ما زالت تُشَكِّل مسألة مدى احترام السلطات الذي يدور حول مبدأ علوية الدستور في المجتمعات العربية، معضلة كبرى! فبعض الأنظمة منها من أقر نموذج الدكتاتورية في إدارة شئون الحكم؛ الأمر الذي من شأنه أن يجعل من دستور البلاد مجرد وثيقة خرقت دون عقاب، والبعض الآخر من الأنظمة من اتخذ الديمقراطية نموذجًا للتسيير البلاد، لكن هذا التسيير يعاني أحيانًا من بعض النقائص والخروقات التي مثلت أحيانًا خرقًا واضحًا للدستور.

وعليه؛ فإن مسألة ضمان احترام وعلوية الدستور، في المجتمعات والأنظمة التي ما زالت تعتد بإرادة الشعب، تقتضي إقرار جملة من التحسينات، والإضافات للمنظومة الدستورية؛ الأمر الذي من شأنه أن يشكل مجالًا فاعلًا لحماية دلالات، ومعاني الديمقراطية.

يمكن اختزال هذه التحسينات في بعض النقاط، ولعل من أهمها مسألة الحقوق والحريات، واحترام الدستور، وواجب السلطات في ذلك.

 مسألة الحقوق والحريات

ينص الفصل 16 من إعلان حقوق الإنسان والمواطن المؤرخ في 26 أغسطس (آب/ أوت) 1789 على أن «كل مجتمع لا يضمن الحقوق ولا يفصل بين السلطات لا دستور له». «مقتطف من موقع المجلس الدستوري الفرنسي، ترجمة المستشار الدكتور: إيهاب مختار محمد فرحات». يستشف من هذا الفصل أن كلمة دستور تطلق على تلك الوثيقة التي تكرس مبدأ الفصل بين السلطات، وتضمن الحقوق والحريات إذ؛ إنها تمثل جوهر وماهية الدستور، على معنى الفصل 16 من الإعلان سابق الذكر.

ومن هذا المنطلق؛ فإن النص الدستوري هو ذلك النص الذي يكرس ويضمن الحقوق والحريات الفردية والجماعية لكافة الأفراد، لكن الإشكال يكمن في كيفية تجسيد وتدعيم هذه الحقوق، وحمايتها من الانتهاكات؛ حتى لا تكون مجرد عبارات مكرسة، ومفرغة من المعنى؛ وهنا تتجلى لنا أهمية إقرار فصول صلب الدستور تنص في باب الحقوق والحريات على أن السلطات التشريعية، التنفيذية والقضائية، حسب الصلاحيات والآليات القانونية المخولة لها، تسهر على ضمان احترام الحقوق والحريات الفردية والجماعية، وتوطيد مجالاتها ونطاقها. إن المسائل المتعلقة بالحقوق والحريات تعد من المجالات التي تُعني بعلوية الدستور، ولا يمكن للسلطات أن تتخذ موقفًا سلبيًّا تجاه مسألة تتعلق بتدعيم حق أو إقرار حرية. والمقصود هنا بعبارة «موقف سلبي» تجنب السعي لمزيد من تجسيد الحقوق والحريات واقعيًّا. وضمن هذا السياق الذي يحمي الحقوق والحريات؛ فإن الدستور التونسي نص كذلك في فصله الـ49 على أنه «لا يجوز لأي تعديل أن ينال من مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور»، وهو مبدأ هام كان قد أقره القاضي الدستوري الإيطالي.

مسألة احترام الدستور وواجب السلطات

جميل أن يكون في بعض الدساتير فصول تُلزم السلطات الثلاث بمبدأ احترام الدستور وضمان علويته، كأن ينص أحد الفصول على أن «رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة، ورمز وحدتها، الذي يضمن استقلالها واستمراريتها، ويسهر على احترام الدستور» وهو ما أقره الفصل 72 من الدستور التونسي، إلى جانب ذلك، نجد الفصل 102 الذي أسند للسلطة القضائية مهمة ضمان علوية الدستور، والفصل 58 الذي نص على أن يلتزم كل عضو من أعضاء مجلس نواب الشعب بأحكام الدستور أثناء أدائه اليمين.

لكن التجسيد الفعلي لمبدأ احترام الدستور وضمان علويته يحتاج إلى فصول أخرى، من شأنها أن تكرس وتقر الجزاء والعقوبة بالنسبة للخروقات الدستورية. فصول من شأنها أن تمكّن المواطن ومكونات المجتمع المدني من جمعيات، ومنظمات، ومختلف النشطاء من مقاضاة كل سلطة انتهكت مبدأ احترام الدستور أمام القضاء الدستوري، وفي حالة الإقرار بوجود خرق واضح للأحكام الدستور؛ فإن القاضي الدستوري مُطالب بإصدار قراره، وإعلام السلطات الثلاث، مع مطالبة السلطة المعنية بتصحيح أعمالها القانونية الخارقة لأحكام الدستور في آجال محددة، تحمل طابع المعقول.

وفي حال تجاوز هذه الآجال دون تدارك تلك الخروقات الدستورية، فإنه يتم إفساح المجال أمام استعمال ما أطلق عليه فقهاء القانون الدستوري وسائل الضغط المتبادلة بين السلطات ألا وهي سحب الثقة، إسنادًا إلى لائحة لوم؛ «حل مجلس ممثلي الشعب»، فضلًا عن اللجوء لتقنيةالعزل، وعلى سبيل المثال فقد نص الدستور التونسي في فصله 88 على إمكانية عزل رئيس الجمهورية في صورة اقترافه لخرق جسيم للدستور، بقرار من المحكمة الدستورية بناءً على لائحة معللة، يقدمها أغلبية أعضاء نواب الشعب.

وبالتالي فلن يكون هدف وسائل الضغط المتبادلة بين السلطات مقيدًا فقط بذلك المعطى التقليدي الذي كرسته دساتير الأنظمة البرلمانية، والمتعلق بتنظيم العلاقات بين السلطات، وإنما سيكون لهذه الوسائل هدف آخر يتمثل في الحد من الخروقات الدستورية من خلال ضمان وحماية مبدأ علوية الدستور. هذا المبدأ الذي اقتضى ضمانه تجسيدًا صريحًا لأبعاد حماية من وسائل وآليات قانونية مكرسة دستوريًّا، وأخرى تشاركية أكدت على دور المواطن والسلطات في هذا المجال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد