في المقالتين السابقتين تعرضنا لمفهوم الثورة في إطار السياق الفكري المميز لكل حضارة من حضارات العالم القديم والوسيط، ففي المقال الأول تناولنا مفهوم الثورة في حضارات العالم القديم (الحضارة المصرية القديمة – حضارات بلاد الرافدين – حضارة بلاد فارس – الحضارة اليونانية والرومانية)

وفي المقالة الثانية تناولنا مفهوم الثورة في الأديان السماوية التوحيدية الثلاث (اليهودية – المسيحية -الإسلام)

وفي هذه المقالة، سوف نتعرض لمفهوم الثورة في أهم مدارس الفكر الحديث والمعاصر.

أولًا: -في الفكر الماركسي

تنسب الماركسية لالفيلسوف اليهودي الألماني «كارل ماركس» (1818-1883م) الذي قام بمشاركة صديقه الفيلسوف «فريدريك انجلز» (1820-1895م) على تطوير الكثير من النظريات المادية السابقة لهما؛ فأضافا العديد من التعديلات، بحيث ظهر إلى الوجود مذهبًا فكريًا فلسفيًا ماديًا جديدًا يمكن أن نسميه بالفكر الماركسي.

كان «الديالكتيك» الذي يُشتق من الفعل اليوناني dialegein ويعني «الجدل والمحاورة»، واحدًا من أهم الأسس التي استخدمها ماركس وأنجلز لتطوير النظرية المادية الكلاسيكية؛ فبعد أن كانت المادية ميكانيكية الطابع، فيما قبل ماركس وأنجلز نجدها قد أصبحت جدلية تطورية بعدهما.

يقوم الديالكتيك والجدل على أساس فكرة التطور، والتغير المستمر، الذي لا سقف له: فالفكرة تتصادم مع نقيضها، وفي خضم هذا الصدام والصراع بين الفكرتين، تظهر إلى الوجود فكرة جديدة،لم تكن موجودة من قبل.

كان هذا المفهوم معروفًا من قبل ماركس في المدارس الفلسفية المثالية؛ لا سيما عند الفيلسوف المثالي الألماني الأشهر «جورج فيلهلم فريدريش هيجل» (1770-1831م)، ولكنه لم يكن مستخدمًا من قبل الفلاسفة الماديين.

ما قام به ماركس أنه استخدم الديالكتيك، لكنه غير من المجال الذي يطبق عليه، فبدلًا من استخدام الديالكتيك لملاحظة كيفية ظهور الأفكار المثالية، فإنه طبقه على التاريخ لملاحظة كيفية تطوره وتبدله.

وقد ركز التفسير الماركسي للتاريخ على الصراع الطبقي كعامل رئيس في تطور التاريخ، ذلك أن الصراع على وسائل الإنتاج والموارد الاقتصادية هو الذي يؤدي إلى هدم الأنظمة السياسية، وبناء أنظمة أخرى بديلة.

إذن كان من الطبيعي أن تحتل فكرة الثورة مكانة كبيرة في الفكر الماركسي؛ فالثورة في المفهوم الماركسي وسيلة وأداة هامة في يد طبقة العمال والفلاحين «البروليتاريا» لنزع السلطة من يد الطبقات الأرستقراطية والإقطاعية المهيمنة والمسيطرة على الموارد الاقتصادية في الدولة.

وبالرغم من أن ماركس اعتقد أن أولى الثورات البروليتارية سوف تحدث في إنجلترا، حيث لمس أثناء إقامته فيها وجود أعداد كبيرة من العمال المدربين الذين من الممكن أن يكونوا نواة للثورة، إلا أنه، وعلى عكس توقعاته، فقد اندلعت الثورة التي تنبأ بها في الأراضي الروسية، في عام 1917م، وتمخضت عن إنتاج دولة شيوعية كبرى، قُدر لها أن تكون إحدى القوى العظمى في العالم لفترة تزيد عن النصف قرن.

ثانياً: -التحدي والاستجابة

ومن أهم النظريات المعاصرة التي اهتمت بتفسير الثورة، نظرية التحدي والاستجابة لعالم التاريخ البريطاني «أرنولد توينبي» (1889-1975م)، فقد بنى توينبي أسس وأصول نظريته على أساس بعض المبادئ والقواعد المعمول بها في علم النفس السلوكي، ولا سيما عند عالم النفس الشهير «كارل جوستاف يانج» (1875-1961م)، الذي يرى أن الإنسان بعدما يتعرض لصدمة ما، فإنه قد يستجيب لها بشكل سلبي؛ فيصبح انطوائيًا، أو أنه يستجيب لها بشكل إيجابي؛ فيصبح انبساطيًاً.

وقد حاول «توينبي» في نظريته أن يقدم طريقة منهجية لتفسير التاريخ على أساس نفس القاعدة السابقة: فقال إن المجتمعات أثناء تاريخها تمر بالعديد من المراحل التي تتعرض فيها لضغوط خارجية من قبل جماعات وكيانات مهددة لها.

وأن تلك التهديدات تؤثر كثيرًا على المجتمع، فهذه التهديدات تمثل شكلًا من أشكال الضغط، ولونًا من ألوان التحدي، ويقابل المجتمع ذلك التحدي باستجابة تنبع من داخله، وتتناسب مع شكل التحدي الواقع عليه.

وأوضح توينبي أن هناك نوعين من أنواع الاستجابة: النوع الأول، وهو استجابة سلبية، وفيها يعود المجتمع إلى تاريخه، وتراثه، ويسترجع ذكريات قوته، وعنفوانه، تاركًا حاضره معلقًا بالضغوط الموجهة ضده.

أما النوع الثاني من الاستجابة، فهو ما يعرف بالاستجابة الإيجابية، وفيه يعمل المجتمع لاستعادة قوته في حاضره، ويُصعد من مقاومته ورفضه للضغوط والتحديات الواقعة عليه.

ونستطيع أن نلاحظ بوضوح فكرة التغيير والثورة في الاستجابة الثورية في فكر توينبي، إذ إن الثورة هي إحدى أهم الآليات الفعالة التي يستطيع بها المجتمع الواقع تحت ضغط وتحد كبيرين، أن يعبر بها على رفضه للواقع.

ثالثاً: -حنة أرندت

ومن أهم الفلاسفة الذين تناولوا فكرة الثورة ومفهومها في العصر الحديث، نجد الفيلسوفة اليهودية الألمانية والمنظرة السياسية – كما كانت تحب أن تُعرف – «حنا أرندت» (1906-1975م).

في كتابها (في العنف) حاولت الفيلسوفة الألمانية أن تفند بعض المنهجيات الثورية العنيفة التي تبناها بعض رموز التيارات الفلسفية الوجودية المعاصرة لها من أمثال الفيلسوف الفرنسي الوجودي «جان بول سارتر» (1905-1980م) والمنظر الثوري «فرانز فانون» (1925-1961م) صاحب الكتاب الشهير «معذبو الأرض».

وفي كتابها المهم «في الثورة» أوضحت «أرندت» رأيها في الثورة والعنف، وعلاقتهما بالحرية والمساواة بين البشر وبعضهم البعض.

فالفيلسوفة الألمانية ترى في كتابها أن الثورة ضرورة وحتمية تاريخية، لا يوجد سبيل لوقفها، وذلك أن وجود فوارق طبيعية بين البشر بعضهم وبعض قد أدى إلى تسلط بعضهم على بعض، وهو الأمر الذي جعل من الثورة السبيل الوحيد للحرية والمساواة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثورة
عرض التعليقات
تحميل المزيد