يمكن القول اليوم إن ظاهرة السبات خرجت عن معنها الحيواني لتلاحق البشر وتجردهم مما هو إنساني، وإن كان مختلقًا، من غياب مسؤولية الفرد نحو مجتمعه ووطنه، وكذلك عدم المبالاة بما يحدث حوله من مستجدات على جميع الساحات الوطنية وانشغاله فيما هو تافه ومضيعة للوقت والعمر. ويتجلى هذا الطرح الأكثر في ظاهرة العصر، «فيسبوك» الذي تجاوز مستوى العادة ليصبح الإدمان يتخطى الحدود المعقولة المطروحة مسبقًا بين أفراد المجتمع بمختلف طبقاته الاجتماعية، والخوض في سلبياته الأكثر من إيجابياته، والعشوائية في الاستخدام والتدبير غير العقلاني لهذا السيف ذي حدين. فما هو هذا الاستخدام السلبي لهاته الوسيلة من طرف الشباب؟ وما هي الاختلالات التي تقوم عليها هذه الظاهرة إن صح القول؟

من الصعب جدًا محاولة فهم الشباب، ولاستيعابهم، أو تحديد ماذا يريدونه، ولصعوبة هذا الطرح عواقب وخيمة تتجلى في الاستخدام السيئ للوسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا فيما يتعلق بشق الأخبار والمستجدات على الساحات الاجتماعية، للمجتمع كنشر الشائعات والأخبار الزائفة والسيطرة على العقول الضعيفة التي تفتقد حسها النقدي للمعلومة. وأنا كشاب مغربي ناقد ودائم البحث عن المعرفة كثيرًا ما تجعلني بعض الممارسات الشاذة من بني جلدتي أحس بضيق الخاطر مما يشهده هذا العنصر الحيوي من الانحدار والانحلال الأخلاقي، والاستهتار. يوم الشاب المغربي يمتلك على للأقل وبدون مبالغة من خمسة إلى 10 من حساباته على فيسبوك، وقد يتجاوز هذا العدد أحيانًا، والغريب في الأمر أنها بأسماء مختلفة وحيثيات متفرقة، لكنها في الواقع وجهان لعملة واحدة، وهذا ما يسهل على صاحبها نشر الشائعات ومشركتها بحسابات الأخرى يمتلكها من وراء الستار، وهكذا ليحطم الرقم القياسي في المغرب لامتلاك الفرد العدد الأكبر من الحسابات على فيسبوك، لنشر الأخبار بمختلف الأنواعها وعناوينها، سواء زائفة أم حقيقية، مهم إن تجلب الأكبر عددًا من الإعجاب والمشاركات. وا حسرتاه على شباب اليوم! وما يعانونه من الاضطراب في الشخصية والنفسية لتجعلهم مصدر تخلف الأمة لا تقدمها، فشباب اليوم في نوم عميق، أو بالأحرى في سبات طويل ينتظرونه أن ينتهي دون التدخل فيه واستئنافه.

وهكذا وببساطة أصبح الشاب المغربي عوضًا عن البحث عن طرق جديدة لاكتساب العلم والمعرفة وتطوير الذات، يقرر البحث عن طرق لإضافة حسابات بأسماء مختلفة لنشر الإشاعات وجلب المتابعين أو جلب عدد أكبر من (الفتيات)، ويمكن ملاحظة هذا في الطريقة التي يحملون فيها الهواتف النقالة للساعات الطويلة في المقاهي أو في الشارع عوضًا عن الكتب. وهكذا قرر الشاب المغربي الاستغناء عن المعرفة الملموسة والخوض فيما هو افتراضي خال من الفائدة الشخصية والعامة. وأخطر من ذلك امتلاك المراهقين لهاته الحسابات بسبب سهولة الولوج إليها وإلى شبكة الإنترنت، كل هذا والأكثر أن صادف هذا المراهق بعض الصور والمواد الإباحية، وكلنا يعرف مدى سرعة الانتشار هاته المواد بين الشباب، وسهولة الولوج إليها. لذلك يجب على الآباء أخذ جميع التدابير اللازمة لحماية أطفالهم، أعرف أني خرجت على السياق، لكن أحببت أن أشير إلى هذا الموضوع لخطورته، وبما أن أطفالنا سيأتي يوم يصبحون فيه شبانًا أقوياء، ليس في البنية، وإنما في العقلية والتفكير السليم لبناء الغد الأفضل.

إن من شروط النهضة هو الخروج عن المألوف ومواكبة العصر ومتطلباته، وذلك في عدم التقليد والترويج لسلبيات التي تأخر تقدم الأمة وتجلياتها تجاه الحداثة. إعلان قيمة الفرد في المجتمع المتقدم الديمقراطي، لكن العكس هو ما يحدث في العالم العربي اليوم من تجاوزات وانتهاكات للفرد بشكل عام في مجتمعه، وإن كان هذا الأخير يساعد في ذلك، لكن يبقى السؤال هو متى تأتي الصحوة، ويستيقظ العرب من سباتهم الذي دام لـ400 سنة، ويلتحقون بقطار التطور الذي يتجاوزهم في كل محطة. هكذا سيعيش الشباب العربي، والمغربي خاصة، في هذه الدوامة، ومتابعة النوم العميق والجميل الذي أصبح شعارًا في المقابل لعدم تكافؤ الفرص وعدد من الأعذار التي يختلقونها كذريعة لتبرير فشلهم، بينما في مكان ما يعمل شابًا بجد ومثابرة لبناء مستقبله، ومستقبل الأجيال القادمة من بعده، وهذا أسمى عطاء ممكن للبشرية. إن الشباب المكافح هو المساهم الأفضل في التطور، وبديل الأفضل كمفتاح للتقدم، ليس الشباب النائم المخدر المنحل، لا نأمل منه التغيير؛ لأن قصوره كاف لحجب فكرة التغير عن نفسه، ولإخراجها من نمطيتها في التفكير والرقي بها نحو التحضر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد