سلوكيات المجتمع في كافة أنحاء العالم، تعتمد على عدة أعمدة، بينها ما هو شاهق على أرصفة العقول، وفيها المدفون في باطن الخوف ولا تصديق، والبشر رغم بشاعة ما فعلوه على وجه الأرض التي أمروا باستخلافها، منذ أول جريمة اقترفها قابيل بقتل أخيه هابيل، إلا أن جلّ همهم العيش باطمئنان دون منغصات، فتجدهم ميالون لما هو آمن ومألوف، وعلى هذا الأساس نجد أن أعمدة الاعتراف بنظرية المؤامرة، لا محل لها على أرصفة العقول العراقية إلا عند النخبة.

العلم يدخل في تراكيب أبسط الأشياء في هذا الكون المعقد، فهو الذي يفسر قوة خيوط العنكبوت الخفيفة، وهو الذي يجعل تركيبًا جزئيًا لذرة صغيرة غير مرئية تفكك أجزاء البشر في القنبلة النووية، فالعلم يقنن كل شيء، و الفوضى علم يُدْرَس ويُدَرّس، وكما أن هنالك علماء في الجاذبية، هناك علماء في فن صناعة الفوضى، وكل علم يحتاج إلى تجربة لإثبات نجاحها، ونجاح تجربة الفوضى، يعتمد على الزمكانية في التنفيذ، وأن أبرز دلائل نجاحها، هي حل مبرهنة نظرية المؤامرة.

بما أن المؤامرة لها برهان فأكيد أن لها متطلبات، وهما شيئان الحكومات المتآمرة والشعب المتآمر عليه، لكن أحيانًا يتطلب إتمام هذه المعادلة تغيرات بسيطة، مثل جعل الحكومات أداة بيد الأجندات الخارجية، ويسلطان على الشعب لإجهاض أي محاولة منه لكسر قيود الديمقراطية الوهمية، والتحرر من سلاسل فساد الأحزاب الخانق.

بعد أن اكتملت أركان المعادلة، نبدأ بحل البرهان لنخرج بالنتيجة، وسنبدأ من تردي الوضع الثقافي والتعليمي، مرورًا بالواقع الصحي المتدهور، وأخيرًا وليس آخرًا الوضع الاقتصادي المنهار،رغم طوفانها على بحر من البترول، يضاف لها البطالة التي ملأت الشوارع، حتى سكن الشباب المقاهي وهجر الكتب، فأصبح كعود الكبريت لا يحتاج سوى إلى شرارة لينقاد خلفها، ويحرق الأخضر واليابس.

من الصعب أن تسيطر على عقول هائجة ثائرة وتأمرها بالهدوء، ولكن من السهل أن تقودها نحو إشعال فتيل عود الكبريت، وهذا ما حصل لصناع فن الفوضى، حيث تم استغلال الهيجان العقلي للمتظاهرين وتناسبه طرديًا مع العقل الجمعي، فأصبح الواحد يقود مائة، بهتافات ثورية لا سلمية، وتدار كالآتي: الطرف الناطق حزبي، والمتحكم خارجي، والمنفذ من اتبع العقل الجمعي.

وأخيرًا وصلنا إلى النتيجة التي تقضي بصدق نظرية المؤامرة، بسبب الفوضى العارمة التي أحرقت المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، وأدخلت النار إلى القنصلية، وانتهت بسيارة الإسعاف التي تحطمت معها المستشفى التعليمي في البصرة، وأيدي الأجندات الخارجية وقفت في المنتصف، ترشق الرصاص على الجندي وتقتل المتظاهر، لتشعل فتيل الحرب بينهما، والنار التي ثارت من أجل الماء، أحرقت الماء! وأنهت آخر أمل بأن يكون الإصلاح على يد المتظاهرين، لأنها موجة ركبها التحزب.

كل هذا يدل على أن الساحة السياسية في العراق، تشهد صراعًا أقليميًّا من أجل فرض هيمنة الأقوى، وأنها لا تخضع إلى منطق المنطق، فالخلو والجمع لا يرتفعان ولا يجتمعان في علم المنطق، ولكن في تشكيل الحكومة العراقية يجب أن يكون للعم سام نصيب كما للحجي، فالنقيضان يجتمعان؟! تحت مسمى تشكيل الحكومة العراقية، وأن أي محاولة لهيمنة أحدهما على الآخر، ستجعل نار الفوضى تحرق الشعب بأكمله، ولن يربح الطرفان سوى مشاهدتهم الممتعة لشعب يتصارع مع نفسه لإنقاذ نفسه، كأنها فيلم سينمائي.

السؤال الأهم متى ستسود النخبة المجتمع، ليستطيع تغيير منهجه السلوكي، ويؤمن بنظرية المؤامرة، ويضع لها متطلبات وبراهين، ليجد الحل الذي يناسبه، ويحدث الاستقلال الداخلي، ليقف على بعد خطوة واحده من العم سام والحجي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك