مقدمة الجزء الأول

تقدم الشعب السوري في سياق الحراك الشعبي العربي بمطالبه من النظام الحاكم، وهي مطالب الحرية والمشاركة والعيش بكرامة. لم يتأخر رد النظام كثيرًا على تلك المطالب، بل جاء سريعًا وحاسمًا عبر مطارقه الحديدية المعهودة، فسد كل المنافذ على المطالب المشروعة، ومارس البطش والقتل بحق المتظاهرين سلميًّا على مدار شهور طويلة، إلى أن ضاق بهم المقام فحملوا السلاح في مواجهة الطغيان العارم. دخلت الأطراف الإقليمية والدولية على خط المواجهة المشتعلة، وكل له مشروعه وحساباته الخاصة، الأمر الذي جعل من سوريا أشبه بساحة تتناطح فيها كثير من القوى والمشاريع.

ثانيًا: المشروع الإيراني

قطع المشروع الإيراني شوطًا لا بأس به في التعبير عن نفسه، وله طموحات واضحة في فرض ذاته كمركب رئيس في النظام السياسي الإقليمي، كمقدمة لتصدير نفسه لاعبًا مؤثرًا في الساحة السياسية الدولية، شأنه في ذلك شأن أي مشروع طموح يسعى للتنافس مع الآخرين من واقع الندية، والصراع على المصالح، وهو قد دخل بالفعل مرحلة التمدد والانتشار خارج الجغرافيا الإيرانية. تقوم علاقة هذا المشروع مع المشروع الإسرائيلي الأمريكي الفاعل في ذات البيئة السياسية الجغرافية عموما على التناقض وفقا لما هو معلن، وسيبقى شكل العلاقة كذلك ما لم يستجد في الساحة ما يغير طبيعة هذه العلاقة؛ ما يعني أن تناقض المشروعين ليس نهائيًا، بل يرتبط بمعطيات ومصالح محددة، وبتغير هذه المعطيات يمكن أن تتغير طبيعة العلاقة بينهما تبعًا لذلك، وهذا التفصيل مهم ويساعد على فهم ما يجري في المنطقة، وربما استشراف ما سيجري فيها مستقبلًا.

في ضوء ما تقدم، يجدر السؤال عن المشروع العربي طالما أن الصراع القائم بين المشاريع يقع في صلب الجغرافيا العربية، فهل يمتلك العرب بالفعل مشروعهم الخاص؟ من الواضح أنه لا يوجد مشروع عربي في الوقت الراهن، كما أنه لا يوجد مؤشرات عن قرب قيام هذا المشروع في المدى المنظور. هناك غياب لرؤية عربية خالصة تعكس الخصوصية والتوجهات والمصالح العربية، وينتج عن ذلك أن سياسات العرب وعلاقاتهم مع الآخر لا تقوم على أساس السعي لتحقيق جملة مصالحهم الحيوية، بطريقة تخالف العرف الذي تقوم عليه العلاقات بين الدول. يعتبر غياب المشروع العربي السبب المباشر- في تقديري – لحالة الاضطراب والصراع التي تشهدها المنطقة منذ ثماني سنوات، فضلًا عن تراجع العرب سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وعلميًا وتقنيًا عبر العقود الماضية، كما أنه السبب المباشر لتدخل القوى الخارجية في الصراعات العربية.

يمثل النظام العربي القائم وبقواه الكبرى تحديدًا ملحقًا صغيرًا في المشروع الإسرائيلي الأمريكي، ولا يوجد توجهات عربية جادة حتى اللحظة للخروج من تحت العباءة الإسرائيلية الأمريكية، في المقابل يوجد توجهات واضحة لدى بعض العرب للصدام مع إيران، ولو كان للعرب مشروع سياسي نهضوي حقيقي بعيدًا عن سياسات التبعية والارتهان للمشروع الإسرائيلي الأمريكي، لكان بالإمكان عندها اعتبار سياسات وتوجهات هذا المشروع في مواجهة إيران طبيعية ومشروعة، وتسير في الاتجاه الصحيح. وطالما أن الأمر ليس كذلك، فإن الجهود العربية الراهنة التي تتركز في مواجهة إيران تعتبر إضافة لمكتسبات المشروع الإسرائيلي الأمريكي ليس إلا، (وللنظام العربي المجمر). غير أن الفراغ الناتج عن غياب المشروع العربي لا يمكن أن يدوم إلى الأبد، وستدفع التفاعلات المستمرة، وحركة التدافع السياسي الدائبة، وسنن التغيير إلى ظهور بدائل أخرى لملأ هذا الفراغ.

ثالثًا: المشروع في طور التشكل

تعتبر تركيا المرشح الأوفر حظًا لقيادة مشروع جديد يدخل حلبة التنافس والصراع على المنطقة، بحيث لا يكون صدى لأي من المشروعين القائمين الإسرائيلي الأمريكي من جهة، والإيراني من جهة أخرى، من المتوقع أن يملأ هذا المشروع الفراغ الناجم عن غياب مشروع عربي حقيقي وفاعل ومستقل في المنطقة، وهو يحظى بتعاطف ودعم الشرائح الشعبية العربية الأكبر والأكثر تهميشا من قبل أنظمتها، كتعبير عن خيبة الأمل في النظام السياسي العربي، وتقاعسه الواضح عن القيام بأدواره وواجباته المفترضة.

يكتسب المشروع الذي يتوقع أن تقوده تركيا بعدًا آخر بوصفه يمثل البعد السني المدعوم بقطاع مهم من التيار الإسلامي العربي، في مقابل البعد الشيعي الذي تمثله إيران. كما يكتسب هذا المشروع زخمًا آخر عبر تحالفه مع حركة التغيير العربية التي حاولت صناعة فرق ما في النظام العربي في السنوات الثماني الماضية، وعلى الرغم من إجهاض هذه المحاولة، إلا أن ذلك لا يعني اسدال الستارة نهائيا على فرص التغيير العربية، وفي ضوء هذه المعطيات يمكن فهم سبب العداء الشديد الذي تكنه الدول العربية التي رعت الثورة المضادة لتركيا، كونها تدرك حجم وطبيعة التغيير الذي سيفرض نفسه على الخريطة العربية، والمنطقة بعمومها في حال نجاح حركة التغيير العربية ولو جزئيا من جهة، وتعاظم نجاحات وأدوار تركيا في المنطقة من جهة أخرى.

وإذا كانت أبرز تجليات الالتفاف على حركة الشعوب العربية تتمثل بالانقلاب على الرئيس المصري المنتخب مرسي، فإن الأكثر تجليًا في هذه المسألة يتمثل بدعم كل الفواعل الأخرى لعملية الانقلاب، على الرغم من التناقضات الواضحة التي تحكم علاقة هذه الفواعل. وهو الحدث الذي لا يمكن قراءة تداعياته بمعزل عن تناطح المشاريع في المنطقة، شأنه شأن الصراع في سوريا أو غيرها. هذا يؤشر على إمكانية أن تتماهى مواقف الفواعل الإقليمية مرة أخرى في مواجهة تركيا، رغم تناقضاتها الحادة.

والسبب في ذلك يعود إلى أن كل الفواعل تدرك أن قيام مشروع جديد في المنطقة قد لا يكون على حساب حصص وحجوم المشاريع الأخرى، بل على مقدار فاعليتها، وربما وجودها على المدى الطويل، في الوقت الذي تعايشت فيه كل الفواعل في المنطقة عبر العقود الماضية، ودون أن يشكل أيًا منها تهديدًا وجوديًا للآخرين. هذا يؤكد على أن تمكن المشروع الناهض بقيادة تركية يوفر أرضية ملائمة كي تعيد الفواعل الأخرى بناء علاقاتها، وكلما تقدم المشروع خطوة إلى الأمام، كلما تراجعت درجة التناقضات بين تلك الفواعل، إلى أن تجد نفسها مصطفة مرة أخرى في مواجهة تركيا.

رابعًا: روسيا

تحاول روسيا أن تؤسس لها مكانا في المنطقة مستفيدة من حركة التحولات الجارية فيها، وهي فرصة مواتية لاستعادة نفوذ سلفها (الاتحاد السوفيتي)، وقد شجعت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة القائمة على إدارة الصراع في سوريا، والتحكم في حركته عن بعد روسيا على التدخل المباشر فيه، بعد أربع سنوات ونصف من انطلاق الثورة السورية.

من السابق لأوانه اعتبار أن لروسيا مشروعها الخاص في المنطقة، خصوصًا أن تناقضها الرئيس ذو صلة بالولايات المتحدة الأمريكية وحدها، إذ يُعتبر الصراع في سوريا واحدًا فحسب من مناطق التنافس والصراع على النفوذ العديدة بين كل من روسيا والولايات المتحدة، ما يعني أن توجهات كلٍّ من الفاعلين ليست محكومة بدوافع ومصالح قطعية ومصيرية، بخلاف الفواعل الأخرى (إسرائيل، إيران، تركيا)، والتي تعتبر أن الصراع السوري مصيريا بالنسبة لكل منها وبدرجات متفاوتة، وذلك نظرًا للتلازم الجغرافي بين تلك الفواعل ومركز الصراع.

من هنا فإن التنافس الروسي الأمريكي على النفوذ في سوريا لا يكفي لاعتبار أن لروسيا مشروعًا مغايرًا، خصوصًا أنها تحاول تحقيق مصالحها في سوريا من خلال التفاهم مع الفواعل الأخرى بما فيها الولايات المتحدة، وإذا علمنا أنها تنسق عملياتها العسكرية هناك مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، تبين لنا أن الأطراف المذكورة لا تتناقض جوهريا في الصراع الجاري، كما أنها لا تقف في مواجهة بعضها البعض، وإنما يحاول كل طرف تعظيم مكاسبه على حساب الآخرين، ودون أن يسعى أي منهم للدفع بالعلاقة نحو مواجهة حقيقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد