لم يكن مصطلح المدنيين مستعملًا في كتب الفقه الإسلامي القديمة، ذلك أنه مصطلح حديث نسبيًا، بحيث شاع استخدامه بعد ظهور القانون الدولي الإنساني، ولكن ذلك لا يعني أن الفقه الإسلامي لم يتناول أحكام المدنيين، فالشريعة الإسلامية فرقت دائمًا بين المقاتِلين وغير المقاتِلين في الحروب، كما بينت أن الذين يقصدون بالعمليات العسكرية هم المقاتلون فقط، وحرمت المساس بغير المقاتلين إلا في مساحات ضيقة جدًا هي حالات الضرورة القصوى.

الشريعه الإسلامية عبرت عن المدنيين بغير المقاتلين من الحربيين الذين يتصور منهم القتال، وهم من يدخلون بلاد الإسلام بعقد أمان ويبقى العقد ساري المفعول حتى مع نشوب الحرب مع دولتهم، ويتمتعون بالحقوق كاملة ما احتفظوا بجميع الواجبات التي تطلب منهم ولا يلحقون بدار الحرب.

أما مصطلح (المدنيين) فلم يذكره فقهاء الإسلام بنفس المسمى وإنما تم التعبير عنه بالتفريق بين المقاتلين وغير المقاتلين، بحيث ميز الفقهاء بين المقاتلين الذين يجوز قتلهم في الحرب وبين غير المقاتلين الذين التزموا الحياد ولم يشاركوا في القتال مثل النساء والصبيان والشيوخ والفلاحين والرهبان وغيرهم، فهؤلاء لا يجوز قتلهم أو التعرض لهم، وهذا مما يسمى حديثًا بالمدنيين من نساء وأطفال وكبار السن وغيرهم، فالمدنيون هم غير المقاتلين عند الفقهاء بالمفهوم العام لمصطلح المدنيين، هذا وقد شاع استخدام هذا المصطلح (المدنيين) في الكتب الفقهية الحديثة، وذلك نتيجة للتأثر بالمصطلحات الحديثة المستخدمة في الوقت الحاضر في الاتفاقيات والقوانين الدولية التي تحكم علاقات الدول بعضها ببعض.

كما أن مفهوم المدنيين في الإسلام يشمل كل حربي لا يتأتى منه القتال صورة أو معنى، وذلك لاعتبارات بدنية أو عرفية كالنساء والصبيان والرسل وغيرهم من الناس الذين لا صلة لهم بالنشاطات العسكرية والحربية على اختلاف صورها، كما ويمكن تعريفهم أيضًا بأنهم غير المقاتلين من رعايا الدول التي بينها وبين الدولة الإسلامية حالةُ حرب، سواء الموجودون منهم في البلاد التي فتحها الإسلام عنوة أو الموجودون في بلدانهم، ولكنهم يدخلون الدولة الإسلامية بعقد أمان، وإن كان بين الدولة الإسلامية وبلدانهم حالة حرب.

فالحرب في الإسلام وإن أبيحت كاستثناء من الأصل العام وهو السلم في علاقات الدولة الإسلامية بغيرها من الدول، فإنها قد أحاطت المقاتل (المحارب) بمجموعة من الضوابط نزلتها منزلة الواجبات التي لا بد من مراعاتها أثناء القتال، كما وضعت الشريعة الإسلامية أحكامًا يجب على المسلمين أثناء القتال اتباعها واحترامها أهمها:

أولًا: عدم بدء الحرب إلا بعد الإعلان عنها، حيث قال الله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (الأنفال 58).

ثانيًا: عدم قتل الأطفال والنساء والشيوخ والرهبان طالما لم يقاتلوا (ألا يقاتل غير المقاتل)، حيث قال الله تعالى: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) (النساء 98).

ثالثًا: حماية المدنيين وعدم إساءة معاملتهم، حيث قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة 190)، كما نهى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم عن تجويع المدنيين وتعطيشهم.

رابعًا: عدم التمثيل بجثث القتلى أيًا كانوا، حيث قال رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: (إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور) بل أمر بدفنهم سواء أكانوا كفارًا أم مشركين.

خامسًا: عدم التخريب والهدم للبيوت والممتلكات والمزارع ونحوها من مصادر الرزق، حيث إن هناك أحكامًا متعلقة بأموال الحربيين عامة وغير المقاتلين منهم خاصة، وذلك بالنسبة إلى ما يجوز إتلافه وما لا يجوز والمستخدم منها في القتال وغير المستخدم.

سادسًا: النهي عن السلب والنهب لأموال العدو، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرًا على جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا قائلًا: (اغزوا بسم الله وفي سبيل الله وقاتلوا من كفر، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا).

سابعًا: عدم قتل أسرى الحرب وحسن معاملتهم، حيث قال الله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) (الإنسان 8).

ثامنًا: وجوب احترام العهود والمواثيق الدولية التي تبرم قبل وأثناء وبعد القتال (الحرب)، فعن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد أغار عليهم، فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدر، فنظروا، فإذا هو عمرو بن عبسة، فسأله معاوية عن ذلك، فقال سمعت رسول الله يقول: من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عهدًا ولا يشدنه حتى يمضي أمده أو ينبذ إليهم على سواء، قال: فرجع معاوية بالناس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد