إن كان عدد سكان العالم قد شارف على تجاوز عدد المليارات السبعة، فذلك يعني أنّ التعداد السكاني للثقافات أخذ بالازدياد، فالمجتمع عبارة عن خليط من الثقافات المختلفة، وهذا الاختلاف نسبته منوطة بالأفراد التي تعيش في المجتمع المكون لسكان كوكب الأرض، فالثقافة تنتجُ من السكان ومن عاداتهم وأفعالهم، فالوتيرة لهذه العلاقة الناتجة لن تنتهي إلا بانتهاء الحياة على كوكب الأرض.

اختلافنا نحن البشر عن بعضنا البعض، لا يجعلنا أقل أو أكثر تميزًا عن غيرنا، وإنما هو نابع من البيئة والمجتمع المسيطر على حياتنا، التي قضينا فيها أغلب أعمارنا، وتلعب تنشئتنا الاجتماعية الدور الأساسي فهي الخلفية لكل ما مرّ به الفرد من حياة الطفولة إلى فترة الرشد، وما يكونه من عادات وأفكار يكتسبها من محيطهِ، تنعكس فيه تجارب مسار حياته وأفعاله.

وقد تتشابه الثقافات واللهجات والأعراف فيما بينها، بحكم المنطقة وظروف المعيشة، خاصة إن تجمع عدد السكان واتفقوا على دين يوحدهم للمعتقدِ والطقوس التي يمارسونها، فهو أقرب إلى توحد التشابه فيما بينهم، لنيل حياة أفضل، فما هو الدين إن لم يكن أُسسًا متفقة عليها من قبل أصحاب الدين لنيل مستوى معيشي يتناسب مع مسار حياتهم، وبما أنّ الدين له تبعيات محددة، فأفراده متوحدين لنفس المفاهيم الثقافية، بل علاوة على ذلك، قد تتنوع الطوائف وتنشق الجماعات، عن مؤسسها الحقيقي، لتنجذر منها عدة أفكار تتبعها جماعات أخرى، وهذا هو الحال الطبيعي مع ازدياد السكان، كونَ الإنسان مخلوقًا إما تابع أو متبوع بحسب شخصيته ومركزه الاجتماعي، ليجعل الانشقاق أمرًا سهلًا وواردَ الحصول، وهذا ما أثبته التاريخ على مدى عقود من الزمن، نتيجة تواجد هذا الاختلاف والعقائد الفكرية غير المنتهية، والمستمرة.

لكن الحالة غير الطبيعية في الشعوب والثقافات المختلفة، هي عدم احترام اختلاف بعضها البعض، لفكرها الآخر، والتهجم على الأفراد الأخرى التي لا تشبهُها، فقط لأنها مختلفة، فيتم تصنيف الإنسان تحت خانة الفئات، لون البشرة، الدين، اللغة، اللهجة، الجندرية، البلد (مكان الولادة)، الحالة المادية، بالأحرى تلك التصنيفات تزداد وفقًا لسفاهة واضعي المعايير وتراتيبها.

وهذه الحالة الغير الطبيعية من التصنيفات، لها عدة عوامل تجعلها تنشأ وفقًا للأفراد المتنازعة فيما بينها، فإما هو صراع على السلطة، فيستخدم التحالف أو الاختلاف كمنفذ من أجل إرضاخ الغير، والحصول على السلطة والنفوذ عليه، وأكثر الشعوب نرى فيها هذا الميلان، مثلُ بريطانيا والتي استعبدت الهند على مدى ثلاثة قرون، ففي القرن السادس عشر تم إعطاء موافقة رسمية من الملكة إليزابيث، للتجارة في الهند، وبعد قرن تحول السياسيون إلى تجار، لينتج عن ذلك حكم ذاتي لبريطانيا في أراضي الهند، فقتل فيها آلاف الهنود سواء الجاليات الإسلامية أم الهندوسية، وقبل خروج بريطانيا تمت تفرقة الهند ،حتّى الآن نلتمسُ تلك التفرقة بشكل مفجع، مقارنة لما كانت عليه في السابق وما آلت اليه، كمسببها الأناني، «أنّ بعض التجار السياسيين رأوا مصالحهم العظمى في احتلال الهند» فتمت ممارسة كل الفظائع العنصرية والغير إنسانية منتهكة الحقوق المدنيّة والدوليّة.

 التصنيفات التي ذكرتها سابقًا تناسُبها يأتي  للمصالح الشخصيّة، تجويع الهند كان يعني أنّ بريطانيا تزداد قوة وثراءً.

ولو تمت المقارنة بشكل أكبر على مجريات وأحداث اليوم في العالم العربي، لوجدنا أكبر آفة  والتي لم تحصل على استقلالها أو السلام فيها، كسوريا التي شكلت أكبر طوائف وانقسامات بين الدول العربية المعاصرة تليها باقي المدن مصر وليبيا، واليمن.

عدا عن هذه النقطة، فالسبب الآخر الدين، ومع أنّ منتسبي الدين تجد لديهم طوائف عديدة، ومذاهب متنوعة والتي قد تختلف مع بعضها البعض، لكن ما ينتشر في وقتنا ، العنصرية بشكل كبير ضد الأديان، فمنتسب دين (أ) قد يؤذي دين (ب) لإختلافهما العقائدي، كحال بورما اليوم، فبعض الأقاويل تنسبُ أنّ البوذيين يقومون بقتل مسلمي الريهنغا، للاختلاف العقائدي الذي قد تشكل فيها على مرّ الأعوام.

في بعض المطارح أيضًا قد يتطلب الانتساب إلى وظيفة ما مواصفات محدّدة عنصريّة بعضهم ديني أو عرقي لا يقبل من لا يتبعها، وتتم ممارسة تلك القوانين العنصريّة بشكل واضح ومقر، وهذا جُرم سمحت به الحكومات والدول بين أفرادها.

أما هذه النزاعات فسببها الطبقية المتواجدة عند الأفراد، وعنصر الشعور بالأنا المثالي والأفضل تفوقًا على غيري، فإن كان هنالك أي عنصر من الأفراد والذين يجعلهم يمارسون أحقيّة أنهم أفضل عرق، فهي الرغبة المُلحة لشعورهم بالأفضلية على الأفراد الأخرى، على سبيل المثال فترة هتلر والتي اشتهر فيها بفكرة الشعب الآري، (أي الشعب الألماني المثالي الأفضل)، فكرته تقوم بتصنيف الشعوب إلى خانات، والشعب الألماني هو أفضل الخانات وأجودها، وما هي إلا نزعة من الأنانية لشعور طبقي، وممارسة فعلِ «أنا الأفضل بين الآخرين». 

هذا العامل هو عامل يعود للحالة النفسية المتناقضة التي يعيشها الفرد، بين ذاتهِ وقدرتها على إدراك الآخر، ولأنّ شعور الفراغ قاهر والثقة معدومة، فالتعامل يكون بحتمية خَلقيّة الأوهام الطبقية من أجل صراع «أنا الأفضل».

وأحب أن أستشهد، بقول الحجاج:

(كن ابن من شئت واكتسب أدبًا .. يغنيك محموده عن النسب

إن الفتى من يقول ها أنا ذا .. ليس الفتى من يقول كان أبي).

فإن بدأنا بمعاملة الأفراد بحسب أطباعهم وأفعالهم، فستقل التهجمية ولزاد السلام أكثر في بيئاتنا ومجتمعاتنا، ففكرة ترسيخ المعتقدات على أنها أفضل معتقدات هي سلوك خاطئ ومن المتوجب التيقظ إليها، فالبشر ليسوا متشابهين، بل يميّزهم الاختلاف عن بعضهم البعض، وليُجعل هذا العالم أكثر جمالًا وتوافقًا بمدى اكتمال اختلافنا هو تعاملنا الحسن مع الغير، واحترام مبادئه ومبادئ مجتمعه، حتّى تقلَّ الكوارث الإنسانية وتزدهر الأفعال الطيبة.

ويقول نيلسون مانديلا وهو أحد الذين عانوا من هذه الصراعات:
(لا يوجد إنسان ولد يكره إنسانًا آخر بسبب لون بشرته أو أصله أو دينه، الناس تعلمت الكراهية وإذا كان بالإمكان تعليمهم الكراهية إذًا بإمكاننا تعليمهم الحب، خاصة أن الحب أقرب لقلب الإنسان من الكراهية).

العاتق لا يقع فقط على المجتمع وإنّما على التربية الخاطئة، المجحفة بحق غيرها، المنتصرة لنفسها، فلا خير بالناس إلا بإحسانهم لبعضهم البعض.

ولو سلطنا الضوء على أكثر المدن تطورًا لوجدنا فيها أنَّ الاحترام من أسمى قيمها لعادات وتقاليد غيرها، بنفس الوقت تتشبث بعاداتها، مثلُ الصين واليابان، والمصنفتين عالميًا على أنهما من أكثر الدول اتباعًا للأخلاق، بسبب أنها تتقن فن التعامل المتسامح مع الآخر.

إنّ تنوع الثقافات واختلافها لهو أمرٌ طبيعي، بحسب البيئة الخلفية والاجتماعية للأفراد، لكن ما يشكلُ الخروج عن الحالة الطبيعية هو التهجم والعصبية ضد أي ثقافة أخرى، أو حتّى بين الثقافات التي فقدت قيمة التسامح وهبطت لديها أخلاقيات الاحترام، فلنحسن غرز التسامح قبل التعصبيّة في الأجيال القادمة، فالتسامحُ من أفضل المبادئ رقيًا وتعبيرًا عن قوة الشخصية المستقرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد