ما الذي سيجري؟

يمثل هدف إطالة أمد الصراع السوري الذي يتبناه الفاعل الرئيس سلاحًا ذا حدين؛ لأن الوقت اللازم لتحقيق ما يصبو إليه من أهداف تحتاجه فواعل أخرى أيضًا، لا سيما فصائل الثورة السورية، فهي تحتاج في الواقع إلى إعادة اكتشاف ذاتها، وموقعها في الصراع، وما الذي فاتها فعله، وما الذي تعين عليها ترك فعله. يفيدها عامل الوقت في التعرف على عوامل ضعفها والعمل على تلافيها، واكتشاف مصادر قوتها والعمل على تعزيزها. يساعد عامل الوقت على نضج رؤية الفصائل، ويدفعها للخروج من دائرة العمل الانفعالي المرتجل، بحيث تصبح أقدر على تبني خطة عمل ترقى لمستوى التحدي القائم. يساهم عامل الوقت في الكشف عن حقيقة الدور الذي لعبه ولا يزال الفاعل الرئيس في الصراع، وكثير من الأطراف الإقليمية المرتبطة به، ويمنحها الفرصة كي تتحرر من قيود وتأثير الجهات الداعمة لحركتها، وتعيد بناء توجهاتها وتحالفاتها في ضوء استخلاص العبر من كل ما مضى.

إن عامل الوقت الذي يستثمر فيه الفاعل الرئيس تحتاجه تركيا أيضًا التي تسابق الزمن للخروج من حالة التبعية، والتغلب على القيود والتحديات الداخلية والخارجية، التي تحول دون أن يكون لها شخصيتها السياسية المستقلة إقليميًا ودوليًا، وها هي قد قطعت شوطا في طريق ترويض الجيش التركي، وإدماجه في مؤسسات الدولة، بعد أن كان يرى نفسه فوقها، وهي واحدة من أكبر العوائق التي تعترض توجهات تركيا الجديدة. يساهم عامل الوقت في الانتقال بالصراع من مرحلته الأولى التي اتسمت بالفوضى الشاملة، والتداخل الواضح في أدوار الفواعل المنخرطة فيه، إلى مرحلته الثانية التي تمتاز بالصراع المركز، ووضوح مساراته واتجاهاته، الأمر الذي يعني أن الصراع سيشهد في المستقبل المنظور جملة من التحولات وهذه أبرز ملامحها.

أولًا: يصبح هدف إضعاف تركيا ومحاصرتها أكثر وضوحًا

يأتي تحقيق هذا الهدف تمثيلًا لاعتبار أن الصراع يمثل مدخلًا لتعميم قرص النار على الإقليم، وذلك عبر جر القوى الإقليمية وتوريطها فيه مباشرة، أو من خلال نقل ساحة الصراع إلى أراضيها. يعكس دعم وتسليح الولايات المتحدة الحثيث للأكراد في شمال سوريا أحد أبرز تجليات الهدف المشار إليه، وما كان لمثل هذه الحركة أن تتم لولا وجود (داعش)، فالهدف المعلن لدعم وتسليح الأكراد ذو صلة بمواجهة داعش. من الواضح أن حراك الأكراد في شمال سوريا جاء بتشجيع من قبل النظام منذ انطلاق الثورة السورية، وذلك من أجل إضعاف الثورة عبر إلباسها اللبوس العرقية والمناطقية من جهة، ثم استخدامه كأداة في مواجهة تركيا من جهة أخرى.

الملفت في المسألة أن مواقف الولايات المتحدة والنظام السوري متطابقة فيما يخص الفاعل الكردي، الأمر الذي أكدت عليه الحالة في عفرين، فقد حظي الأكراد الذين كانوا يسيطرون عليها بدعم تسليحي أمريكي يفوق حاجة الفصيل المحلي لتثبيت وجوده والدفاع عن ذاته، من ناحية أخرى فقد نسق أكراد عفرين مع النظام بوضوح لعرقلة وصول تركيا للمنطقة، وقد دخلت ميليشيات النظام إليها قبل إحكام الجيش التركي السيطرة عليها. بدورهم لم يستطع الإيرانيين إخفاء انزعاجهم من التدخل التركي، وإذا أضفنا إلى ذلك الدعم الإسرائيلي غير الخافي للأكراد، تبين لنا كيف أن معاداة تركيا كفيلة بتقريب الفواعل الأخرى بعضها من بعض لأجل مواجهتها. إن تسليم الأكراد تل رفعت للنظام مؤخرًا من أجل تفويت وصول الجيش التركي والجيش الحر إليها يجلي الصورة مرة أخرى. لماذا لا يمنع الأمريكان الأكراد من تنفيذ هذه الخطوة إن كانت لا ترضيهم؟ وإذا كانت الولايات المتحدة تدعم الثورة السورية حقًا فلماذا لا يروق لها استعادة تركيا والجيش السوري الحر لتل رفعت، والتي ستؤول بدورها للثورة؟ لماذا يجمع هذا الخليط المتناقض على دعم حركة الأكراد؟ ألا تتعلق كلمة السر في ذلك كله بتركيا؟ ألا يعني التقاء مواقف أمريكا والنظام فيما يخص المسألة الكردية أن تدخل الأولى في الصراع لا يتم على قاعدة معاداة النظام؟

يصبح السؤال أكثر وضوحًا عند استحضار أن التواجد العسكري الأمريكي يتركز في شمال سوريا البعيدة عن سيطرة النظام، وإذا كانت الولايات المتحدة تستهدف النظام فلماذا لا تدفع بقواتها حول مركز تواجده في دمشق؟ ثم إن الأكراد لا يعملون ضد النظام فلماذا تسلحهم أمريكا بسخاء؟ أليس المقصود بذلك وجود نوايا لإشغال تركيا، وإيجاد موانع تحول دون التواصل الجغرافي التركي السوري عبر إقامة الحاجز الكردي؟ ولماذا تريد فرنسا إرسال قواتها لشمال سوريا لدعم الأكراد؟ وفي مواجهة من؟ هل تركيا هي من يقتل الشعب السوري؟ وهل الأكراد هم ضحايا وحشية النظام؟

ثانيًا: توحيد الفصائل السورية

مثل تعدد الفصائل وتنوع مشاربها عامل إضعاف واضح للثورة السورية، وقد فشلت الفصائل في توحيد جهودها أو على أقل تقدير تنسيقها وتحريم حالة الاحتراب والصراع الداخلي، نتيجة لعدم نضج الرؤية السياسية، وحداثة التجربة، وضيق التصورات حول حقيقة الصراع، وهي المثالب التي يؤمل تجاوزها في مرحلة الصراع الثانية. وما زاد الطين بلة ارتباطات الفصائل بسياسات الممولين والذين لا تصب أهدافهم في مصلحة الشعب السوري بحال. يمثل العمل الجماعي الموحد والمنظم الرد العملي على حالة التشرذم وضياع البوصلة، التي صبغت نشاط معظم الفصائل العاملة في المرحلة التي تؤذن بالانتهاء.

إن تحولات الصراع تدفع باتجاه إعادة هيكلة العمل السياسي والعسكري للفصائل السورية، والانتقال من مستوى العمل الفصائلي الضيق، إلى مستوى العمل الجماعي المنظم والمحكوم بلوائح تنظيمية وآليات عمل استيعابية تشاركية، وما يسهل الوصول إلى حالة كهذه وجود إقليم سوري يمثل مظلة تستوعب غالب قوى الثورة، وسيكون التوحيد المطلوب بشريا وجغرافيا، بحيث تنتهي حالة الموجهات المعزولة التي اعتاد النظام أن يستفرد من خلالها بكل طرف على حدة. غني عن القول إن الشمال السوري مؤهل لاحتضان غالب فصائل العمل وهي المنطقة التي تصنع تواصلًا جغرافيًا مع تركيا، وتبعًا لذلك ستتغير سبل وأدوات المواجهة، وستستحيل فصائل الثورة إلى جهاز عسكري شبه نظامي له خططه واستراتيجياته وآليات عمله التي لا تعكس عقليات الفصائل.

ثالثًا: الشراكة التامة بين الحالة الثورية الجديدة وتركيا

يسهم توحيد الفصائل ونضج رؤيتها في منحها قوة أكبر، وقدرة على التأثير في ميدان الصراع أكثر مما مضى، الأمر الذي يؤهلها للدخول في شراكة تقوم على الندية مع تركيا، وذلك على قاعدة المصالح المشتركة الحقيقية لكلى الطرفين. تواجه تركيا تحديات كبيرة تتمثل بمحاولة عزلها عن جارها الجنوبي (سوريا) من خلال العامل الكردي، وتستثمر قوى كبرى في هذه المسألة كما تم إيضاحه أعلاه، لذلك فهي بحاجة إلى رد عملي على هذه التوجهات، كما أنها بحاجة إلى حليف يساعدها على تنفيذ الرد المطلوب.

تستطيع قوى الثورة السورية تقديم العون الحقيقي لتركيا في هذه المسألة، والتي ستنعكس عليها بالإيجاب أيضًا. بدورها تحتاج فصائل الثورة إلى نصير إقليمي قوي يقدم لها الدعم والإسناد، ويوفر لها غطاء آمن نسبي ولو على جزء من الأراضي السورية. من الواضح أن تركيا أفضل من يضطلع بمثل هذا الدور، وذلك بحكم التواصل الجغرافي بين الطرفين أولًا، ثم بحكم علاقاتها مع الفواعل الأخرى وقدرتها على توظيف تناقضاتها لتحقيق ما تصبو إليه ثانيًا، وأخيرًا بحكم وجود مصلحة حقيقية لها لفعل ذلك.

إن نجاح الطرفين في تدشين منطقة تتركز فيها قوى الثورة، وإعادة تأهيل بنيتها التحتية والخدمية، وتطوير نظام العمل فيها، يتسم بالتنظيم الواعي على المستويين الداخلي والثنائي، يجعل منها عامل جذب للاجئين السوريين على الأراضي التركية في المقام الأول، إن عودة مئات الآلاف من هؤلاء للاندماج والعمل ضمن الحالة الجديدة بعد تأهيلهم وتدريبهم، سيؤدي إلى رفد الحالة بمصادر قوة كبيرة تعزز من فرص نجاحها وامتدادها بالتدريج لأقاليم سورية جديدة.

رابعًا: تحجيم جماعات الفوضى والعدمية (القاعدة وأخواتها)

شكلت هذه المجاميع أهم عوامل إضعاف الثورة وضربها في مقتل، ولن تستعيد الثورة ألقها ولن تقوم لها قائمة ما دام هؤلاء يصولون ويجولون. لا يحتاج التحرر من قبضة الطغاة إلى بندقية فقط، بل إلى منظومة عمل متكاملة وفي كل المجالات، بحيث تقوم على التصور الصحيح والتخطيط الواعي والعمل المبصر، ومع غياب منهجية كهذه فل يفيد حمل البندقية في شيء، بل على العكس فإنه يفتح كل أبواب الشرور على الذات، فكيف لو كانت البندقية بلا عقل ابتداء؟ وعلى الرغم من تركيز هذه الجماعات على الجانب العسكري، بطريقة تعكس ضحالة الفكر وضيق الرؤية، إلا إنها قد فشلت في إدارته بصورة واضحة، إن في العراق أو سوريا أو ليبيا أو غيرها، وجرت بفعالها الطائشة على الشعوب من الويلات والمآسي ما يوازي المآسي التي تجرعتها من المحتلين أو الطغاة والمستبدين، لقد آن الأوان للعمل الجدي على تحجيم هذه المجاميع بوصفها جزء من المشكلة ولن تكون بحال جزء من الحل المنشود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!