مكَّة وادٍ تحيطه الجبال الوعِرة، تضاريسُها الصعبة لا تغري القبائل بالتجمُّع فيها في المواسم، رغم ذلك، فقد ضمَّتْ أشهر الأسواق العربيَّة في الجاهليَّة، حيث تهافتَ أبناء قحطان وعدنان مِن كلِّ أرجاء الجزيرة للتجارة والشِّعر. وجودُ الكعبة في مكَّة أعطاها ذلك الاهتمام، قدَّست عرب الجاهليَّة الكعبة، وحجَّت إليها كلَّ سنة. وفي مكَّة ظهر الدين الجديد، كان النبيَّ يدعو إلى «لا إله إلَّا الله، محمَّدٌ – صلَّى الله عليه وسلَّم- رسول الله». بدأ واحد يعرض الأمر في بيته، وأصبح بعد مئتي عام أُمَّةً مِن 50 مليونًا ينتشرون في شرق الأرض وغربها. استقبلت الروح الشرقيَّة الشغِفة نفحاتِ الإسلام، استقرَّ الأمر، وبُنيَتْ الدولة بسرعةٍ لم يعرف التاريخ نظيرًا لها، حتَّى تحقَّقتْ شروط الحضارة، وقاد المسلمون العالم كما يقودون أعنَّةَ خيولهم. تطوَّرتْ شتَّى العلوم في الدولة الجديدة: اللُّغة، والشِّعر، والعمارة، والموسيقى، والفلسفة، حتَّى لم يجد خصومهم حرجًا أنْ يطلقوا على تلك الفترة من التاريخ الإسلامي: «العصر الذهبي».

يرى الباحثون أنَّ الكِندي – الذي عاش في القرن التاسع الميلادي- هو أوَّل فيلسوف عربي بالمعنى الأكاديمي لكلمة فيلسوف، لذلك استحقَّ لقب «أبو الفلسفة العربية». وفي الشرق الذي تعجُّ أركانه بالأديان، وتسبق روحُه أيَّ سابق، لا يمكن أن يجري تناولُ الفلسفة، ولا غيرها من العلوم -أو حتَّى النظريَّات العلميَّة- دون أن يُقرَّ الدين بمشروعيَّة هذا التناول. لذلك انبغى للكندي أن يختم بختم الإسلام على وثيقة الفلسفة قبل أن يُقدِّمها للمجتمع العلمي وللناس. ألبسَ الكندي ماردَ الفلسفة النائم في قمقمه منذ قرون ثوبَ الإسلام، وأخرجه ليضعه بين أيدي الفلاسفة المسلمين من بعده، من أمثال: الفارابي، وابن الهيثم، والبيروني، وابن سينا، والغزالي، وابن رشد.

أبدى فلاسفة المسلمين رأيهم في مجمل القضايا الكونيَّة والإنسانيَّة، وبالطبع كانت معادلة الحريَّة والحتميَّة إحدى قضاياهم. قد يظن البعض أنَّها أحد السجالات التي ظهرت أثناء نمو الفلسفة الإسلاميَّة، لكن في الحقيقة هي أقدم من ذلك. عرض محمد عمارة بعض الآراء التي تقول إنَّ مشكلة الحتميَّة موجودة عند العرب حتَّى قبل ظهور الإسلام. كما أنَّنا إذا أخذنا في اعتبارنا وجوبَ التفريق -كما دعا إليه عاطف العراقي- بين الفلسفة، وعلم الكلام، والتصوُّف، فإنَّ هذه القضيَّة عند المسلمين أقدم من الفلسفة الإسلاميَّة نفسها، ربَّما من الأنسب اعتبارها ضمن علم الكلام. وعلى أيِّ حال، فإنَّ ذكرَ آراء مفكري المسلمين بخصوص الحريَّة والقدَر أكثرُ أهميَّة لدينا مِن تحديد الفرع الأكاديمي الذي ينتمي إليه الجدل الدائر حول الموضوع، ومِن تتبُّعِ جذور نشأتها عند العرب.

قال جهم بن صفوان – مؤسِّس الفرقة الكلاميَّة المعروفة باسمه «الجهميَّة» – بأنَّ العبد كالجماد، لا حريَّة له أبدًا في أفعاله. وهذا منتهى الحتميَّة، أو الجبريَّة. استند رأيُ الجبريِّين على اعتقادهم بأنَّ الله هو الفَعَّال، ولا ينبغي لأحدٍ مِن خلقه أن يشبهه، فبالتالي لا يمكن للإنسان أن يكون هو المسؤول عن أفعاله. وفي جبريَّةٍ أقلِّ حِدَّة، قال الأشاعرة بأنَّ الله هو الخالق، الذي يخلق أفعال العباد، لكنَّ العبد «يكتسب» الأفعال. فالإنسان يفعل ما يشاء، لكنَّه يشاء ما يشاؤه الله. وقد جاءت فكرة الاكتساب مخرَجًا من قضيَّة الحساب في الآخرة، فلا يستقيم أن يخلق الله الأفعالَ ويحاسب الإنسانَ عليها. مِن المهمِّ هنا الإشارة إلى ما ذكره محمد عمارة – نقلًا عن المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبَّار- بخصوص الدوافع السياسيَّة لظهور الجبريَّة في الإسلام، حيث قال إنَّ فكرة الجبريَّة استُخدمت لإقناع الناس بتحوُّل الخلافة من الشورى إلى المَلَكيَّة في عهد معاوية بن أبي سفيان.

على الجانب الآخر من الحتميَّة، وقف المعتزلة قائلين بحريَّة الإنسان الكاملة في الاختيار والفِعل. رأوا أنَّ الإنسان مُستطيع، وخالقٌ لأفعاله، بالمعنى الحرفي لا المجازي. وإن كان لا يمكن أن يكون للفعل خالقان: الله والإنسان، فليكن إذًا خالقٌ واحد هو الإنسان. والخلق – وفقًا لتعريف المعتزلة- هو الصنع القائم على التخطيط، وليسَ الإنشاء من العدم. حسنًا، ماذا قال المعتزلة عن الظروف الخارجيَّة المحيطة بخلق الفعل؟ كيف برَّروا حريَّة الإنسان في ظلِّ ما هو خارج عن سيطرته؟ قالوا إنَّ الإنسان قد يضطر إلى فعلٍ ما تحت قهر خارجي، ولكن فعل هذا المضطر (المُلجَأ) من صنعه أيضًا، وليس من صنع الظروف الخارجيَّة، حتَّى المُلجأ إذًا لم يفقد حريَّة الفعل. رغم اختلاف رجال المعتزلة على فكرة الاستطاعة، أهي موجودة مع الإنسان كالفعل نفسه؟ أم موجودة مع الفعل؟ أم كليهما؟ فإنَّهم أجمعوا عمومًا على حريَّة الإنسان المطلقة.

خلق الله الإنسان بقدرات ذهنيَّة وجسديَّة معيَّنة، وأرسله في كونٍ ذي قوانين تحكمه، إرسالًا مؤقَّتًا يعود بعده إلى ربِّه، فيحاسبه عن أفعاله. الإنسان ليس حرًّا تمامًا، وإلّا فلا معنى لنواميس الكون، ولا لحدود قدراته الممنوحة له، وهو ليس مجبورًا تمامًا، وإلَّا فلا معنى للتكليف والحساب. هذه الرؤية التوافقيَّة المتوازنة بين الجبريَّة والحريَّة لخَّصت موقف ابن رشد في هذه المسألة.

خلاصة الآراء المطروحة في الفكر الإسلامي بخصوص قضية الحريَّة تشبه تلك المطروحة في مراحل تاريخيَّة سابقة، ولاحقة أيضًا – سنرى ذلك في فصولٍ قادمة. ولكنّ هذا لا يعني تأثُّرًا كاملًا أو نسخًا لآراء الفلاسفة السابقين، فالرأي الذي يطفو على السطح – بأنَّ الإنسان حرٌ، أو مجبرٌ، أو في مكانٍ ما بينهما- خَلْفَه جبالٌ مِن المعتقدات الراسخة، والمعطياتِ الثقافيَّة، والأسبابِ الدافعة للقول به. لذلك مِن السذاجة استسهالُ قول إنَّ رأي ابن رشد بخصوص حريَّة الإرادة – مثلًا- يشبه رأي أوغسطينوس، أو أنَّ المعتزلة قالوا بما قال به الأبيقوريُّون حول هذا الموضوع. ربَّما كان من المجدي أن نذكر أسباب الأبيقوريين التي دعتهم للقول إنَّ الإنسان حر تمامًا، بعد أنْ ذكرنا أسباب المعتزلة، وذلك للمقارنة، وفهم مواطن الاتَّفاق والاختلاف.

رأى أبيقور – مؤسس الأبيقوريَّة- أنَّ الإنسان حر تمامًا، لا تتدخّل بقراراته أيُّ قوىً طبيعيَّة أو إلهيَّة، وحده العقل هو المسؤول عن أفعاله. بالنسبه إليه، الإيمان بالحتميَّة يورث العجز، أمَّا مطلق الحرية فجلَّاب للهدوء، حامٍ من الخوف. وباعتبار السعادة غاية الإنسان الأسمى والأهم، فهي لا تتحقَّق إلَّا إذا كان حرًّا، حتَّى مِن شهوات نفسه. رغم تشابه خلاصة الأبيقورييِّن مع المعتزلة في مسألة الحريَّة – حريَّة إرادة مطلقة- إلَّا أنَّ الأسباب المؤدية لهذه الخلاصة مختلفة بينهم. أبيقور عزاها إلى رؤيته عن السعادة والتحرُّر من المخاوف. أمَّا المعتزلة فقد كانت أسبابهم الاستحالة المنطقية لوجود فاعليْن للفعل الواحد، ومسؤوليَّة الإنسان يوم الحساب عن أفعاله.

بسقوط الخلافة العباسيَّة في بغداد، عام 1258، تغيَّر شكل العالم، واختلفت موازين القوى، أُسدِل الستار على التفوُّق العربي الإسلامي، وسعت الدول الطامحة في الغرب لتصدُّر المشهد. لم تكن الفلسفة وحدها التي تراجعت، بل شتَّى العلوم والفنون، فهي كفيفة تبحث دائمًا عن يد قوي يوجِّه عصاها. استمرَّت تائهة، تروح وتغدو بلا معنًى لأكثر من أربعة قرون، حتَّى جاءت عيون رجال عصر النهضة في بقعة أخرى من العالم وقادتْها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد