يعود هدا الحضور بشكل موثق حسب كل البحوث التي وثقت إلى بدايات القرن 16م، ندكر مثلًا البيرو، وبالتحديد عند الحملة الإسبانية ضد هدا البلد بهدف الاستعمار، ومنذ سنة 1532م، على حد قول المؤرخ البيروفي نيلسون مانريكي، فإن أمير ثيغالة عاش في منفاه الاختياري في البيرو لجوءًا من الاضطهاد في إسبانيا، وانتحل هوية مزورة تحت اسم غريغوريو ثاباتا، بل وارتقى في سلم التراتبية الاجتماعية؛ حتى أصبح قائد الجيوش الملكية الإسبانية هناك، وحقق خلال مغامرته هذه ثروة كبيرة في بوتوسي دون أن يتفطن له أحد ولم يكشف سر هذا الموريسكي، إلا بعد أن نجح في الانتقال من البيرو إلى إسطنبول عاصمة الإمبراطورية العثمانية، حيث روى للخليفة العثماني وأعوانه البعض من قصصه ومغامراته التي عاشها هناك قبل أن يتمكن من العودة أخيرًا إلى دار الإسلام!

ولنعرج الأن على شخصية أخرى من الموريسك، ممن ذكروا بكثرة في العديد من المصادر التاريخية، إنه كريستوبال دي برغش، الذي كان من ضمن الوافدين الأندلسيين على منطقة كاخاماركا، بعد احتلال العالم الجديد، فضلًا عن العديد من الأندلسيين الذين جيىء بهم كعبيد في أعقاب فشل التمردات والثورات التي قادها الموريسك بشكل متتال في إسبانيا، ونخص بالذكر ثورة جبال البشرات الشهيرة في كتب التاريخ، ومما وصلنا من أخبار تاريخية أنه في سنة 1560م أدين في مدينة كوسكو في البيرو بقال موريسكي اسمه لويز صولانو بشبهة اتباع العقيدة المحمدية رفقة أفارقة آخرين وموريسكي آخر يدعى الباروا غونثاليز، والمعروف باسم هرناندو دياث، وفي العام 1569م عاشت العاصمة البيروفية ليما محاكمة مثيرة بتهمة الانتماء للديانة الإسلامية، والعمل سرًا على نشرها ضد الموريسكي مارتن روميرو دي خيبر التار، لقد تمكن الكثير من أولئك الأندلسيين المهجرين من الذوبان شيئًا فشيئًا في منفاهم المقدر لهم هناك في أمريكا اللاتينيية من بلاد البيرو وكوبا وفنزويلا والبرازيل والأرجنتين والشيلي، والشواهد الثقافية الأندلسية واضحة، ولازال تاثيرها ماثلًا للعيان في العديد من نواحي الحياة في أمريكا الوسطى والجنوبية، على الأقل المعالم العمرانية القديمة، والتي تعود إلى الحقبة الاستعمارية الإسبانية والبرتغالية، ونذكر مثال دير وكنيسة سانتا دومينغو في ليما، وهي دات طراز موريسكي إشبيلي ودير سان فرانسيسكوا في نفس المدينة، وشرفات قصر الأسقفية في كوسكو ومقر وزارة الخارجية البيروفية في العاصمة ليما بنوافذه ذات المشربيات الغرناطية، وفي ساحة السلاح ونظائرها بمنطقة تروخيو، وفي قصر الماجورا دي فاكالا، وكلها ذات طراز أندلسي إسلامي عريق، وهذا حسب ما ورد من شهادات المؤرخة البروفية إيليانا أراغون.

وحسب ما ورد في مؤلف الكاتبة نادية ظافر شعبان، فإن تاريخ جنوب القارة الأمريكية، أو التي تجسّد فعل أسبَنَتِها (جعلها إسبانية) يقع في كثير من الصفحات على الكلمة العربية بوضوح، أو المُحرّفة عن العربية، والتي لم يجد اللغويون بديلًا لها في الإسبانية (ص165)، كما تتابع نشوء ما عرف بالفن المُدجّن، فتنقل عن فيديريكو مايور المدير الأسبق لمنظمة اليونسكو قوله: إن «الفن المدجن لم يكن طرازًا عابرًا؛ لأنه تأويل عميق لمظاهر حياة وثقافة مسيحية – إسلامية صِيغت في بوتقة واحدة في شبه الجزيرة الإيبيرية».

وهذا النوع من الفنون نشأ ما بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر في مرحلة حروب الاسترداد، وازدهر بطابع إسلامي- مسيحي في مناطق عدة من الأندلس ومقاطعات شمالية أخرى، أي في الأراضي التي كان يسودها الإسلام وسمح فيها للموريين المهزومين، وبدافع من الواقعية السياسية، بالبقاء في وطنهم كإثنية مُسلِمة مقبولٌ وجودها. هذا الفن المدجن انتقل إلى أمريكا اللاتينية وظهر في عناصر إسلامية، مثل: «زليج للتلبيسات الجدرانية، سقوف، صناديق معدنية مطعمة بالعاج، أعمال جلدية، الزخرفة، التوريق، العناصر الهندسية لتشبيك زهري ونجوم، الكتابة العربية الكوفية، التلبيس الكلي للمساحات، الرسم الذي لا يعرف حدودًا حيزية، المشربيات، المقربصات، الجص،إلخ… وقد شكل الفن المدجن جزءًا من تراث أمريكا الإسبانية على مدى قرون.

أما عن تأثير الموسيقى وآلاتها، فقد كان لوصول عبقري الموسيقى زرياب إلى الأندلس أثره في الموسيقى الإسبانية، ومن ثم في أمريكا اللاتينية، من حيث التأليف وأسماء الآلات المعتمدة، ومنها آلات طرب خشبية، مثل العود، وأشكاله: البربط، المزهر، الرباب، القانون، والسنطير، وأيضًا الآلات النفخية، مثل: الناي، الزمارة، النفير، البوق، البوق الزمري، وآلات النقر، مثل: الجلجل، والصنوج والصناجات.

لقد طرقت شعبان ميدانًا يثير الحنين في النفوس، ويدعو إلى حضّ الباحثين على نبش «أمجاد» تلك الحقبة المضيئة في بعض جوانبه، خصوصًا الجانب الذي أشار إليه مايور وأنتج فنًا مختلطًا، وليس زمن محاكم التفتيش التي تشبه ما نشهده في حاضرنا من إرهاب وتعصب ونبذ للآخر في أكثر من مكان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

andalous, Attendees, granada

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد