العربي، قوي في خلقه وعقله وسعة علمه وقوي في لسانه، وعرف عنه الكرم وتقدير الصداقة ورغبته الصادقة في إصلاح الراعي والرعية ويصفه الجاحظ قائلًا: كان جوادًا فارسًا جميلًا، ويدعونه عيسي بن علي للغداء، فيقول: أعز الله الأمير! لست اليوم للكرام أكيلًا. قال: ولم؟ قال: لأني مزكوم، والزكمة قبيحة الجوار، مانعة من عشرة الأحرار، ويعجب الناس بأدبه، فيسألونه من أدبك، فيقول: نفسي! إذا رأيت من غيري حسنًا أتيته، وإن رأيت قبيحًا أبيته.

ولابن المقفع العديد من المنجزات الأدبية ولكن لم تحظ بنفس الشهرة التي حظي بها الكتاب الذي ترجمه كليلة ودمنة، ولكنه كتب أيضًا كتبًا قيمة مثل: (الأدب الصغير، الأدب الكبير أو اليتيمة، ورسالة الصحابة) وهي موضوعنا.

ما نعرضه الآن مجرد قراءة بسيطة لأهم ما جاء في تلخيص الأستاذ أحمد أمين في كتابه ضحي الإسلام لرسالة الصحابة لابن المقفع والتي عرض فيها عصارة أفكاره ومحاولات الإصلاح المدني التي كان يريد القيام بها استغلالًا لمكانه المقرب من خليفة المسلمين في هذا الوقت.

لا يُعني برسالة الصحابة – صحابة رسول الله – ولكن عني بها صحابة الولاة والخلفاء، وهم من يقربهم الخليفة ويجعلهم موضع السر منه ويستشيروهم في أموره، وتعد الرسالة مهمة لأنها تقرير في نقد نظام الحكم ووجوه إصلاحه، رفعه إلي أمير المؤمنين ولم يسمه، ومن الظاهر أنه كان أبا جعفر المنصور.

وكالعادة بدأ ابن المقفع رسالته بالمديح لأمير المؤمنين، وذكر موضع الشكوى فيما سبق عهد المنصور، فوالٍ لا يهتم بالإصلاح، وإن اهتم فليس له رأي يهديه، أو له رأي، ولكن ليس له عزم يمضي به ما يبتغيه، وأعوان ليسوا على الخير بأعوان، ولهم من المكانة والنفوذ ما يمنع الخليفة من إقصائهم والنيل منهم، وأمة إن أخذت بالشدة حميت، وإن أخذت باللين طغت، وأبان أن أمير المؤمنين وفقه الله لمداواة هذه العيوب واقتلاع هذه الشرور، ثم بدأ بتقريره الذي وضعه.

 

 

لما كانت الدولة ناشئة ولها أعداء كثر، علمنا المكانة التي يحتلها الجند إذًا والذي جاء التقرير عنهم في جزء كبير، ولما كان للجند الخراسانية المكانة الأكبر في الجيش وكانوا فرسًا مشتركي الأصل مع ابن المقفع، كان محور كلامه الجند الخراسانية.

  1. كان أول ما شكاه ابن المقفع من أمور هو أنه لابد أن تنظم أفكار الجنود، ولابد لذلك من أن يكون لهم دستور أو قانون، يحيط بكل شيء يجب أن يعرفوه، يبين لهم ما يجب فعله وما يجب تركه، يحفظه رؤساؤهم ويقودون به عامتهم، فترك الأمر بدون قانون يدفع إلي الفوضي، وشكا أن هذا دفع قومًا إلى المغالاة في طاعة أوامر أمير المؤمنين ووجد أن القادة من يقول: لو أمر أمير المؤمنين أن تستدبر القبلة بالصلاة لسمعنا وأطعنا! وهذا سيئ الأثر في النفوس بالطبع، وذكر المبدأ المشهور: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ورأى ابن المقفع أن أمير المؤمنين يطاع فيما لا يطاع فيه غيره، وبيان ذلك أن هناك فرائض وحدودًا بينها الله، وفي هذا لا يطاع أمير المؤمنين لو أمر أمرًا يخالفها، وهناك شئون كثيرة لم يرد فيها نص وتركت لعقل الناس واجتهادهم، وهذه متى اجتهد فيها ولاة الأمر، ورأوا فيها رأيًا وجبت طاعتهم، ورأى أن هناك نصوصًا دينيةً وجب على الناس والولاة أن يطيعوها، وعلى أولي الأمر أن يفكروا ويتدبروا، فإذا رأوا رأيًا وجب علي الناس إطاعته، وإن رأوا فيه نقصًا أو عيبًا أو خطأً نصحوا ولاة الأمور بآرائهم.
  2. وجاء ثانيًا أن يحول بين إدارة الشئون المالية والجند، وذلك أن الخليفة كان يولي قواده خراج بعض الأقطار وعلل ابن المقفع رأيه هذا بأن ولاية الخراج مفسدة للمقاتلة، حيث إن كثيرين من القواد اعتزوا بما تحت أيديهم من الجند والمال فخرجوا على الدولة وكانوا سبب مصائب لا تحصى.
  3. وثالثًا طالب ابن المقفع بشأن الجند أن يراعي الكفاية في القيادة، فبلطف لفت نظر الخليفة إلي أن يعيد النظر في الرؤساء ومرءوسيهم، فكثير من المرءوسين أكفأ من قادتهم، فلو ولي القياد خيارهم ووضع الجند في منازلهم حسب كفايتهم، لكان من ذلك خيرٌ عظيم.
  4. وطالب ابن المقفع أيضًا بتثقيف الجند ثقافة علمية وخلقية، فيعني بتعليمهم الكتابة والتفقه في الدين وتعويدهم الأمانة والعفة والتواضع واجتناب الترف في الزي والعطر واللباس، وطالب بتعيين وقت محدد يتعاطي فيه الجنود أرزاقهم فذلك أدي لطمأنينتهم وأمنع للشكوى والاستبطاء.
  5. وأخيرًا طالب ابن المقفع أن يتقصي أخبار وأحوال الجند ويعين في ذلك الثقات الذين يخلصون له ولا يكتمونه سرًا، وألا يُستكثر ما ينفق في هذا السبيل، وإن عظم فإن في هذا الحزم واستئصالًا للشر قبل استفحاله.

ثم ذهب ابن المقفع في رسالته إلى حد أبعد فيما سماه (فوضى القضاء)، فذكر أن القضاء فوضي لا يُرجع فيه إلى قانون معروف، وإنما هو متروك لرأي القضاة واجتهادهم، ونشأ عن ذلك صدور الأحكام المتناقضة حتى في البلدة الواحدة، فتستحل دماء وفروج وأموال في ناحية من نواحي الكوفة، وتحرم في ناحية أخرى تبعًا لحكم القاضي، والقضاة نوعان:

نوع يزعم أنه يلتزم السنة وقد غالى فيما سماه سنة فكثيرًا ما يسفك دمًا من غير بينة ولا حجة، فإذا قيل له إن هذا الأمر لم يرق فيه دم في عهد محمد صلى الله عليه وسلم قال: فعل ذلك عبد الملك بن مروان!

ونوع يزعم أنه من أهل الرأي فيبلغ به الاعتداد برأيه أن يقول في الأمر الجسيم من أمر المسلمين قولًا لا يوافقه عليه أحد،
ثم لا يستوحش لانفراده بذلك، وإمضائه الحكم عليه، وهو مقر أنه رأى منه لا يحتج بكتاب أو سنة، وقد اقترح العلاج في ذلك أن ترفع الأقضية والمسائل إلى أمير المؤمنين، ويذكر الحجج والبراهين والمخالفين من نصوص ورأي، فيعمد الخليفة لتلك الآراء ويختار ما يراه صواب ويدونه في كتاب، ويرسل إلى كل الولايات ويلزم القضاة الحكم به، وإن جاء ما يجد وجب على كل إمام أن يعدل القانون لما يوافق الجديد إلى آخر الدهر.

ويرى ابن المقفع أن ولاة الأمور يجب أن يرجعوا في المسائل المختلف فيها إلى العدل ومصلحة الناس، فاختلاف القضاة إما ناشئ من استنادهم على سنن مأثورة مختلفة، وهذا الاختلاف دليل على أنها ليست مقبولة بإجماع، وحينئذ يكون الرجوع للعدالة أولى، وإما أن يكون الاختلاف ناشئًا عن مراعاة القياس، وقد أورد مثالًا يستهزئ فيه من اتباع أسلوب القياس فقال: لو أنك سألت أحدهم أتأمرني أن أصدق فلا أكذب كذبة أبدًا، لكان جوابهم نعم! فلو سألت: ما تقول في رجل هارب أراد أن ظالم أن يقتله فسألني عن مكانه وأنا أعرفه أأصدق أم لا، فلو ساروا على قياسهم لألزموك بالصدق مع أن المصلحة والعدالة في غير ذلك، ثم قرر مبدأ هو أن القياس ليس إلا وسيلة لتحقيق العدالة، وطريقًا من طرق الوصول لها، فمتى رؤيت العدالة في غير القياس يجب أن يُضحي به.

فأراد ابن المقفع وضع قانون رسمي تجري عليه كل أمور المملكة الإسلامية متسعة الرقعة، ويرجع إليه في ما يرشد إليه العقل في معني العدالة، وهذا فيما عدا ما ورد فيه نص مجمع عليه من كتاب أو سنة، والفقهاء ليس لهم وضع قوانين وإنما عليهم الاجتهاد من الناحية العلمية النظرية ويدلون بآرائهم لولي الأمر وهو المقنن وحده، وهو رأي متبع كثيرًا في أنظمة التشريع الحديثة الآن.

ثروتها وهو الخراج وهو عماد مالية الدولة، ويقصد به المال المفروض علي الأراضي، وقد شكا من الفوضي فيه مثل القضاء، شكا أن الأرض – مع اختلاف جودتها – ليس مقرر عن كل وحدة منها مبلغ معين، ولا سُجل ذلك في دفاتر يحفظ أصلها وبُحصل بمقتضاها، واقترح للإصلاح أن تمسح الأراضي، ويفرض عليها المال المناسب، ويعرف كل مالك ما عليه ويدون كل ذلك في سجلات تحفظ في دواوين الدولة ففي هذا صلاح للرعية، وعمارة للأرض، وحسم لأبواب الخيانة وغشم العمال وشعر بصعوبة هذا العمل مع ضروريته فقال: إن مؤونته شديدة، ورجاله قليل، ونفعه متأخر، وختم مطالبه في إصلاح الخراج بتخير الذين يتولون هذا العمل، وشدة الرقابة عليهم، والاستبدال بهم عند ظهور خيانة عليهم، وربما جاء تنظيم هارون الرشيد لجباية الخراج على الأراضي كترجمة لأفكار ابن المقفع.

وجاء في ختام تقرير ابن المقفع بيان ما للخليفة من أثر عظيم إذا صلح، ذلك أن العامة لا تصلح إلا بصلاح الخاصة، والخاصة لا تصلح إلا بصلاح إمامها، سلسلة يأخذ بعضها بحُجز بعض؛ لأن العامة تقلد في شؤونها الخاصة وتتبعها في سيرها، فإذا كان الخواص من ذوي الدين والعقل كان في ذلك صلاح للعامة، وموقف الخاصة من الإمام موقف العامة من الخاصة، فنساله أن يعزم لأمير المؤمنين على المراشد، ويحصنه بالثبات والحفظ.

جاءت تلك خلاصة وتحليل لرسالة الصحابة لابن المقفع، ومنها نرى أن ابن المقفع كان ناضج العقل في رسالته (قوى الفكر)، شاعرًا بوجوه الضعف في الدولة، ميال إلى إصلاحها، ولما نعرف أنه قتل ولم يتجاوز الأربعين من عمره، بان لنا نبوغه وسعة عقله.

ولكن هل في وسعنا أن نقول إن أفكار ابن المقفع ضاعت سدي، ربما، فهو لم يعالج ما عالجه من الناحية الدينية، بل لجأ إلى مقارنة أحوال الدولة بما كان من أحوال دولة الفرس فكان من أفكاره ما يصطدم بآراء رجال الدين، كالذي رأيناه من مخالفة الإمام مالك لمقترحات ابن المقفع في تنظيم القضاء، حيث إن مالك يرى أن أهل كل قطر في الدولة وصلت إليهم أحاديث يرون صحتها فيلزمهم بالعمل بها، وليس من الحق أو من الدين أن نلزمهم برأي عقلي يخالف ما لديهم من حديث صحيح أو على الأقل صحيح في نظرهم، وابن المقفع يتكلم في الخراج بما نقل إليه من الأكاسرة من الفرس أما أبو يوسف فيتكلم بالآثار التي صحت عنده، والخلفاء في النهاية رأوا عدم اللجوء لآراء ابن المقفع، طالما أن رجال الدين مثل مالك وأبي يوسف بينهم.

كان هذا فصلًا من فصول رجل عظيم من عظماء الفكر والأدب في تاريخ الدولة الإسلامية، وإن لم يدرك من الإسلام في حياته كثيرًا، ولكنه يظل خالدًا بأرائه وأفكاره وحبر قلمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب ضحي الإسلام
عرض التعليقات
تحميل المزيد