ما الذي جرى؟

تقدم الشعب السوري في سياق الحراك الشعبي العربي بمطالبه من النظام الحاكم، وهي مطالب الحرية والمشاركة والعيش بكرامة. لم يتأخر رد النظام كثيرًا على تلك المطالب، بل جاء سريعًا وحاسمًا عبر مطارقه الحديدية المعهودة، فسد كل المنافذ على المطالب المشروعة، ومارس البطش والقتل بحق المتظاهرين سلميًّا على مدار شهور طويلة، إلى أن ضاق بهم المقام فحملوا السلاح في مواجهة الطغيان العارم. دخلت الأطراف الإقليمية والدولية على خط المواجهة المشتعلة، وكل له مشروعه وحساباته الخاصة، الأمر الذي جعل من سوريا أشبه بساحة تتناطح فيها كثير من القوى والمشاريع.

وهي الحالة المثالية بالنسبة للقوى الكبرى – التي تمسك بالكثير من خيوط الصراع – للتعاطي معه بطريقة تخدم مخططاتها ومصالحها دون غيرها، فعمدت لإدارته بطريقة تسمح للهيب المشتعل في سوريا أن يمثل حالة تأسيسية تدوم لأطول فترة ممكنة من جهة، ويصار إلى تطويرها وتصديرها إلى جغرافيا جديدة من جهة أخرى، حسب ما تقتضيه الحاجة، وهكذا فقد أضحى الصراع في سوريا مدخلًا تستخدمه القوى الدولية لتصدير قرص النار إلى غير قطر في الإقليم.

كان واضحًا منذ البداية أن منهجية التدخل المفضلة التي اعتمدتها القوى الخارجية الفاعلة تستلهم من فكرة الفوضى، وهي تعني ببساطة أن تضرب الأطراف جميعًا بعضها بعضًا، وعدم منح أحدها فرصة امتلاك زمام المبادرة لحسمه سريعًا، وهي وصفة ملائمة لإنهاك كل فواعل الصراع المحلية والإقليمية. ولذلك، فإن منهجية كهذه لا يمكن أن تكون منحازة لطرف دون الآخر، أو تستهدف طرفًا بعينه لصالح الخصوم، وعليه فإن تصوير النظام كمستهدف وحيد من عملية الفوضى التي غذاها التدخل الخارجي، أو لوم المعارضة وتحميلها وحدها وزر هذا التدخل لا يبدو صحيحًا.

هذا لا يعني أن النظام لم يتضرر من حالة الفوضى، لكنه ليس الوحيد، بل بالعكس فإن الشعب السوري قد دفع الثمن مضاعفًا عما دفعه النظام من فاتورة الفوضى لأسباب تتعلق بطبيعة كل منهما وبنيته، ويكفي إلقاء نظرة فاحصة على أعداد الضحايا والمصابين والمهجرين والمهدمة بيوتهم للتأكد من ذلك.

تنطوي استراتيجية إحداث الفوضى على مخاطر محدقة، قد تأتي بنتائج تخالف نوايا القوى الكبرى التي تستثمر فيها. خصوصًا أن تفاعلات الصراع وتطوراته لا يمكن أن تُحسم بقرار وإرادة الفواعل الكبرى في الصراع فحسب، بل هناك جملة من المعطيات التي تحدد مصير الصراع من قبيل طبيعة استراتيجية الفوضى ذاتها، وتعدد المشاريع (الفواعل) المنخرطة في الصراع، ثم أخيرًا عامل الوقت.

كيف يمكننا قراءة الحالة السورية؟

ستبقى القراءات التي تحاول تقييم الحالة قاصرة، والتحليل المقدم لاستيعابها رغائبيًّا ما لم يكن هناك أطر تحليلية موثوقة يعتمد عليها. تتطلب القراءة الاستيعابية للحالة تناولها في أوسع إطار ممكن، نظرًا لتعدد الفواعل المنخرطة في الصراع، وما يترتب على ذلك من تعقيدات بالغة تلحق بالمشهد. غني عن القول إن التعرف على المشاريع (الفواعل) المنخرطة في الصراع يؤسس لوضع قواعد صحيحة للتحليل، وبغياب التشخيص الصحيح لتلك الفواعل لا يمكن أن تستقيم العملية التحليلية بوصفها نتيجة، طالما أن المقدمات المستخدمة للوصول إليها غير صحيحة.

ولذلك فإن الإطار التحليلي الأوسع المطلوب استخدامه لفهم الحالة، يتطلب تسليط الضوء على المشاريع السياسية القائمة في المنطقة، أو تلك التي لم تزل في طور التشكل، وتحليل سياساتها ومواقفها وأهدافها المستقبلية، وربط ذلك بحركة التدافع العنيفة في سوريا، ليسهل علينا فهم تداعيات الصراع واستشراف مآلاته. إن ما يعزز هذا التوجه أن الحالة في سوريا لم تكن منذ بداياتها صراعًا بين شعب وجلاد يحكمه فحسب، بل بين مشاريع سياسية إقليمية ودولية تتناطح في الحلبة السورية. صحيح أن أهم فاعلين في الصراع السوري هما الشعب السوري من جهة والنظام الحاكم من جهة أخرى، وبمجرد دخول أطراف كثيرة إلى حلبة الصراع، فقد أصبح كلٌ من الفاعلين المذكورين جزأين أو تابعين لفواعل أكبر، أو لمشاريع سياسية أكثر شمولًا بتعبير أدق.

المشاريع (الفواعل) العاملة في الصراع السوري

أولًا: المشروع الإسرائيلي- الأمريكي

هو مشروع استعماري غربي، وما يزال اللاعب السياسي الأطول يدًا، والأكثر تأثيرًا في التقرير بشأن المنطقة، بما فيها مجريات الصراع السوري. ولتحديد طبيعة الدور الذي يقوم به هذا الفاعل الخطير وفهمه ينبغي الإجابة عن السؤال المركزي التالي: هل يعد هذا الفاعل طرفًا في الصراع السوري أم لا؟ إذا كانت دلالة (الطرف) تعني الانحياز لواحدة من الجهات المنخرطة في الصراع، والعمل ضد جهة أو جهات أخرى بعينها فيه، فإن الفاعل المذكور لا يعد طرفًا في الصراع وفقًا لهذا التوصيف، وإنما يتركز دوره في محاولة إدارة الصراع، وضبط إيقاعه واتجاهاته بطريقة لا يخرج منها أحد منتصرًا، وذلك عن طريق دفع أطراف الصراع كي تجهز بعضها على بعض، ولتحقيق هذا الهدف، يصار لإطالة أمد الصراع ما أمكن، لمنح الأطراف الوقت اللازم لتحقيق الهدف المشار إليه، وبناء على ذلك، فإن هذا الفاعل لا يعد طرفًا في الصراع بل أكبر المستثمرين فيه. من هنا فإن انتهاز فريق من المراقبين تدخل هذا الفاعل في الصراع لتبييض صفحة النظام الحاكم، أو تسويد صفحة مناوئيه يعد توظيفًا مصلحيًّا لا موضوعيًّا، وينطوي على خداع وخلط للأوراق يستهدف وعي الجمهور في المقام الأول، بطريقة تذكر باستحضار الفريق ذاته الدائم معطى الممانعة الذي يقال إن النظام منحاز إليه، وذلك لتحقيق الغرض ذاته، وهي الفرية الكبيرة التي انكشف زيفها على وقع سياسات القمع والظلم التي دأب النظام على استخدامها في مواجهة الشعب السوري، فضلًا عن شعوب أخرى في المنطقة.

تكتسب الممانعة قوتها الأخلاقية والحجية في حال كانت حقيقة مبدئية وسلوكية شاخصة، الأمر الذي تناقضه ممارسات النظام تاريخيًّا وفي ساحات مختلفة، من هنا لا تعدو الممانعة كونها ادعاءً كبيرًا، يستثمر فيها بالإضافة إلى مسألة التدخل الخارجي بوصفهما واحدة من أدوات الصراع الهادفة للانتصار للنظام، واغتيال خصومه معنويًّا، أكثر من كونهما معطيات نهائية للتحليل واستخلاص العبر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد