أثيرت مؤخرًا مشكلتان انتخابيتان في لبنان، الأولى متعلقة بالنظام الاقتراعي الأكثري، الذي أشير إليه المسمى (بالقانون الستيني) الذي اعتمد في كل من انتخابات 1960 و1964 و1968 و1972 وهي آخر انتخابات قبل الحرب الأهلية، والتمديد لهذا المجلس حتى العام 1992. الذي يقضي بتقسيم البلاد إلى دوائر انتخابية لكل (القضاء) ويدخل كل قضاء في العملية الانتخابية على أساس عدد محدد للمقاعد لكل دائرة، وبالتالي كانت (الأغلبية الطائفية) في الدائرة تحصد معظم مقاعده المخصصة إن لم يكن جميعها.

النظام الانتخابي النسبي

فاقترح البرلمان مؤخرًا 2018 تعديل النظام الانتخابي، إلى النظام النسبي، الذي يقوم على فكرة أن الجسم التمثيلي (البرلمان، المجالس المحلية) التي ينبغي لها أن تكون صورة مصغرة عن التركيب المجتمعي، فلا تستطيع الأغلبية أن تحوز على كل مقاعد، في الدئرة الانتخابية الواحدة. ومن الناحية العملية، فإن مشروع القانون النسبي، كان ضمن برنامج الحركة الوطنية، إبان الحرب الأهلية، ولكن على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة.

أما المشروع الجديد يقضي بتوزيع مقاعد البرلمان البالغة 128 مقعدًا على 15 دائرة انتخابية، وتتوزع المقاعد على أسس النسب الطائفية في كل دائرة على حدة، بحسب التمثيل النسبي لكل طائفة. «أما الصوت التفضيلي (الذي فصّله جبران باسيل على مقاسه) فكان الهدف منه التفضيل الطائفي الضيّق، من أجل تطبيق نظريّة الكاردينال صفير بضرورة حصر الاقتراع طائفيًّا (أن يقترع المسيحيّون للمسيحيّين ويقترع المسلمون للمسلمين) -أي العمل الحثيث على تقسيم الوطن نفسيًّا وسياسيًّا»[1]، وهو قانون من العسير فهمه، ولكن يقضي بأن يحتسب الصوت التفضيلي لكل مرشح على حدة، بهدف استكمال تمثيل الطوائف في كل لائحة.

أصوات المغتربين الضائعة

والمشكلة الثانية هي مشكلة المغتربين اللبنانيين، وحقهم في التصويت، إذ يصر اليمين اللبناني وعلى رأسهم البطريرك نصر الله الصفير «على إن لبنان المهاجر يفوق الـ15 مليونًا بالتمام والكمال»[2] إلا أن «الإحصاء السكّاني، للداخل والخارج، لم يجرِ ولن يجري أبدًا» ورغم عدم وجود أي إحصاء رسمي، عن أعداد المغتربين، إلا أنه ولأول مرة عبر التاريخ اللبناني، يستطيع المغرب، الإدلاء بصوته حسب القانون الانتخابي الجديد[3]. إلا أن نسبة التصويت في الخارج كانت مخزية، فعلى سبيل المثال «لم يصوّت في ديربورن (وهي من أكبر التجمّعات اللبنانيّة خارج لبنان) إلّا 245 مُقترعًا فقط»[4].

الحراك الذي لم يثمر سياسيًّا

ورغم أن الساحة اللبنانية شهدت حراكًا شعبيًا، على مدار السنوات السابقة، أثارتها قضايا المعلمين وحقوق العمال، في القطاع العام والخاص، وقادتها هيئة التنسيق النقابية، وتأثير مهم للحزب الشيوعي اللبناني، كما شهدت الساحة اللبنانية حراكًا شبابيًا، تحت شعار (طلعت ريحتكم) على خلفية انتشار النفايات، بشكل غير مسبوق. وكان الحزب الشيوعي اللبناني حاضرًا مع تنظيمات (المجمع المدني). ولكن لم يستطع الحزب الشيوعي اللبناني، ورغم اجتماعه مع القوى الشبابية على جملة من القضايا والمطالب، أن يحولها إلى تغيير سياسي.

كما أن قوى الحراك لم تستطع تطوير الاحتجاجات الشعبية إلى برنامج سياسي، ممكن أن يشكل تحالفًا سياسيًّا على طريقة الشيوعيين العراقيين، فخاض الحزب الشيوعي اللبناني الانتخابات، بتحالف غير ناضج ومفكك، وقدم الحزب برنامجًا سياسيًا متقدمًا، بينما تميع مصطلح (المجتمع المدني) بل من الغريب أن يشارك منظمات (المجتمع المدني) في العملية السياسية باسمهم أصلا، والطريف أن إحدى مرشحات (المجمع المدني) لم تحصل على 413 صوتًا (أقل بكثير من عدد الإعجابات على حسابها على الفيسبوك). ومن ناحية أخرى، كان الاقبال على الانتخابات ضعيفًا والذي بلغ 49،70% ممن يحق لهم الانتخاب[5]. وفي المقابل بدا التقدم واضحًا لتحالف الذي ضم حزب الله، وحركة أمل، الذي لم يعلن عنه إلى الآن، إلا أن التقديرات تشير إلى 27 مقعدًا مرشحة للزيادة، بعد انضمام نواب متوقعين إلى كتلة (المقاومة)، ومن ناحية أخرى فقد خسر تيار المستقبل (سعد الحريري) ثلث مقاعده التي كان يشغلها، في المجلس السابق.

ويبدو أن النظام الطائفي البناني قد تجذر بقوة، بواسطة طبقة الإقطاع العائلي، وعبر قرنين من الزمن، استطاع ذاك النظام استيلاد نفسه، بل وتحويل الأحزاب السياسية التي من المفترض أن تكون تقدمية إلى إقطاع جديد، فوليد جنبلاط زعم الحزب التقدمي الاشتراكي، كان قد ورث الزعامة السياسية عن والده كمال جنبلاط، وها هو يحضر لتوريث ولده تيمور زعامة الحزب، الذي تحول من حزب إلى ممثل للطائفة (الدرزية).

واستطاعت المكنة الطائفية خلق عوائل حاكمة كعائلة ميشيل عون، التي تشغل فيها ابنته ميراي عون منصب المستشار الأول لرئيس الجمهورية، وكذلك صهره جبران باسيل منصب وزير الخارجية، بالإضافة إلى أسماء كثيرة من أبناء وأقارب الرئيس، وسعد الحريري كذلك، كان قد ورث المنصب من والده رفيق الحريري. وأمثلة أكثر من أن تحصى. الأمر الذي يعقد أي عملية تغيير في لبنان عن طريق الديمقراطية بنسختها اللبنانية، ولا سيما أن التغيير المنشود ليس مطلبيًّا، بل تغيير النظام الطائفي برمته. وربما ينبغي لنا أن نتذكر في حالات الاستعصاء السياسي، إن الديمقراطية شكل من أشكال التغيير ولكنها ليست الشكل الوحيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] أسعد ابوخليل، الانتخابات النيابية ونظامها الانتخابي الفريد، (الاخبار، 12، أيار/مايو، 2018)
[2] أسعد أبوخليل، ضد اقتراع المغتربين، (الاخبار، 22 كانون الأول/ديسمبر، 2012).
[3] المادة 122، في عملية الاقتراع، الجمهورية اللبنانية، مجلس النواب، قانون رقم 44 تاريخ 17/6/2017.
[4] أسعد ابوخليل، الانتخابات النيابية ونظامها الانتخابي الفريد، (الاخبار، 12، أيار/مايو، 2018).
عرض التعليقات
تحميل المزيد