بينما يهاجم النقابيون الثوريين والتنظيمات الثورية بحجة عدم تسييس النقابات، تهاجم البرجوازية النقابيين لنفس السبب، فما لا يفهمه النقابيون هو أن البرجوازية لا تريد من الطبقة العاملة سوى دورها الوظيفي باعتبارها منتجًا للثروة وفائص القيمة فقط وبالتالي يستوي لديها النقابيون والثوريون باعتبارهما يشكلان تهديدًا لاحتكارها وعي الطبقة العاملة، وما محاولات استيعاب البرجوازية لهم واستضافتهم على موائدها إلا مرحلة لحين القضاء على التيارات والتجمعات الثورية داخل النقابات والطبقة العاملة، ثم حتمًا سيأتي دور النقابيين وساعتها سوف توجه لهم نفس التهم وسيعلقون على نفس المشانق التي تدلى منها الثوريون قبلهم.

وتعود هذه الرؤية النقابية القاصرة إلى التوجهات الاقتصادية الميكانيكية وإلى الرؤية الإصلاحية، وهاتان الرؤيتان تعكسان تصورًا مثاليًا وغيبيًا للعالم وللمجتمع الإنساني هو الوجه الآخر للعملة لأصحاب النزعات الأخلاقية «المنطق الصوري الميتافيزيقي»، فالأولى ترى أن هناك قوانين موضوعية طبيعية توجد بشكل مستقل عن الإنسان وبالتالي فالطبقة العاملة تحت ضغط الأزمة الاقتصادية سوف تنتفض ضد البرجوازية محطمة الوعي الطبقي السائد بشكل ميكانيكي مباشر دون الحاجة للتنظيم الثوري، والثانية تفترض وجود مؤسسات ورؤى محايدة تقع خارج الصراع الطبقي يمكن العمل من داخلها أو بالتنسيق معها لتحقيق طموحات الطبقة العاملة دون الحاجة للصدام مع البرجوازية، وهذه التوجهات في جوهرها بعيدة كل البعد عن الماركسية الحقيقية.

فالماركسية بوصفها نظريةً للتغيير الثوري تطرح تصورًا ماديًا جدليًا لطبيعة المجتمع الإنساني، فترى التغيير يقع في المسافة بين الذات والموضوع «الحزب والطبقة» على أرضية الصراع الطبقي ويلخص ماركس هذه الرؤية في قوله «إن الناس يصنعون تاريخهم بيدهم، ولكنهم لا يصنعونه على هواهم، إنهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها هم بأنفسهم بل في ظل ظروف يواجهون بها وهي معطاة ومنقولة لهم من الماضي». ونستطيع أن نرى بوضوح أن ماركس في هذه العبارة المكثفة لا يواجه فقط الحتمية الميكانيكية «أن الناس يصنعون تاريخهم بيدهم»، وإنما يواجه أيضًا الميول الفردانية المغرقة في ذاتيتها ومثاليتها «ولكنهم لا يصنعونه على هواهم».

فكما أن الماركسية تنتقد النظريات التي تتجاهل دور الوعي في عملية التغيير، فتمحو الشرط الذاتي من المعادلة وتخرج الفعل الإنساني من دائرة التأثير ليسقط عبدًا للقوى الاجتماعية والاقتصادية المتصارعة؛ فهي أيضًا تنتقد من يعتقدون أن إرادة الإنسان مطلقة وغير مقيدة، ترى الماركسية الإرادة الإنسانية والوعي الإنساني وبالتالي «الحزب الثوري الذي يضم العناصر الأكثر تقدمًا على مستوي الوعي» هو حلقة أساسية في عملية التطور التاريخي ولكن هذه الحلقة تكتسب أهميتها فقط من كونها حلقة ضمن سلسلة مركبة ومرتبطة من التفاعلات في القلب من الصراع الطبقي.

فالبرجوازية تحتكر كل وسائل تشكيل وعي العمال مما يعني الحاجة لتنظيمات ثورية نضالية تعمل داخل الطبقة العاملة لكسر هذا الاحتكار وتحريرعقول العمال من هيمنة الوعي البرجوازي، كما أن التفاوتات الكبيرة في الوعي بين القطاعات المختلفة من الطبقة العاملة وحتى داخل القطاع الواحد تعني أن قطاعات الطبقة العاملة لن تصل إلى نفس المستوى من الوعي الثوري في الوقت نفسه، مما يعني خلافات ومناظرات دائمة داخلها مع كل حدث نضالي حول الطريقة المثلى التي يمكن أن تأخذ النضال خطوة إلى الأمام داخل النقابة، مما يؤكد على دور «القيادة» واضحة الرؤية التي تحمل الخبرات النضالية التاريخية للطبقة العاملة فأولئك الذين يريدون هزيمة الرأسمالية يحتاجون إلى «قيادة منظمة» لأن المدافعين عن الرأسمالية يملكون آلة مركزية تحتكر القوة وأدوات تشكيل الوعي وعلى الاستعداد للفتك بخصومها هي «الدولة».

وعند هذه النقطة في النقاش يطرح بعض النقابيين أنه لا مانع إذن من وجود التنظيمات في القلب من الطبقة العاملة بشرط أن تتذيل القيادة النقابية والثورية للعمال، بمعنى أن تدعم مطالبهم الاقتصادية وتتجنب خوض أي نقاشات سياسية معهم، وهذا يعود بنا إلى نفس الطرح الاقتصادي الميكانيكي الذي يزعم إمكانية وصول العمال إلى الوعي الطبقي دون تدخل للشرط الذاتي في العملية النضالية بشكل إيجابي والاكتفاء بالتفاعل السلبي، مما يعني ضمنًا نفي قيمة التنظيمات بوصفها حركات سياسية نضالية وتحويلها إلى حركات تضامن عمالي، وهو ما يتناقض مع الدور العضوي للتنظيم الثوري باعتباره وعاءً لنقل الخبرات النضالية العمالية ضد البرجوازية على أرضية التناقض الطبقي بشكل واضح.

كما يحكم بعضهم بأن النقابات كيانات إصلاحية، وهذا الفهم الذي ينتزع التنظيم النقابي من سياقه التاريخي هو المبرر الدائم لصعود البيروقراطية النقابية التي ترى أن النقابات إحدى مؤسسات الدولة، وأن جهاز الدولة كيان محايد عابر للطبقات. وتساهم هذه الرؤية بشكل غير مباشر في هيمنة خطاب البرجوازية على التنظيم النقابي، ودمج التنظيمات النقابية في المنظومة الرأسمالية، والترسيخ لكون النقابات أدوات للتفاوض مع الرأسمالي لتحقيق بعض الإصلاحات الجزئية في حدها الأقصى.

وفي السياق نفسه يروج هؤلاء لأوهام حول «حياد القانون البرجوازي بين الطبقات» وبالتالي ينادون بمصطلح مماهٍ هو «سيادة القانون»، وبالتالي الاستسلام – دون معركة – لكون القانون الخاص (النابع من الجمعية العمومية للنقابة) خاضعًا لسيادة القانون العام (الذي خطته البرجوازية بعبارات منمقة ليتوافق بشكل كبير مع مصالحاها وانحيازاتها) مما يؤدي إلى سقوط الطبقة العاملة وتنظيماتها في الفخاخ القانونية التي صنعتها البرجوازية للتحايل والتعتيم على الصراع الطبقي، لتلعب البرجوازية المباراة على أرضية ممهدة في الوقت الذي تتخلى فيه النقابات عن أهم أسلحتها «سلطة قواعدها العمالية» التي هي في الأصل المصدر الأصلي لكل السلطات والصلاحيات التي يمارسها المجلس النقابي المنتخب وليس القانون البرجوازي.

وأخيرًا، يروج بعض النقابيين لأطروحة أخرى وهي ضرورة «فصل النضال النقابي عن النضال الديمقراطي للعام» بحجة الاستقلالية النقابية، وكأن السياسة هي شأن خاص يقتصر نقاشه على الأندية البرجوازية فقط! وهذا وهم تسعى البرجوازية لترويجه لإضعاف أي إمكانية لتشكيل جبهة عمالية موحدة ضدها، وللحد من تأثير التنظيمات الثورية داخل الطبقة العاملة، وبالطبع تتلقف البيروقراطية النقابية هذا الخطاب بأريحية لأنه يحافظ على وضعها ومكاسبها الضيقة داخل التنظيم النقابي، كما يتوافق مع رؤيتها السياسية المترددة.

ولكن الحقيقة هي أنه لا يمكن ممارسة النقابة لدورها النضالي في مناخ سياسي غير ديمقراطي، كما أنه لا يمكن أن يتحقق هذا المناخ السياسي الديمقراطي دون مشاركة نقابية من أسفل في النضال السياسي، وبالتالي لا يعاب على المنظمة النقابيّة إبداؤها موقفًا سياسيًّا أو دخولها في جبهات نقابية وسياسية لخوض نضالات ضد خيارات سياسية مضرّة بمصالح عضويتها القاعدية أو مضرة بالمناخ الديمقراطي العام، خاصة إن كانت هذه الخيارات تهدف إلى تقويض أسس الممارسة الديمقراطية داخل المجتمع – كصعود النزعات الفاشية مثلًا – لأنّ ذلك له انعكاس سلبي فعلي يهدّد ليس فقط دور النقابة بل وجودها بحدّ ذاته.

فالمعنى للاستقلالية النقابية هو الانحياز الكامل من قبل القيادات النقابية المنتخبة لقواعدها العمالية، والرفض القاطع لأي اندماج أو تذيل من قبل التنظيم النقابي للبرجوازية ودولتها الطبقية، وليس على الإطلاق ما يروج له من قطع للصلة بالتنظيمات الثورية داخل الطبقة العاملة، والتصور المغلوط حول فصل النضال السياسي الديمقراطي عن النضال النقابي يقوم بعكس الدور الذي من أجله نشأت النقابات بالأساس، ويعزز من هيمنة الوعي البرجوازي على الطبقة العاملة كما أن نفي دور «التنظيم الثوري» في قيادة عملية التغيير والاكتفاء بالدور النقابي أو طرح تذيل الحزب للطبقة لا يجرد الطبقة العاملة من أهم أسلحتها في مواجهة البرجوازية «الوعي الطبقي» وفقط، بل هو يهدد النقابيين ودورهم النقابي في المستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد