لقد فهم الإخوان المسلمون دينهم على أنه «نظام حياتي شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا، فهو دولة ووطن، أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة، أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون، أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة، أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة، أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء»، فهو نظام ينظم علاقة الإنسان بربه، وينظم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وينظم علاقة الجماعة المؤمنة بغيرها من الجماعات، «واعتقدوا عقيدة أثبت من الرواسي وأعمق من خفايا الضمائر بأنه ليس هناك إلا فكرة واحدة هي التي تنقذ الدنيا المعذبة وترشد الإنسانية الحائرة وتهدي الناس سواء السبيل، هذه الفكرة هي الإسلام الحنيف الذي لا عوج فيه ولا شك معه ولا ضلال لمن اتبعه».

وفهموا أن دورهم في الحياة ورسالتهم هي إسعاد العالمين بمنهج الله والتمكين له في الأرض، وأدركوا أنها فكرة عظيمة تحتاج كي تمكن إلى كل جهد مخلص وإلى كل بذل وتضحية، وأنه يجب تنظيم هذه الجهود والتنسيق فيما بينها لتحصيل أعظم النتائج، فكان لزامًا أن تستوعب هذه الجهود من خلال جماعة تحتضن الفكرة وتدعو إليها، وتدافع عنها، وتواجه مكر الأعداء بها، وتنادي بحقوق المسلمين المسلوبة، ومقدراتهم المغصوبة، وتحمل الناس على احترام فكرتهم بالأرواح والأموال وكل رخيص وغالٍ؛ حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

والجماعة لا تكون إلا بإمارة تستلزم الطاعة «فلا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة».

ولذا فالقيادة داخل جماعة الإخوان المسلمين تختلف عن غيرها من القيادات من حيث الشكل والمضمون ومعايير الاختيار؛ «فنحن لسنا حزبًا سياسيًّا، وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا، ولسنا جمعية خيرية، وإن كان عمل الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا، ولسنا فرقًا رياضية، وإن كانت الرياضة البدنية والروحية من أهم وسائلنا».

«ولكننا أيها الناس ولا فخر أتباع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحاملو رايته من بعده، ورافعو لوائه كما رفعوه، وناشرو منهاجه كما نشروه. وحافظو قرآنه كما حفظوه، والمبشرون بدعوته كما بشروا، ورحمة الله للعالمين، «ولتعلمن نبأه بعد حين».

فالقيادة عندنا جزء من الدعوة، تكليف وليست تشريفًا، نقدم لها من نطمئن إلى كفايته وإخلاصه اطمئنانـًا عميقـًا ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة، نقدم لها من نثق في إيمانه بالفكرة والثبات على مبادئها والعمل بها ولها والصبر على تبعاتها، ونحن من خلفها نساعدها ونعينها ونجبر ضعفها ونصحح مسارها باذلين لها العون والنصيحة، ولقد قيل للإمام الشهيد عندما تأزمت الأمور في عهد الملك، وظهرت ملامح الغدر به وبإخوانه: إن حيل بيننا وبينك فمن نولي علينا؟ قال: ولوا عليكم أضعفكم ثم اخلصوا له النصح فسيصير بكم أقواكم!

وللقائد في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة، أي إنها حقوق تفرض عليه واجبات.

والقيادة عندنا هي اختيار الأفراد، لا نعطيها لمن طلبها وحرص عليها، وهي قيادة مؤسسية قوامها الشورى الملزمة، بداية من الأسرة وحتى مكتب الإرشاد، نتعبد إلى الله بطاعة ما استقرت عليه الشورى حتى وان خالف هوانا.

لنراجع أيها الأحبة ركن الثقة الذي بايعنا الله عليه وبايعنا قيادتنا عليه، ولنجدد البيعة، ولنعلم أنها بيعة مع الله، ولنرتبط بالفكرة لا بالأشخاص، ولنثق أن كل قرارات إخواننا تؤخذ بالشورى في موضعها الصحيح وبشكلها الصحيح، ولنتوحد حول فكرتنا وهدفنا، ولنقدم العمل على الجدال والمراء، ولنستعن بالله، ولننتظر بعد ذلك النصر «وبشر المؤمنين».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!