أصبحت المواطنة من القيم السياسية التي يكثر المناداة بها اليوم، وذلك مع الديمقراطية والحرية وحكم القانون وغيرها، إذ إن المواطنة الآن تمثل شكلًا من الانتماء إلى جماعة سياسية موجودة في حيز جغرافي ما، ويترتب عليها منظومة من الحقوق والواجبات، وقد تحولت مع الوقت من مبدأ عام إلى حقل معرفي تخصصي، كما أنها تنقسم إلى المواطنة السلبية، وهي المواطنة القانونية التي تضمن لصاحبها الحقوق الأساسية المدنية فقط، والمواطنة الإيجابية (النشطة الفعالة)، والتي تعني الإطار الذي يمارس من خلاله المواطن تأثيره في صناعة القرار السياسي وممارسات الحكم ونظامه.

هذا وقد كانت المواطنة تدرس أساسًا طبيعة العلاقة القائمة بين الدولة والأفراد، لكنها توسعت اليوم مع ظاهرة ما يسمى بالهويات السياسية (الجديدة) لتشمل كافة التمايزات اللغوية والعرقية والجنسية والدينية وغيرها، فالهويات السياسية الجديدة أصبحت شكلًا من العمل السياسي القائم على تحالفات ما بين جماعات من المهمشين والأقليات لتحقيق مصالح مشتركة بعيدًا عن أشكال السياسة التقليدية، كما كان لانحسار الحرب الباردة وتراجع الدولة القومية كإطار جامع للكيانات السياسية، دور في قيام منظومات سياسية عابرة للقومية والحدود كالاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، وانتشار العولمة وما يسمى بالرأي العام العالمي.

كما وتوسعت المواطنة كمنظومة حقوق وواجبات قادرة على استيعاب كافة التطورات التي تفجرت مع سقوط جدار برلين وانهيار الدول في البلقان، وسريان حمى الانفصال والانقسام في الكثير من دول العالم، بحيث أصبحت المواطنة الجديدة أحد الحلول المقترحة لاستيعاب الفئات المختلفة وتلطيف الانقسامات الاجتماعية، إضافة إلى توفير شكل جديد من اللحمة الوطنية والمساواة في المجتمعات المعاصرة، حتى إنها أصبحت إطارًا لنضال عالمي في سبيل قضايا مشتركة واهتمامات واحدة عبر العالم.

تاريخ المواطنة

المواطنة التاريخية بدأت في اليونان وروما، حيث تعد رسميًّا المدينة اليونانية منشأ لمنظومة ما يسمى بالمواطنة، وذلك على الرغم من الادعاء لأن المواطنة هي ذات خصوصية غربية فقط، فإن الكثير من الدراسات الحالية تشكك بهذا الطرح، فالمواطنة كإطار للعضوية والفعل السياسي داخل الجماعات البشرية هي منظومة إنسانية عامة عرفتها كل المجتمعات بشكل أو آخر.

الفلاسفة اليونان نظَّروا لهذه المواطنة وآليات عملها وآفاقها، فمواطنة المدنية اليونانية كانت في مجملها نشطة جدًّا وفي الوقت نفسه ضيقة وإقصائية، حيث إنها لم تشمل إلا الرجال الأحرار من أصحاب الممتلكات (الأغنياء)، أما باقي المواطنين الأحرار المتساوين (الفقراء) فكانوا يلتقون دائمًا في المجالس والميادين العامة ليناقشوا القضايا العامة ويتخذوا بها القرارات، كما كانت المناصب العامة القليلة المتاحة توزع بالمداورة بين هؤلاء المواطنين.

هذا وكانت (المدينة الدولة) أو دولة المدينة في حضارة روما، المكان الذي يتمكن أبناؤه (المواطنون) من حكم أنفسهم وإدارة مصالحهم وشؤونهم العامة، حيث كانت روما عبارة عن جمهورية (مدينة/دولة) يحكمها شعبها بنفسه، كما كانت المواطنة فيها نشطة وشبيهة بتلك اليونانية، كما كان سكان روما ينقسمون إلى طبقتين من المواطنين هما النبلاء الشيوخ والعوام، بحيث كان النبلاء وهم طبقة الملاك والأثرياء وأصحاب المناصب والوظائف العامة، ذوي الحقوق الأكبر والصلاحيات الأوسع مقارنة بالعامة، كما كانوا الأكثر نفوذًا وقوة وسلطة، إلا أن نضالات العامة في روما مع تعاقب العقود والقرون أدت إلى توسيع صلاحياتهم بشكل كبير واكتسابهم المزيد من المساواة مع النبلاء.

لكن هذه المواطنة النموذجية عادت للتراجع والتبدل، وذلك مع نشوء الإمبراطورية الهيلينية وما بعدها الرومانية، حيث أدى تحول الجمهورية الرومانية إلى إمبراطورية إلى تغير في شكل المواطنة، والتي أصبحت مواطنة قانونية أكثر منها سياسية، حيث منح الإمبراطور في عام 212 للميلاد المواطنة لكل رعايا الإمبراطورية، وقد كانت هذه المواطنة تضمن الحماية القانونية والحصانة من التعسف لكل حامليها، لكنها في الوقت نفسه مواطنة سلبية، بحيث لا يتمتع حاملها بحق المشاركة والفاعلية السياسية، وذلك لأن منظومة الحكم والإدارة أصبحت محتكرة من قبل جهاز بيروقراطي إمبراطوري.

فالمواطن تحول من حيوان سياسي بالمنظور اليوناني إلى حيوان قانوني بالمنظور الروماني، حيث لم يعد المواطن مشرعًا للقانون كما في عهود المدينة الدولة والجمهورية، بل أضحى خاضعًا للقانون فقط بدون القدرة على التأثير فيه، كما أصبحت المواطنة الرومانية كمواطنة قانونية تبادل الولاء لروما بحقوق الحماية القانونية من السلطات الرومانية (جنودًا وقضاء)، إضافة إلى أنها فقدت علاقتها بالشكل التقليدي للحكم الذاتي للمواطنين أنفسهم، وهذا التحول بالمواطنة من فاعلة لسلبية ومن سياسية لقانونية ارتبط بكل تأكيد بالتوسع الجغرافي والديمغرافي العظيم الذي عرفته هذه الإمبراطورية.

لكن هذه المواطنة الرومانية عادت لتنزوي مع الوقت وتنتهي عقب سقوط الدولة والإمبراطورية الرومانية، ففي القرون الوسطى انحسرت المواطنة لتبقى في مساحات ضيقة جدًا لبعض المناطق داخل النظام الإقطاعي، حيث كان أتباع النبلاء أو الأمراء في بعض المناطق يتمتعون بالحماية والحكم الذاتي في بعض المناطق مقابل الاعتراف للأمير أو النبيل أو الإقطاعي بالولاء والتبعية، إلا أنه ومع عصر النهضة بدأت بعض المدن الإيطالية تعيش من جديد حالة دولة المدينة، حيث كان سكان المدينة يحكمون أنفسهم بأنفسهم ويوفرون الحماية بعضهم لبعض، ومع الثورة الفرنسية والأمريكية أصبحت المواطنة قضية وقيمة يناضل في سبيلها الجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد