الحمد الله الذين بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تتنزل الخيرات، وبتوفيقه تتحقق الغايات، الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا االله. والصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، سيدنا وإمامنا، وأسوتنا وحبيبنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدي.

أما بعد؛ فإن حروف المعاني لها صلة وطيدة بفهم المعاني، واستنباط الأحكام من مظانها الشرعية؛ لأن كثيرًا من القضايا الدلالية والمسائل الفقهية يتوقف فهمها على الدلالة التي يؤديها حرف المعنى في النص.

وقد اهتم علماؤنا القدماء بحروف المعاني؛ فجعلها علماء الدراسات القرآنية من الأدوات التي يحتاج إليها المفسر يقول السيوطي (المتوفى 911هـ) عنها: «واعلم أن معرفة ذلك من المهمات المطلوبة؛ لاختلاف مواقعها، ولهذا يختلف الكلام والاستنباط بحسبها».

وأولاها علماء أصول الفقه عناية خاصة؛ لحاجة الفقيه إليها، يقول جلال الدين المحلي (المتوفى 864هـ): «هذا مبحث الحروف التي يحتاج الفقيه إلى معرفة معانيها؛ لكثرة وقوعها في الأدلة»؛ «ولأن عليها مدار المسائل الفقهية» أو لأنها «تتعلق بها أحكام الفقه، ويتنازع في موجباتها المتناظران».

ومن حروف المعاني حروف العطف، وأم هذا الباب الواو؛ وهي تشرك في اللفظ والمعنى؛ ولذا اهتم بها الأصوليون كثيرًا، وفرعوا عليها المسائل الفقهية، وقد جعلتها مدار بحثي؛ لأرى أثرها في الاستنباطات الفقهية تبعًا لأحكامها المختلفة.

اصطلاحات معاني حرف الواو العاطفة:

1. مطلق الجمع

وقد ذكر الأصوليون هذا الإطلاق المعنوي لحرف الواو العاطفة بناء على إجماع النحاة بذلك. يقول السبكي: «الواو للجمع المطلق بإجماع النحاة لأنها تستعمل حيث يمتنع الترتيب مثل: «تقابل زيد وعمرو»، و«جاء زيد وعمرو قبله» لأنها كالجمع والتثنية وهما لا يوجبان الترتيب».

فيظهر من خلال هذا الإطلاق الصفة الربطية لمعنى حرف من حروف المعاني، وهو (الواو) الذي يقصد استعماله في هذا المفهوم بأنه: «للجمع المطلق من غير أن يكون المبدوء به داخلٕا في الحكم قبل الآخر. ولا أن يجتمعا في وقت واحد بل الأمران جائزان وجائز عكسهما، نحو قولك: «جاءني زيد اليوم وعمرو أمس»، و«اختصم بكر وخالد»،و«سيان قعودك وقيامك»، وقال الله تعالى:«وَادْخُلُوا البَابَ سُجدَا وَقُولوا حِطَّةٌ» وقال:«وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلوا البَابَ سُجدًا» والقصة واحدة، وقال سيبويه: «ولم تجعل للرجل منزلة لتقديمك إياه يكون أولى بها كأنك قلت: مررت بهما».

وقد أكد الزمخشري في كشافه ما ذهب إليه في «المفصل» من معنى مطلق الجمع للواو، وذلك في سورة الأعراف في الآية السابقة حيث قال: «و سواء قدموا الحطة على دخول الباب، أو أخروها، فهم جامعون في الإيجاد بينهما».

وقد أشار ابن هشام إلى فواصل هذا التعلق المعنوي في اصطلاح مطلق الجمع لحرف الواو، حيث قال: «الواو العاطفة، معناها مطلق الجمع فنعطف الشيء على مصاحبه نحو:«فَأَنجَيْنَاهُ وأصْحَابَ السَّفيِنةِ»، وعلى سابقه نحو:«وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإبْراهيمَ» (وعلى لاحقه)«وَكَذَلِكَ يُوحَى إليْكَ وَإلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكَ»، وقد اجتمع هذان في:«وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإبْراهيمَ وَمُوسَى وَعِيسى بْنِ مَرْيَمَ».

كما أشار الزمخشري إلى حدود هذا الجمع في الصفات في قوله تعالى:«هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ والبَاطِنُ» حيث قال: فإن قلت: فما معنى الواو؟ قلت الواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين الصفتين: الأولية والآخرية، والثالثة، على أنه الجامع بين الظهور والخفاء، وأما الوسطى: فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليتين ومجموع الصفتين الأخريين».

وحينما اعتمد الأصوليون والنحاة مفهوم (مطلق الجمع)، ميزوه عن مفهوم (الجمع المطلق) وإن كان يبدو التشابه متوهمًا بينهما عند انعدام التأمل. فقد ذكر ابن هشام أن إطلاق بعضهم على معنى الواو الجمع المطلق غير سديد، وذلك لتقييد الجمع بقيد الإطلاق، وإنما هي للجمع لا يقيد».

وقد التقى المنظور النحوي بالمنظور الأصولي في تدقيق هذا الإطلاق، حيث نقل ابن السبكي في الإبهاج ما ذكره تقي الدين بن دقيق العيد عن بعض الباحثين المتعلقين بعلم العقول أنه فرق بين مطلق الماء، والماء المطلق، بما حاصله: أن الحكم المتعلق بمطلق الماء، يترتب على حصول الحقيقة من غير قيد، والمرتب على الماء المطلق، مرتب على الحقيقة بقيد الإطلاق. كما يضيف ابن السبكي في قوله عن التمييز بين الجمع المطلق، ومطلق الجمع حيث قال: وقد جرى البحث مع والدي، رحمه الله، في قاعدة مطلق الشيء، والشيء المطلق، ولا شك أنه إذا أخذ المطلق قيدًا في الشيء، كان المراد بالأول حقيقة الماهية، وبالثاني هي تقييد الإطلاق، فالأول لا يقيد والثاني يقيد».

وحينما نتأمل هذه القياسات الاصطلاحية التي أوردها ابن السبكي وكانت مرجعية تمييزية عند الأصوليين في إطلاق (الجمع المطلق) و(مطلق الجمع) نجد أن (مطلق الماء) يختلف عن (الماء المطلق). فمطلق الماء مقيد بالطاهر والطهور والنجس، وكل من الطاهر والنجس ينقسم بحسب ما يتغير به، ويخرجه ذلك عن أن يطلق عليه اسم الماء. أما (الماء المطلق) فلا ينقسم إلى هذه الأقسام، وإنما يصدق على أحدها، وهو الطهور، وذلك لأنه أخذ فيه قيد الإطلاق، وهو التجرد عن القيود اللازمة التي يمتنع بها لأن يقال له ماء إلا مقيدًا كقولنا: ماء متغير بزعفران، أو أشنان أو نحوه، وماء اللحم وماء الباقلاء وما أشبه ذلك.

كما ميزوا بهذا الاعتبار بين إطلاقات أخرى منها (الرقبة المطلقة) و(مطلق الرقبة). حيث إن إطلاق الرقبة: يصدق على السليمة والمعيلة، والمطلقة لا يصدق إلا على السليمة. فلا يجزي في العتق عن الكفارة إلا رقبة سليمة، لإطلاق الشارع إياها. والرقبة المطلقة مقيدة بالإطلاق، بخلاف مطلق الرقبة. وكذلك الدرهم المذكور في العقود قيد بقيد الناقص والكامل، فإذا أطلق يتقيد بالكامل المتعارف عليه في المعاملات ونحوها في الرواج بين الناس. ومنها ثمن الأجرة، والصداق، وغيرها من الأعراض المجعولة في الذمة، ينقسم إلى الحال والمؤجل. وإذا أطلقت إنما تحمل الحال، فالإطلاق قيد اقتضى ذلك. وغيرها من الإطلاقات القياسية الاستطرادية التي اهتم بها الأصوليون في مسألة الجمع المطلق، ومطلق الجمع في معنى حرف العطف.

وقد ذكر ابن السبكي أن والده ألف مختصرًا لطيفًا في ذلك على وجه السؤال والجواب، وقد ذكر منه: «فإن قلت: اللفظ إنما وضع لمطلق الحقيقة لا الحقيقة المطلقة فتقييدكم قيد في اللفظ. فإن قلت: من المعلوم أنه ليس في اللفظ فهل يقولون إن ذلك قرينة حالية، أو لفظية، وهي متوسطة بين القرائن الملفوظ بها، والقرائن الحالية وهي هيئة صادرة من المتكلم عند كلامه، وذلك أن الكلام قد يخرج عن كونه بالزيادة والنقصان وقد لا يخرج عن كونه كلامًا ولكن يتغير معناه بالتقييد. فإنك إذا قلت: قام الناس، كان كلامًا يقتضي إخبارك بقيام جميع الناس. فإذا قلت: إن قام الناس، خرج عن كونه كلامًا بالكلية. فإذا قلت: قام الناس إلا زيدًا لم يخرج عن كونه كلامًا، ولكن خرج عن اقتضاء قيام جميعهم إلى قيام ما عدا زيدًا».

فالنص الذي اعتمده ابن السبكي في تأملات أصولية لغوية مركزة، يشير إلى مسألة الاصطلاح المعنوي الذي وضعه الواضع، حيث جعله متهيئًا لأن يفيد ذلك المعنى عند استعمال المتكلم له على الوجه المخصوص، والمقيد في الحقيقة إنما هو المتكلم، واللفظ آلة موضوعة لذلك. فكانت معاني الحروف معاني مخصوصة تدل على وضع اصطلاحي معين يرتبط بتركيب الكلام، فهي آلة موضوعة له. وقد تمم هذه الفاصلة الإمام السرخسي بقوله: «ثم إنهم وضعوا الفاء للوصل مع التعقيب، وثم: للتعقيب مع التراخي ومع: للقِران، فلو قلنا بأن الواو توجب القران أو الترتيب كان تكرارًا، باعتبار أصل الوضع، ولو قلنا إنه يوجب العطف مطلقًا، لكان لفائدة جديدة باعتبار أصل الوضع. ثم يتنوع هذا العطف أنواعًا؛ لكل نوع منه حرف خاص، ونظيره من الأسماء، الإنسان: فإنه للآدمي مطلقًا، ثم يتنوع أنواعًا؛ لكل منه اسم خاص بأصل الوضع، والتمر كذلك وهو نظير في اسم الرقبة إنه للذات مطلقًا من غير أن يكون دالًا على معنى التقييد بوصف. فكذلك الواو للعطف مطلقًا باعتبار أصل الوضع».

2. الجمع في التركيبين

وهذه الظاهرة فهم منها أن معاني الحروف في العطف جامعة بين تركيبين، أي بين معطوف ومعطوف عليه. وهذه العلاقة تتميز بتميُّز معاني الحروف في استعمالاتها. كأن يفهم من سياقها: المشاركة أو الترتيب أو التعقيب أو غيرها من المعاني التي أثارت أوجهًا استدلالية في فهمها المتبادر من استعمالات حروف العطف. لذلك نجد اللغويين والأصوليين حين يتحدثون عن ظاهرة الجمع في التركيبين في مسألة العطف، يصدرون في تعليلهم عن أسئلة جدلية مسبقة مثل قولهم: «القِران في اللفظ: هل يوجب القران في الحكم؟

قال عامة أهل الأصول: لا يوجب. وقال بعض الفقهاء: إنه يوجب».

وصورة هذه المسألة أن حرف الواو متى دخل بين الجملتين التامتين كل جملة مبتدأ وخبر، فالجملة المعطوفة هل تشارك الجملة المعطوف عليها في الحكم المنوط بها؟ فأجمعوا أن المعطوف إذا كان ناقصًا بأن لم يذكر فيه الخبر، فإنه يشارك المعطوف عليه في خبره ويشاركه في حكمه مثل قوله: «زينب طالق وعمرة»، فإن قوله و(عمرة) يشارك زينب في وقوع الطلاق. وقد عللوا هذه المشاركة بكون الثاني (عمرة) ناقصًا لا يفيد لنفسه دون المشاركة في خبر الأول، وقد نقلت هذه المشاركة بواسطة حرف (المعنى) (و). وعلى هذا الأصل تعلق بعض الفقهاء في نفي وجوب الزكاة على الصبي بقوله تعالى: «وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ». لقد عطفت الزكاة على الصلاة لذلك يجب أن تشاركها، فلا تجب الصلاة عليه وكذا الزكاة، تحقيقًا للمشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه. وقد تمسك الفقهاء في هذا التعليل بأن (الواو) للعطف لغة، ولهذا تسمى واو العطف عند أهل اللغة، ومقتضى العطف هو الشركة في الخبر.

إلا أن هذا الاعتبار الذي ذهب إليه الأصوليون في إطلاق العطف على معنى المشاركة يحتاج إلى نظر في الكلام المستعمل لمعنى العطف. فإذا كان المعطوف متعريًا عن الخبر أو ما يسمى بالمعطوف الناقص فإنه يشارك الأول في خبره فيجب القول بالشركة في الأصل. وإن كانا كلامين تامين كقولهم: «إن دخلت الدار فامرأتي طالق وعبدي حر» فإن غرضه هو تعليق عتق العبد بدخول الدار لا التنجيز، فكان العطف عليه دليلًا على أنه أراد به المشاركة للأول في التعليق.

وعندما نمثل بالآية القرآنية: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ والَّذين مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ»، فالجملة الثانية وهي قوله تعالى: «وَالَّذينَ مَعَهُ أَشِدَّاءِ عَلَى الْكُفَّارٍ»، معطوفة على الجملة التي قبلها ولا يوجب الشركة في الرسالة التي هي خبر للجملة الأولى، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن. فالمعقول في هذه المسألة أن الأصل في كل كلام تام أن ينفرد بحكمه، ولا يشارك الكلام الأول فيه، وإن كان معطوفًا عليه بحرف الواو. يقول السمرقندي: «إن واو العطف يقتضي الشركة في بعض الأحوال لا على الإطلاق، لكن لا نسلم. فما قولكم إنها تقتضي الشركة إذا دخلت على الجملة الناقصة أو على الجملة الكاملة؟ فإن قلتم في الجملة الناقصة فمسلم، وإن قلتم في الجملة الكاملة فهو موضع النزاع وفي المسألة إشكالات».

فمعرفة معاني العطف لا يكفي فيها تحديد الأحكام العامة للعطف في علاقته بالمعطوف بأنه يفيد المشاركة، بل هناك ظواهر أخرى تقتضي النظر ومد التأمل في إدراك العلاقة الرابطة بين التركيبين وفق المعاني المحصلة. وتحديد هذه المعاني بطبيعة الحال كان محل نزاع لغوي أصولي. فعندما نبحث في دور معاني حروف العطف في التعلق داخل الجمل التامة، نجد هناك خلافًا أصوليًّا مرده إلى تحديد معنى الحرف في التركيب بين الجزأين: ففي الجملة: «زينب طالق ثلاثًا وعمرة طالق». (فعمرة) تطلق واحدة وكل واحد من الكلامين جملة تامة أي يتكون من تركيبين (مبتدأ + خبر)، والرابط بينهما وهو (الواو).

فذهب بعض الحنفية كما ذكر السرخسي، إلى أن معنى الربط في هذه الجملة هو (الابتداء)، حيث قال: «فالواو بينهما عند بعض مشايخنا لمعنى الابتداء حيث يحسن نظم الكلام». وقد قاسوا على هذا المعنى قوله تعالى:

– «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ».

– «وَيَمْحُ اللَّهُ البَاطِلَ».

– «وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ».

قال السرخسي في معنى الواو في هذه الأدلة: «إنه ابتداء عندنا». فلا تقتضي مقارنة أو ترتيبًا.

وذهب أصحاب الشافعية إلى أن الواو السابقة للترتيب أي أن معنى الترتيب حصل من الواو باعتبار الأهم في التركيبين حيث احتجوا في ذلك بأن العرب من عادتها أن تبدأ بالأهم. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ابدأوا بما بدأ الله به. حين سئل عن البداية في قوله تعالى: «إنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ».

وقد جعل الشافعية معنى الترتيب المتبادر من معنى حرف العطف ركنًا في الوضوء لأن في الآية عطف اليد على الوجه بحرف الواو فيجب الترتيب كما في قوله تعالى:

«إِذَا قُمْتُمُ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَاَيْديكُمُ».

كما أوجب ترتيب السجود على الركوع بالواو في قوله تعالى: «ارْكَعُوا واسْجُدُوا» فالترتيب مستحق في أفعال الوضوء عند الشافعي، بناء على النص السابق.

وعلى هذا الترتيب قيست بعض الحالات التي يمكن أن يجري عليها معنى الترتيب في الواو كقول القائل:«أنت طالق وطالق وطالق»،فإنه حسب الشافعية لا يقع إلا طلقة واحدة، ولو كانت للجمع طلقت ثلاثًا كما لو قال:«أنت طالق ثلاثًا أو طلقتين».

إلا أن هذه المعاني التي فسرت بها مادة الحروف خصوصًا في العطف عند الأصوليين أو اللغويين كانت مثار جدل في تعليق المعاني على الجمل المعطوفة، حيث كانت مناقشتهم في أغلبها استدلالية مبنية على القياس والاستعمال اللغوي وفق النصوص الموظفة في الظواهر الحجاجية. وهذه المناقشات الأصولية اللغوية كانت موجهة إلى الاصطلاحات المستعملة في معاني الحروف العاطفة من حيث ترتيب الأحكام وبناء القواعد عليها.

 فكانت عند الأصوليين بالوضع الاصطلاحي في معاني الحروف تنطلق من مراعاة حقيقة اللفظ التي تميز مجموعة من الدوال الحرفية في دلالاتها على المعنى المراد. فقد ميزوا بين (الجمع المطلق)، و(مطلق الجمع)،كما ميزوا بين (العطف) و(الاشتراك)، وبين (القِران) و(الترتيب).

وكان ضبطهم للاصطلاح المعنوي في الحروف ينطلق من الفهم العام لسياق الكلام مع الاعتماد على الوظائف النحوية المعينة على الوجه الاستقرائي للقواعد. لذلك كان هناك تواصل مصطلحي بين النحويين والأصوليين في إرساء التحديدات المتعلقة وبمعاني الحروف عمومًا. فعندما يتحدث النحاة عن معنى الاشتراك في واو العطف يقصدون بذلك: «اشتراك الثاني فيما دخل فيه الأول، وليس فيها دليل على أيهما كان أولًا». وأشاروا إلى ذلك بصيغة أخرى: «إنما جئت بالواو لتضم الآخر إلى الأول وتجميعهما وليس فيه دليل على أن أحدهما قبل الآخر». ومثلوا لذلك بقولهم: «جاءني زيد وعمرو»، و«مررت بالكوفة والبصرة». فجائز أن تكون البصرة أولًا، كما قال الله عز وجل: «»وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعين» والسجود بعد الركوع.

من كلام الأصوليين السابق نرى أن في الواو عندهم ثلاثة مذاهب:

أحدها: أنها للترتيب، وقد اشتهر عن الشافعية، ونسب إلى الإمام أبي حنيفة.

والثاني: أنها للمعية، ونسب إلى الصاحبين أبي يوسف ومحمد بن الحسن.

والثالث: وهو المختار، أنها لمطلق الجمع؛ أي لا تدل على ترتيب ولا معية.

فواو العطف تفيد التشريك في حكم ما قبلها؛ فإن لم يكن حملها على الشركة تكون معطوفة على أصل الكلام، وقد وجد الداعي في التشريك وغيره في قوله تعالى: «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ».

فإن قوله «وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ» معطوف على قوله «فاجلدوهم»، لأنهما جملتان إنشائيتان.

وقوله: «وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ» عطفت على الجملة بتمامها. لأنها جملة خبرية.

فدليل المشاركة في المعطوف الأول، وعدمه في المعطوف الثاني. فعطفنا الاولى على الجزاء والثانية على صدر الآية.

الثمرة الفقهية:

قال الأحناف: الاستثناء وهو «إلا الذين تابوا» راجع إلى الجملة الأخيرة «وأولئك هم الفاسقون». فيكون المحدود في القذف مردود الشهادة وإن تاب، أما عند غيرهم فالاستثناء راجع إلى الجمل المعطوفة كلها. وعليه: تقبل شهادة المحدود في القذف إن تاب.

ونظرًا لاختلاف النحاة والأصوليين في معاني الواو العاطفة فإن الفقهاء اختلفوا في الاستنباطات الفقهية؛ من ذلك ما يأتي:

– قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6].

اختلف الفقهاء في ترتيب أفعال الوضوء على نسق الآية «فقال قوم: هو سنة؛ وهو الذي حكاه المتأخرون من أصحاب مالك عن المذهب، وبه قال أبو حنيفة والثوري وداود.

 وقال قوم: هو فريضة؛ وبه قال الشافعي وأحمد وأبو عبيد، وهو كله في ترتيب المفروض مع المفروض، وأما ترتيب الأفعال المفروضة مع الأفعال المسنونة فهو عند مالك مستحب، وقال أبو حنيفة: هو سنة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد