إنه وعند النظر في  نشأَةِ الحضارات، نجد أن التطوع هو العامل الأكثر تأثيرًا في بنيان الحضارة بعد الاعتقاد. بل إن شرط قيام الحضارة وجود مجموعة من الأفراد تقوم على عاتقهم أعباء تلك الحضارة بما تحتاجه من السواعد والأيدي العاملة ووسائل الخدمة دون مقابل شخصي؛ على أن نتاج ذلك العمل على الصعيد الاجتماعي هو المقابل الذي سوف يتلقاه  ذلك الفرد لكونه جزءًا من هذا المجتمع الذي يعمل لأجله.
هذا هو المفهوم العام للتطوع بما يتماشى مع جميع الحضارات وباختلاف المعتقدات.
وعند النظر لمفهوم التطوع  في رحاب نشأة الحضارة الإسلامية تجده ملموسًا في الرجالِ الذين تولى الرسولُ تأسيسهم وتجهيزهم لتبليغ الرسالة والدعوة جنبًا إلى النبي.  فلم يكن لدعوةِ الإسلام أن تُؤتي ثمارها أو أن تبلُغ عِزَّها في غياب أولئك الرجال الذين اصطفاهم الله لتبليغِ الرسالة وتَحَمُّلِ المشاق وبذل كل ما يملكون من النفس والمال والولد.
وإنك لتجد هذا المفهوم التطوعي بهيئته المثالِّية في العديد من مواقف الصحابةِ مع النبي، ومواقف الصحابة مع بعضهم ومواقف التابعين والسلف من بعدهم حِيالَ أمتهم ومجتمعاتهم.
هذا وإنه لم تتم عرقلة المجتمعات عن تقدمها، أو  الحفاظ على حالتها المتماسكة إلا بعد أن تمت عرقلة التطوع، أو عرقلة مفهوم التطوع لدى أفراد المجتمع مع مرور الزمن.
وإني قد قصدت بهذا المقال تسليطُ الضوءِ على بعض الثوابت التي يرتكز عليها مفهوم التطوع من وحي القرآن والسنة ومن خلال فهم السابقين الأوائل، والتي تم عرقلتها – بشكل أو بآخر – على مرِّ الزمن لتشمل مفاهيم أخرى حادت عن المعنى المراد.

 

حينما تلقى النبيُّ الرسالة عمد إلى خديجة كأول غائثٍ يواسيه من هول تلك الحادثة الخارقة. كان النبي في أشد الاحتياج لمن يفسِّر له تلك الواقعة لكونه حديثَ عهدٍ بتجربة الرسالةِ وقت إذ. حينها لم تَتَوَان خديجة في السعي بزوجها إلى من تظنُّ أن لديه فَحْوَى ما يريدان، فذهبت به لورقة بن نوفل  لتصير عندها كأول متطوع في تاريخ الحضارة الإسلامية.
وقد توسع مفهوم التطوع بعدها ليشمل المجتمع المسلم وحاضن الدعوةِ الوليدةِ وقتئذٍ، غير مكترث بعمر أو بجنس أو بشرف. فإنك لتجد الصبي ينام في فراش النبي تطوعًا لإتمام خطة الهجرة، والآخر فاتحًا داره للنبي وصحبه بُغْيَة المدارسة والعبرة. كما إنك لتجد من أتى بكل ماله ليضعه في حجر النبي، وتجد الآخر  متأهبا لتتبع تحركات  العدو بحنكةٍ وجسارة . ثم زاد اتِّساع مفهوم التطوع ليشمل تجهيز الجيوش، وإقامة المنشآت، وإنشاء المؤسسات، وإرسال الفاتحين لفتح البلاد.

 
إن أَوَل مفاهيم التطوع هي عدم السكوت عن حاجة المجتمع، أي حاجة كانت – ما دامت في السياق المشروع – ووجوب البذل والتفاني في سبيل تلبية تلك الحاجة ماوجدت القدرة على ذلك. «لا يؤمن أحدكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه»، «وكان اللهُ في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه»، «وتعاونوا على البِرِّ والتقوى».
هذا وإنه قد ظَلَّ مفهوم التطوع بكينونته المُثمِرة، وأساليبهِ المختلفة على تلك الحال حقبةً من الزمن –  ليست بالقليلة – تأسَّسَت فيها الدولة، وأُنْشِأَت بها المؤسسات، وأُقيمت بها الحضارات،  وجُيِّشَت فيها الجيوش، وتَوسَّعَت بها الفُتُوحات،  وساد بها المجتمع المسلم خير سيادة، لا يعتريه نقص ولا تَمتَهِنْهُ ذلَّة، إلا بما قدَّر الله.
ظلَّ المجتمع المسلم والمتميز  إبان تلك الفترة حريصًا على النفع دون التطلع للانتفاع المباشر والشخصي، وذلك بالبذل والعمل والعطاء والتفاني تحت راية التجرد والإخلاص وإنكار الذات؛ والتي لم يكد أن تخلى عنها اللاحقون إلا وتخلَّفوا عن من خَلَفُوا وحَادُوا عن من تَبِعُوا فحبِطَت أعمالهم وانحَطَّت قيمتهم.

 

إن ضياع الإخلاص وتَبَنِّي الإشراك في النوايا – ناهيك عن تبديلها – هي أُولَى مُثَبِّطَات الهِمَمْ، وانهيار العزائم، وفساد العقائد التي من أجلها شُرِعَ التطوع.
إن إدراك معنى العمل لله، ولله فقط، هو العامل الأساسي والوحيد الذي يَحُثُّ على الاستمرار والمواظبة.
إذ إنه لم يكن لصاحب تلك العقيدة الشركية في العمل التطوعي أن يكون  ذا يدٍ بَنَّائَة في أي عمل – أي عمل  كان – إن لم يكن هو ذاته مِعْولَ هدمٍ يعوق النجاح ؛ وذلك لارتباط صاحب العقيدة الشِرْكِيِّة بمصالح شخصية مُتَقَلِّبة سُرعان ما تَتَبَدَّل من حالٍ إلى حال تجعله سرعان ما يُمْسِك عن البذل – إن صح التعبير بالبذل –  بمجرد بلوغهِ  مصلحته،  أو ارتباطه بهوىً زائل يكمن في  لفت بعض الأنظار وجرِّ بعض العيون واسترضاء بعض الخواطر بُغْيَة التميُّز في نظرهم، أو كسب وِدّهم وإعجابهم لهدفٍ ما .  لا يمكن لأصحاب تلك العقيدة الشركية الاستمرار والمواظبة في بناء المجتمعات ونشر الأفكار السليمة، وكذا لا يمكن الاعتماد عليهم في استئصال مُعَوِّقاتِ المُجتمع، الفكرية منها والجُثمانية.
وهذا بخلاف صاحب النية الخالصة – لله وحده – والتي هي منبثقة عن حُسن الاعتقاد، وسلامة الإيمان، وشدة اليقين. ذاك اليقين القابِع في أعماق الروح والنفس والذي يؤمن بحتمية الجزاء والمَثُوبَة في الدنيا والآخرة، ذاك اليقين المُصَدِّق لآيات الله الكونية في خلقه بأنه ما من يدٍ عاملةٍ لأجله – تعالى – إلا وأيدها بنصره، وأَمَدَّها بِعَوْنِه ؛ فآتت أُكُلهَا بإذنه، وتَجَلَّت بَصَماتها بفضله. «يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم».
لم يكن لنصر الله أن يعُمَّ الكُسَالَى والمُرَائين، فضلًا عن عدم  تثبيت أقدامهم في عملٍ قويمٍ يقودهم لرفعةٍ في الدنيا، وجنةٍ في الآخرة؛ فتراهم ما بين هنا وهناك حائرين؛ لا تحديد لِوِجْهَة،  ولا إنتاج  لِصَنْعَة،  ولا  مُحَرِّك لأجسادهم سِوى الهَوى؛ فكلَّ يومٍ هُم في شأن. «أفرأيت من اتخذ إلهه هواه»، «ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله».
وعليه فإن التطوع في مفهومه الصحيح ليس أبدًا مجرد تسليةً لوقت، أو تعبئةً لفراغ، أو تفريغًا لشحنة؛ بل هو فريضةٌ شرعيةٌ على الكفاية، وواجبٌ مجتمعيٌ على الدوام، وخُلُقٌ إنسانيٌ يَحُثُّ على الفضيلة والإيجابية؛ شَأنُهُ شأن باقي الأعمال البَنَّاءة.
لذا فكان لزامًا للفريضةِ أن تكون ذات أركان، وللواجب أن يكون مستوفيًا لشروط، وللخُلُقِ أن يكون مصاحبًا لآداب.
إن التطوع في مضمونِه يحتاج للعقيدة الراسخة، والإخلاص المُتناهي، والعمل الدئُوب، والتوزيع المُمَنهج، والثَّبات على المبدأ، والصبر على النتيجة، وتشجيع  السواعد الأخرى في شتَّى المجالات والبُقَع مهما اختلفت أدوارُها وتنافست مواقعها.
إن التطوع يحتاج للنَّفِير، يحتاج لسرعة القيام والنهوض، يحتاج لتلك الطاقةِ الكامنة في أعماقِ كل فردٍ لإِلْهابِ أركانه وجوارحه  فتعمل غير مكترثة بأنظار، ولا منتظرة لمديح، ولا مبتغية لسُمعة. «انفروا خفافًا وثقالًا»، «فاستبقوا الخيرات»، «وافعلوا الخير»، «إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا». فقط هي تحتاج أن لا تبالي بالرَّاكدين القاعدين وتَفِرّ وتعمل  غير مكترثة بالآخرين.
والخلاصة كما يقول صاحبُ الظلالِ مُؤكدًا على ما تقدم: نحن فى حاجةٍ إلى زعماءٍ بلا مجد وبلا شهرة وبلا بريق، فى حاجة إلى جنود مجهولين، فى حاجة إلى فدائيين حقيقيين لا يعنيهم أن تُصَفِّق لهمُ الجماهير، ولا يعنيهم أن تكون أسمائهم على كلِّ لسان وصورهم فى كلِّ مكان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد