نشأنا نساء باحثات عن الشرف، وكأننا ولدنا ناقصات هذا الأخير، بل يجب اقتران أسمائنا وشخوصنا بمن يكللنا بهذا الشرف المزعوم، فنقضي الدهر نفتش عنه فى وجه كل ذكر نراه، بداية من الأب والأخ، مرورًا بالزوج وحتى الأبناء، فلن نكتمل إلا بالتصاقنا بهم، هذا ما علمونا إياه، وغُرس فينا منذ نعومة الأظفار.

بطبيعة الحال كفتاة نضجت على حبي لأعمال إحسان عبد القدوس، حيث شعرت دائمًا بأن كتاباته تعد نقلة في تاريخ الرواية العربية، فلقد أصر أن يطرح من خلال رواياته أشكال الفساد الذي انتشر في المجتمع المصري وفكرة البحث عن الحرية، ومزج أيضًا الحب بالواقع، وحارب الموروثات الخاطئة من أجل مجتمع أفضل، ليرسم الشخصيات بكل تفاصيلها، فتشعر كأنها لحم ودم.
وأحدث حوله جدلًا كبيرًا في المجتمع الذي كان يرفض مناقشة مثل هذه الموضوعات،
بابتعاده عن أشكال الحب النمطي المتعارف عليها في قصص الحب التي تتناول الحب العذري الأفلاطوني ، وتناول حب الشهوات وانعدام الأخلاق، ليكسر كل التابوهات.
فكان يغلبني الحنين لمعاودة قراءة رائعته و غاليتي «الطريق المسدود»، لألتقي بفايزة البطلة التي تهيم بحثًا من أولى صفحات الرواية عن ستار للشرف فى عالم يخلو منه وينبذها لاختلافها، مجتمع يرى الشرف رجلًا، والمنقذ رجلًا، والنجاة رجلًا وإلا فلا.
فيعري عبد القدوس مشكلات المرأة في علاقاتها مع الرجل، والظلم الذي يلحق بها بسبب السلوك الاجتماعي المفروض عليها، والذي يحرص الرجل على تنفيذه والحفاظ على استمراريته لمصلحته الذاتية، بدءًا بالعلاقات الأسرية، حيث أدى اختفاء الأب في الرواية إلى فساد العائلة، ثم علاقات الحب والزواج، حيث إن الرجل الذي تسعى المرأة إلى الارتباط به هو مستغلها وظالمها، ومرورًا باحترام المرأة وقدرتها على العمل بحرية دون ضغوطات خارجية، حيث نجد فايزة مضطرة طوال الوقت لتقديم تنازلات بسبب أخطاء الآخرين من الذكور.
فالعلاقات التي تصورها الرواية، وإن بدت عاطفية في ظاهرها، تحفر وتنخر في أسس النظام الاجتماعي السائد البالي، وتعري التناقضات التي تتجمع تحت قشرته.
وتتطرق إلى قضايا اجتماعية مهمة، تتجاوز السطح وتثير أسئلة مركزية ترتبط بالنظام الاجتماعي والقيم والتقاليد، ودور المرأة والرجل.
فإن «فايزة» الفتاة الوحيدة التي ما لبثت أن فقدت والدها، تعاني من الحرمان العاطفي، ذلك الحرمان المتمثل بالوحدة، وضياع الهوية، وحتى تستعيد البطلة هويتها، فإنها تعتمد على عالم البطل الذي يمنحها الثقة والهوية والإشباع العاطفي الذي طالما بحثت عنه. فتكون البطلة فتاة ينقصها الثقة بالنفس، تلوم نفسها طوال الوقت سواء كان الخطأ من فعلها أم من فعل الآخرين، تشك في نوايا المحيطين بها، ومن يريدونها للحصول على المتعة الجنسية فقط، ثم غياب دور العائلة التي تؤدي دور الوحدة الاجتماعية المصغرة لذلك المجتمع.
ولا بد من الإشارة إلى أن غياب الوصف للمحيط الحسي الذي تعيش فيه البطلة مقصود، لأنه يجعلنا كقراء نولي كل اهتمامنا لمشاعر البطلة والمسببات التي قادت إلى تكوينها النفسي، والتجارب التي تمر بها. ففايزة، الوحيدة، المختلفة عن الآخرين، الباحثة عن الرجل المحب، لا عن علاقة جسدية، تمر بسلسلة من المشكلات التي تجعل عالمها العاطفي أكثر تشتتًا، ونظرًا إلى هذا الحرمان العاطفي فإنها تقع ضحية أكثر من مرة، حيث تقودها حاجتها إلى تصديق ما تقوله أفواه الرجال، وتنتهي في كل تجربة إلى اكتشاف مزيد من الزيف والغش، إلى أن تجد من يبادلها الحب، ومن يرغب في الزواج منها، لكن القسوة تتحول من قلب الرجل إلى قلب المجتمع، فتكون ضحية مرة أخرى.

ويرى الكاتب أن المرأة مجرد «شيء» يستخدمه الرجل لإشباع رغباته الجنسية والسلطوية. وإذا رفضت المرأة الخضوع فإنها تدفع الثمن، لأنها شيء لا قيمة له بالقياس مع الرجل الذي يعد «كل شيء» نظرًا إلى مكانته الاجتماعية وقدرته على السيطرة، ففايزة، بالنسبة للرجال الذين تعاملت معهم، ليست الفتاة المثابرة الباحثة عن حياة أفضل، أو الفتاة التي تعاني فقدان المحبة والتماسك في محيطها العائلي، أو الفتاة التي تتبع قناعاتها الشخصية وتصدم مع قيم الجماعة، وإنما هي مجرد فتاة جميلة مغرية تشتهيها أعين الرجال.
وبذلك يسلط الكاتب الضوء من خلال هذا الطرح على الدور التاريخي الذي حدد للمرأة، فالمجتمع يتوقع من المرأة تلبية رغبات الذكر، خاصة الجنسية، وكأن المرأة مجرد جسد خال من الروح، مجرد جمال خلق لمتعة الرجل وإرضاء غروره.
وهذا السعي الذكوري وراء إشباع رغباته واضح في الرواية، بغض النظر عن موقف المرأة منه راغبه أم نافرة.
وحاول عبد القدوس ببراعة إظهار هذا بحواره الصادم البديع في الوقت ذاته من خلال بعض الأمثلة التي توضح هذه النظرة الحسية الجنسية للمرأة:

«عارفة الفرخة لما يقدموها للاكل في طبق فضة ومزوقة وحواليها «جارنتير» أهو الكلام اللي سمعتيه مني هو الطبق الفضة وهو الزواق وهو «الجارنتير» حضرتك تبقي الفرخة».

«ما تتلمي فى البيت أحسن لغاية ما يجيلك ابن الحلال …….. احنا معندناش بنات فى السن ده يروحوا مدارس».

«ونظر إليها منير حلمي، وفي لمحة كان قد وعى القوام الذي يتثنى في رقة وخفر كأنه يتأوه من الألم، والبشرة السمراء والشفتين الحالمتين… كأنها تحمل سر الأنوثة البكر المغلقة الأبواب».

«هل كان يمكنها أن تمنحه شفتيها ونهديها.. ثم تخرج
من عنده شريفة لأنها ما تزال عذراء».

فيجبرنا إحسان على التفكر والتدبر في دور المرأة المحصورة في كونها زوجة وربة بيت، لا في تحقيق حلمها أو متابعة دراستها والوصول لخصوصية مهنية، وكأن مكان المرأة الصحيح والأوحد هو بيت الأب «ولي الأمر» أو بيت الزوجية، وليس من حقها التفكير بشكل مغاير عما هو مرسوم و مخطط لها.
فكل ما يلاحظه الرجل في المرأة هو الجمال الجسدي وهذا هو الميزان الذي يقيم المرأه به، فأي امرأه يراها لا يلتفت لما وراء هذا الجسد ولا يهتم بمعرفته إلا فيما ندر.
و يصدمنا إحسان بتساؤل آخر خطير وإن كان مستترًا «ما هو مفهوم الشرف فى هذا المجتمع؟!» في مساءلة للقيم الإجتماعية التي تجعل من العذرية مقياسًا للشرف، وتغض الطرف عن ما دون ذلك من تجاوزات طالما ستأتي بثمارها في آخر الأمر وتنتهى بالزواج.

وقد جرى العرف في الرواية العاطفية على لقاء رجل بامرأة وقيام علاقة ما بينهما، وهذه الشخصيات يجب أن تمتلك صفات خاصة مثل أن تكون المرأة جميلة ممشوقة القوام في مقتبل العمر، والرجل طويل وجميل وقوي فيه كل مقومات الرجولة. والشخصيتان تبحثان عن علاقة حب تتحقق في النهاية. وهذا لا يعنى أن كل الروايات العاطفية متشابهة بشكل مطلق، وإنما المقصود أن هناك عناصر لا بد من وجودها في العمل الروائي، حتى يبقى ضمن إطار النوع الروائي. وأن القوة والثقة لا تتوفر إلا في الرجل، الذي يلعب دور المدافع عن شرف الأسرة وحمايتها، وفي حالة غيابه فإن التقاليد التي كان موكلًا بالدفاع عنها تهوي كما حدث للأم والبنات اللواتي عندما لم يجدن رجلًا يدافع عنهن ويحميهن، مما أدى إلى (الانحراف الأخلاقي) وهذا ينطبق على ما حدث لمنير حلمي في نهاية الرواية، حيث لعب دور الأب الموجه الناصح، الذي تمكن من المحافظة على فايزة حين قدم لها النصائح لاعبًا بذلك دور المرشد.

فنلاحظ الربط بين الرجل ومفهوم «المنقذ» وحماية الأسرة. وبالرغم من أن هذا الرجل الذي يلعب دور المحافظ على شرف الأسرة هو في الوقت نفسه المعتدي عليها! مما يكشف الثنائية أو إزدواجية المعايير التي يلجأ إليها الرجل في سلوكياته.

و من هنا وجب الإشارة إلى أن الكاتب لا يدافع عن المرأة وحريتها، وإنما يطرح الأسئلة عن القيم التي باتت شبه ثابتة في المجتمع.
ففي الرواية يتساءل عن أسس الأنظمة الاجتماعية والأخلاقية المقررة في المجتمع، كمفهوم أن كل بيت بحاجة إلى رجل لحمايته والمحافظة على شرف وسلوك أفراده، وكأن الرجل هو الأساس ومطالب بحماية هذا المخلوق الضعيف «المرأة»!
فعكس من خلال الرواية عددًا من القوانين المتعارف عليها والتي تنص على حاجة المرأة للرجل، والذي أثبتت بعض أمثلة الرواية أن هذا الرجل مجرد مستغل ومستخدم لهذه المرأة من أجل إرضاء رغباته وشهواته. فعلى سبيل المثال «منير حلمي» كانت له صورتان: الكاتب الرقيق الذي يعرف الحب ومعانيه السامية، صورة الرجل الذي يتظاهر بما ليس فيه. والصورة الأخرى أنه مجرد رجل، يريد استغلال منصبه وسلطته للحصول على جسد المرأة الممثل في أي معجبة من قرائه، والحال ينطبق أيضًا على رشاد أستاذ الأدب الإنجليزي الذي كان مثال الإنسان المثقف الرقيق والمخلص لزوجته وبيته، إلى أن تكتشف فايزة أن كل هذا مجرد قناع يستخدمه الأستاذ للإيقاع بفريسته والفوز بجسدها. والصفات نفسها تنطبق على العمدة والصيدلي في الروايةوحتى احمد الشاب الذي تصورت أنها سوف تجد فيه النبل والأصالة والشهامة بحكم ترعرعه في الريف المصري الأصيل، تخلى عنها أمام أول عقبة بمنتهى الأنانية، وخذلها حين لجأت له كحامي لها متحججًا بسمعته وتجارته وأخته الطفلة.

ورغم انتظار القارئ أو توقعه انتهاء الرواية بزواج البطلة من الحبيب، لكن عبد القدوس خرج على هذا التقليد حين اختار لبطلة الرواية أن تقف ظروفها الاجتماعية ومبادئها وقناعاتها الشخصية دون تحقيق أحلامها. ففايزة فى صدام دائم مع كل ما يحيط بها مما أدى إلى تخلي حبيبها عنها، ففي لقائه الأخير بها، أخبرها بأن المجتمع لن يغفر له، وأن عائلته، التي طالما اعتنى بها وضحى من أجلها ستعاني، وأن أخته لن تجد من يتزوجها في حالة ارتباطه بها. ولعل عبد القدوس أراد من هذا الخروج أن يوضح أن المرأة، ومهما نجحت في تحقيق ما تصبو إليه، فإن المجتمع يعاقبها، فأراد عبد القدوس للبطلة أن تنضم إلى «موكب الحائرات» على حد تعبيره في الرواية للدلالة على أن النهاية غير السعيدة هي مصير النساء اللواتي يخترن شق طريقهن حسب مفاهيمهن الخاصة، لا مفاهيم المجتمع.

ولكي يلقي بالضوء على مفهوم خطير آخر جرى دسه داخل عقلية المرأة، وهو عدم ثقتها بنفسها وممارستها لـ«جلد الذات»؛ إذ تشعر بضعف يقودها إلى لوم نفسها كلما وقعت في مشكلة، وكأنها المسؤولة عن الظلم الذي تتعرض له، حتى وإن كان الظلم مفروضًا عليها. فالنظم المحيطة بالمرأة تراها وكأنها سبب كل الشرور والمشكلات التي يتعرض لها المجتمع. ومن هنا فإن المؤلف يستخدم هذا الأسلوب للكشف عن المفارقة الواضحة حيث تتحول الضحية دومًا إلى مجرمة تدفع ثمن أخطاء الغير أو الجاني. وفي رواية الطريق المسدود نجد فايزة تلوم نفسها طوال الوقت، وتعتبر نفسها المسؤولة عن العذاب الذي تعاني منه. لذلك فإنها تلتمس الأعذار للرجال في حياتها وكأنها تبحث عن طريقة ما لدفع الأسباب التي قد تؤثر في صورة الرجل الذي تحلم به، ولا ننسى أن العقلية الاجتماعية تفرض عليها، لأنها أنثى، أن تكون على خطأ، وأن تقبل دفع ثمن أخطاء الرجل أو المجتمع، بل إنها أحيانًا كانت تتهم نفسها بالغرور لأنها مصرة على أن تحتفظ بعفتها ومبادئها، وترجع ذلك إلى رغبتها في أن تسمو على الآخرين، حيث يقول الكاتب على لسان بطلته:

«لم تكن ثائرة على الدنيا، بقدر ما هي ثائرة على نفسها. إنها تعيد وتكرر نفس السؤال: لماذا تتحدى الناس؟! لماذا لا تخضع للمجتمع؟ لماذا تقف وحدها تقاوم كل هذه الشرور التي تغرق الدنيا؟ ربما لأنها مغرورة! ربما لأنها غبية!».

«كانت تستعرض كل ما حدث. كل كلمة وكل حركة. ولم تكن تحاول أن تلمه. بل كانت تحاول أن تجد عذرًا له. ولم تجد له عذرًا إلا في أن تتهم نفسها بأنها ليست فتاة طبيعية، وأن فيها شيئًا ناقصًا. ربما كان شيئًا في تفكيرها، أو شيئًا في طبيعة تكوينها. أو شيئًا في الحياة التي تحيط بها».
«وربما كان الرجل معذورًا، فقد حكم عليها بسلوك أمها وأختيها، وأراد منها ما يستطيع أن يأخذه بسهولة من أختيها».
وكلل عبد القدوس روايته بنهاية مفتوحة محيرة، حيث اتجه البعض للاعتقاد بانتحار فايزة، لكني شخصيًّا أستبعد فكرة انتحار فايزة فتركيبة شخصية بهذه القوة والإرادة والتصميم، شخصية تُعمل عقلها ولا تستسلم لنزواتها يتنافى مع الإقدام على مثل هذا الفعل المتهور الآني.
فلقد أبصرت فايزة أخيرًا ماهية هذا المخلص الذي أضنت روحها بحثًا عنه، أيقنت أن منقذ كل امرأة في شخصها نفسها، وثبات مبادئها، وحر رأيها وثقافتها واطلاعها وإيمانها بأنها شخص كامل لا يحتمل النقصان ولا يكتمل شرفه باقترانه بأحد، ولكن أيعني هذا أن طريقها ممهد أو به أمل؟! لا أظن ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد