ذهب البعض لاعتبار السكوت الإسرائيلي الأمريكي على التدخل الإيراني يعود للرغبة في تحاشي الصدام مع إيران وحلفائها، بيد أن هذا التحليل لا يصمد كثيرًا أمام حقيقة كون إيران ليست قوة عظمى، ولما كان هذا التدخل يلحق الضرر بإسرائيل نظرًا لتواجد القوات الإيرانية على الأرض السورية التي تشكل تماسًا مباشرًا معها، فإن ما يمنع حتمية تصدي إسرائيل- أمريكا لهذا التدخل أنه يقع ضمن الحسابات والرغبات لكليهما.

أليست إسرائيل من دأبت على استهداف التواجد الإيراني في سوريا في الفترة الأخيرة، وألحقت به خسائر فادحة، في الوقت الذي بدا فيه انتصار النظام يتراءى للكثيرين؟ ألم يكن الأسهل بالنسبة لإسرائيل أن تستهدف إيران مع دخولها لسوريا حيث لم تتمكن بعد؟ ما المقصود بالعبارة التي دأبت إسرائيل على ترديدها ومفادها بأنها لن تسمح بتغيير قواعد اللعبة في سوريا؟ ألا يعني مجرد دخول القوات الإيرانية لسوريا تغييرًا كبيرًا لقواعد اللعبة؟ أم أن المقصود بقواعد اللعبة تلك التي تم التفاهم عليها مسبقًا مع إيران وقبل تدخلها في الصراع؟ فيما باتت تحاول اختراق هذه الخطوط مع مرور الوقت مستفيدة من تحولات الصراع، هادفة لتأسيس واقع جديد يخالف ما تم التفاهم حوله، الأمر الذي استدعى التدخل الإسرائيلي انطلاقًا من رفض تجاوز الخطوط المتفق عليها؟

التدخل الإيراني لم يؤد إلى استجلاب التدخل التركي وبالتالي لم يحقق هدف إشعال الإقليم

لم تستطع إيران معادلة ميزان الصراع بطريقة واضحة، واستطاعت الثورة السورية تحقيق إنجازات ملموسة بالرغم من التدخل الإيراني الكثيف، وبالتالي لم يكن واضحًا أن التدخل الإيراني سيؤدي لإطالة أمد الصراع، كما أنه لم يؤد إلى استجلاب التدخل التركي، وهكذا لم يسهم هذا التدخل في تحقيق الأهداف المرغوبة، وعندما تراءى أن إيران قد باتت متورطة أكثر من كونها تمثل بيضة قبان الصراع، عندها جاء التدخل الروسي، والذي تم في الواقع ضمن السياقات التي رغب بها وخطط لها اللاعب الرئيس في الصراع.

روسيا أقوى بكثير من إيران ولا مجال لمقارنة القوة العسكرية الإيرانية بالقوة العسكرية الروسية، وطالما أن إسرائيل والولايات المتحدة قد غضتا الطرف عن تدخل إيران الضعيفة والمعادية لإسرائيل من جهة، فإنه من المؤكد أن تسكتا عن تدخل روسيا القوية، والصديق لإسرائيل من جهة أخرى، لكنه يتعين على روسيا أن تفهم دواعي هذا السكوت، وأن لا تتجاوز قواعد اللعبة التي يحددها الفاعل الرئيس في الصراع، الأمر الذي التزمت به روسيا حتى اللحظة، وفي سياق هذا الالتزام فقد سكتت على قتل عشرات المقاتلين المرتزقة الروس في واحدة من المواجهات الدامية مع القوات الأمريكية في دير الزور مؤخرًا، ولم تحرك ساكنًا كرد على هذه المقتلة الكبيرة، كما أنها لم تبد أي رد فعل إزاء قصف البوارج الأمريكية أحد مطارات النظام في الشعيرات في أبريل (نيسان) 2017، بعد اتهامات باستخدام النظام السلاح الكيماوي ضد المدنيين السوريين، وهما الحادثان اللذان يدعوان بقوة لإعادة تحليل ملابسات التدخل الروسي، وعلاقة ذلك بالتغيير في موازين القوى المزعوم بين القوتين الأكبر دوليًا.

من هنا فقد كان السكوت الإسرائيلي الأمريكي على التدخل الإيراني مشجعًا للتدخل الروسي، ولو لم تتدخل إيران وتستخلص روسيا العبر من وراء هذا التدخل، ربما لم يكن يخطر ببالها أن تتدخل في سوريا بشكل مطلق. الأمر الذي يؤكد مرة أخرى على أنه لولا رغبة الفاعل الرئيس في الصراع لإطالة أمده وتعميمه على أوسع جغرافيا ممكنة لانتهى منذ سنين مضت. لذلك يمكن القول أن التدخل الروسي قد أتاح للفاعل الأول في الصراع إمكانية اكتشاف الفرص لتحقيق ما يصبو إليه عبر إدامة نار الصراع، خصوصًا أن ما طمح لتحقيقه لم يتحقق حتى ما قبل التدخل الروسي.

وإذا كان التدخل الإيراني قد أخفق في جر تركيا للصراع المباشر فإن التدخل الروسي قد ينجح في ذلك من وجهة نظر ذلك الفاعل، وفي ضوء هذا المذهب التحليلي يمكن فهم ملابسات إسقاط المقاتلة الروسية بنيران تركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وهي النيران التي لم تصدر بأوامر تركية رسمية، وما كشفته تداعيات الحادثة من موقف الناتو الملتبس الذي لم يتبن موقفًا واضحًا وحازمًا إلى جانب تركيا العضو في الحلف، في مواجهة ردود الفعل الروسية. كما يمكن فهم ملابسات اغتيال السفير الروسي في تركيا في ديسمبر (كانون الأول) 2016 بيد جهات تركية تعيش تجربة خصومة مريرة مع الرئيس أردوغان، والتي هدفت مرة أخرى لفتح باب المواجهة الروسية التركية، أو على الأقل عرقلة مساعي التقارب بين الطرفين. ويمكن أن تتضح الصورة بطريقة أفضل عند ربط هذه الحوادث بمحاولة الانقلاب التركية في يوليو (تموز ) 2016 ببصمة أمريكية واضحة.

التدخل الروسي ومعادلة ميزان القوى

يحلو للبعض قراءة التدخل الروسي في الصراع السوري من باب التغير في موازين القوى بين القوى العظمى، فعلى الرغم من التراجع النسبي للقوة الأمريكية، أو بالأحرى تراجع رغبتها بالتدخل المباشر في الصراعات، كمرتكز رئيس للسياسة الخارجية الأمريكية في عهد أوباما من جهة، وتطور القدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية الروسية من جهة أخرى، إلى أنه لا يوجد تغيير استراتيجي في موازين القوى بين الطرفين، بحيث يمكن من خلاله قراءة التدخل الروسي والإحجام الأمريكي، خصوصًا أن أمريكا لم تنكفئ عن حلبة الصراع بصورة نهائية، وكل ما فعلته أنها اختارت إدارته عن بعد بدلا من التدخل المباشر فيه.

يمكن لمعادلات توازن القوى أن تتغير بالفعل كنتيجة لمواجهة عسكرية بين الطرفين تنتصر فيها روسيا بطريقة حاسمة، وما لم يقع ذلك يبقى الحديث عن تغيير حاسم في موازين القوى لصالح روسيا بلا معنى إطلاقًا، وعليه تصبح محاولات تفسير التدخل الروسي والسكوت الأمريكي من منظور التغيير في موازين القوى غير ذات صلة. وفي ضوء ذلك، فإنه ما من مدخل لتفسير هذه الحالة سوى أن التدخل الروسي لا يتناقض مع الاستراتيجية الأمريكية القاضية بإدارة الصراع، وهي الاستراتيجية التي ستستفيد أكثر كلما زادت الفواعل المشاركة فيه، وكلما اتسعت ساحة المعركة، من هنا فقد وظف الفاعل الرئيسي في الصراع التدخل الروسي، تمامًا كما وظف التدخل الإيراني من قبل، وكما وظف دور داعش والأكراد وقوى أخرى محسوبة على الثورة إما مباشرة أو عبر وكلاء إقليميين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد