هل فكرت للحظة بأن الواقع الذي نعيشه الآن واقع قابل للتغير؟ وبأن الدولة على شاكلتها الحالية ما هي إلا لجنة تدير الشؤون العامة لمصلحة طبقة على حساب أخرى.

وأنها يمكن أن تضمحل وتأتي دولة أخرى بآلية مختلفة تمامًا، ففي الأخير كل شكل من أشكال الحكم وكل نظام سياسي أو اقتصادي أو حتى ديني يطور في مقابله العديد من التناقضات، تناقضات قد تؤدي إلى زواله فكما زالت العبودية ومن بعدها اللإقطاع فالطريق للرأسمالية غير محفوف بالزهور أكثر منه من  الأشواك.

قامت الثورة الفرنسية على 3 مبادئ أساسية، مساواة، وحرية، ورابطة أخوية، ثورة من القاع حتى القمة تظنها مطالب «اشتراكية» ولكن المثير للسخرية بأنها كانت ثورة بروجوازية، الفيلسوف كارل ماركس الذي يعد من أكثر الناس تأثيرًا في القرن الأخير بفلسفته وتحليله للاقتصاد الجزئي، كان يظن أن الثورة الفرنسية من أفضل الأحداث التي حصلت في التاريخ الحديث ولكن بعد فشل الثورة في تلبية مطالبها الرئيسية الثلاث، قال ماركس إن الرأسمالية هي الشيء الوحيد الذي يمنعنا من الوصول للحرية والمساواة.

1- صعود البرجوازية

في مجتمع عرف فيه الجميع مكانه وأين ينتمي على اللوحة، فكان هنالك الأسياد، والخدم، ومن حافظوا على السلام بينهم وهي الكنيسة لم تكن هنالك الكثير من التعقيدات فإذا ولدت لأحد الخدم فسوف تقضي المتبقي من حياتك في خدمة أحد اللوردات حتى تُنجب أنت أيضًا أو تموت، وعلى النقيض يُمكن أن تولد في طبقة الأسياد وترث الأرض برعاياها، نظام طبيعي لا يولد إلا التناقضات برغم بساطته وكما جادلنا بأن كل نظام سائد لديه منتقدين كان للإقطاع الكثير من المنتقدين «البرجوازيين» لقد ذاقوا ذرعًا من هذا النظام في الصراع هنا لم يكن صراع مطالب بقدر ما كان صراع طبقات، طبقة وجدت نفسها في صدام مع الطبقة الأخرى وحان الآن دورها لتحل محل الأخيرة، ويمكن فهم التاريخ ككتلة واحدة عن طريق التحليل المادي له عن طريق تفريغ أي فكرة من قدسيتها أو مدى رواجها في ذلك الوقت حتى تأتي النتيجة بأن كل الصراعات التارخية كانت صراعات طبقية تتنازع فيها كل طبقة لتسيطر على الأخرى، وبما أن كل صراع طبقي هو صراع سياسي.

عندما أتت اللحظة الحاسمة قامت الطبقة البرجوازية بالتهام  اللوردات ورجال الكنيسة كما تلتهم النار الهشيم، مُبدلين أنفسهم مكان الطبقة الحاكمة لكي تتبدل الآية وتصبح بدون لوردات وخدم أو في السابق أسياد وعبيد، بل برجوازيين وبروليتاريين، فتم إحلال هذا بذاك كأن شيئًا لم يحدث البتة.

وكما صعدت البرجوازية أو الرأسمالية وتطورت لما نعرفه الآن فيمكن توقع بسهولة أنها إلى زوال، والسؤال هنا ليس إن كانت ستسقط بل متي؟ وما البديل؟

في أعقاب كل أزمة تضرب الاقتصاد الحر أو الرأسمالي تجد الأعين متجهة صوب البديل الأحمر، بديل تمت شيطنته على مدار الأعوام المنصرمة بالذات في الولايات المتحدة، حيث يظن الجميع أن الطالب الاشتراكي معهم في المحاضرة يخبئ أسلحة تحت فراشه ويعني لك ولجروك المدلل العديد من السوء ولكن مما تأتي كل هذه الشيطنة للأيدولوجيا الاشتراكية؟

يرجح البعض بأن هذا هو إرث الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ولكن قد يصدم التالي البعض من محبي العم سام، وهو أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كانوا حلفاء ضد ألمانيا النازية في وقت من الأوقات، أم كان ستالين وقتها بدون شارب ووقتما رباه اكتشفنا فجأًة الشيطان الأحمر الشيوعي.

فالرأسمالية ليست إلا تطور لاقتصاد المجتمع ككل ومن أجل فهمها يجب تفكيك المجتمع لوحدات أصغر حتى نفهم مشكلة الرأسمالية، وكيف ستنتهي لنحصل على الجواب؟

فإن تم استبدال «اللورد» بصاحب العمل أو البرجوازي و«الخادم» بالعامل أو البورليتاري يجب أن نحلل المكان الذي تتلاقى مصالحهم فيه بين مصلحة صاحب العمل المُستغِل ومصلحة العامل المُستَغَل، وهذا المكان هو العمل نفسه كما كانت قطعة الأرض في السابق، ولكن يجب أن نلقي النظر أيضًا  على الطبقة الوسطى ما بين الدنو للبروليتاريا والارتقاء للبرجوازية.

الطبقة الانتقالية التي لم يسعفها الحظ  من البحث والتدقيق في نشأتها وإمكانية تطورها، فقد تم تهميشها في أغلب المراجع الفلسفية وكتب علم الاجتماع نظرًا لانعدام وحدتها أو إمكانية تجمعها في قالب واحد ليلحق بركب صراع الطبقات المتنامي، تحليل خاطئ لتلك الطبقة من صغار الحرفيين وأصحاب التجارات الصغيرة وأصحاب الرواتب من المعلمين والأطباء تحليل خاطئ تنبأ به ماركس، وإن لم يتنبأ به حرفيًا ولكن فلسفة كارل ماركس المادية الجدلة في تحليل التاريخ تعطيه أفضلية في قراءة الواقع والتنبؤ بالمستقبل وعلى النقيض تمامًا لم يكن بمشعوذ أكثر منه بمحلل فقد قسم ماركس التاريخ إلى عدة من الصراعات، وتلك الصراعات طبقية بحتة وكل صراع طبقي هو صراع سياسي بالضرورة، وبالتالي يمكن تحليل التاريخ ماديًا بالنظر لتلك الصراعات لتنبأ من المسيطر ومن يتم السيطرة عليه وأي طبقة ستلتحم بالأخرى، وكانت الطبقة الوسطى مصاصًا للصدمات التي تحدث بين البرجوازية والبروليتاريا، ولكن مع تطور النظام الرأسمالي وتوالي الصدمات والأزمات الاقتصادية التي تضرب النظام باعتبارها وحدة واحدة تراجعت الطبقة الوسطى لتنضم لصفوف البروليتاريا، إما بسبب عدم مقدرتها على المنافسة في السوق ضد الرأسماليات الضخمة الاحتكارية، أم بسبب عدم قدرتها على التعافي من الأزمات الاقتصادية.

أما إذا قسمنا المجتمع الآن إلى طبقتين متناحرتين بمصالح متباينة. «طبقة العمال والطبقي الوسطى» كبروليتاريا وأصحاب العمل والمديريين التنفيذيين وما إلى آخره» باعتبارها طبقة برجوازية أو رأسمالية، ومن هذا الصراع المتباين بينهم سوف تولد العديد من التناقضات حتى تسيطر طبقة على الأخرى لا محالة، فطبقة العمال مع الوعي المتمثل في المنضمة حديثًا لها الطبقة الوسطى ستتشكل في حزب ثوري وستقود الطبقة العاملة الحراك ضد الرأسمالية وعلى الجانب الآخر سوف تستعين الطبقة الرأسمالية بالجيش النظامي لتحمي مصالحها ومن هنا سيأتي الصراع  ولكن السؤال هنا مما يأتي هذا التناحر وهذا الصراع الشبه أزلي، يأتي من فائض القيمة.

2- الساعة السعيدة

لهؤلاء العمال والحرفيين وأصحاب المهن على اختلافها توجد ساعة سعيدة في اليوم، وهي الساعة التالية لانقضاء ساعات العمل، لم تتساءل يومًا لما تلك الساعة بالأخص التي تحسب ساعةً سعيدة؟ وماذا عن باقي ساعات العمل إن كانت تلك سعيدة فالبتالي ساعات العمل ليست إلا ساعات من الشقاء على العامل ويأتي هذا الشقاء من رحم استغلال صاحب العمل للعمال، مكان العمل هو مكان تلاقي التناقضات وتباين المصالح بين 3 أشخاص

العامل.

المدير أو المشرف

صاحب العمل

مع تلاشي نظام العبودية باعتباره نظامًا غير إنساني بالمرة ثم تلاشي الإقطاع على يد البرجوازية، اختلفت المعادلة قليلًا في المسميات فقط، فالآن العامل يبيع ما لديه وهو قوة عمله لعدد معين من الساعات في مقابل أجر محدد ومتفق عليه من قبل بدأ العمل، فإن وفّى العامل ساعات عمله استحق أجرته، فالعامل هنا يبيع نفسه للرأسمالي مقابل حفنة من النقود، وتلك النقود تكفيه لتلبية احتياجاته اليومية من أكل ومشرب لكي يستطيع أن يأتي للعمل في اليوم التالي والوقفة هنا في أن ذلك المقدار يجب ألا يقل عن حد معين الحد الذي عنده لن يستطيع العامل القدوم للعمل مجددًا، ويأخذ الأجير أجرته ويضخها في السوق عن طريق شراء منتوج أو سلعة من بائع ما وما إلى آخره، وتستمر عجلة الإنفاق في السوق.

المدير أو المشرف الشخص المُعين من قبل الرأسمالي ليشرف على أداء العمال، وعن مدى استحقاقهم لأجرتهم والخصم منها عندما يخلوا بنظام العمل المتفق عليه وإن كانت ثورة العامل يومًا ما حتمية نظرًا لحجم الاستغلال الواقع عليه، أما ثورة المشرف لا يمكن التنبؤ بها فهو في الأخير مستفيد من الاستغلال الواقع على العمال حتى وإن لم ينتمي لطبقة البرجوازيا فهو مؤمن لمصالحها ليس أكثر

سواء كان هذا المؤمن مديرًا مباشرًا أو عضو في الجيش أوالشرطة النظامية في الدولة، الذي سيفرق إضرابًا للعمال وما إلى آخره.

صاحب العمل أو الرأسمالي المُتغذي على فائض القيمة ففي سياق النظام الرأسمالي يتركز جل اهتمام الفرد الرأسمالي في زيادة فائض القيمة النسبي، بانتزاع المزيد من فائض قيمة عمل العمال ويتحقق هذا من خلال زيادة كفاءة العملية الإنتاجية ورفع مستواها، فبتثبيت عدد محدد من الساعات التي يؤديها العامل تجاه الرأسمالي سيؤدي إلى زيادة العملية الإنتاجية بالتالي المزيد من فائض القيمة لصاحب العمل والمزيد من الأرباح أيضًا، والرأسمالية بطبعها تميل إلى زيادة الإنتاج لزيادة حجم فائض قيمة العمل، مع الأخذ في الاعتبار وضح قيود على الاستهلاك للعامل، بحيث تجعله ينتج الكثير من المنتجات أكثر مما سيستهلكها الأخير، وهذا البناء الاجتماعي يحتاج إلى طبقة تستهلك مما تنتج، وتلك هي الطبقة البرجوازية، فعندما انهار النمط الإقطاعي في الإنتاج انهارت معه الجماعات الاجتماعية المترابطة به التي كانت تستهلك أكثر مما تنتج أيضًا، وبذلك تحتم الضرورة على بلورة طبقة جديدة لتعوض هذا الانهيار، طبقة تتماشى مصالحها مع النظام الاقتصادي الراهن وتصبح أحد مبررات نمو الطبقة البرجوازية الرأسمالية وذلك المبرر العام مؤداه أن إذا كان عليها أن تنجو من أزمة تضخم الإنتاج يتحتم أن تنمو بداخل الطبقة نفسها طبقة برجوازية صغيرة لكي تستهلك كل هذا الكم من الإنتاج، ومع تراجع الطبقة المتوسطة لصفوف البروليتاريا لا يمكن لهذه المشكلة إلا أن تتفاقم بتفاقم الفوارق الطبقية ما بين 1% على القمة 99%على القاع، وقد أشار كارل ماركس لهذه المشكلة في العديد من كتاباته ومفاد طرح ماركس هنا أن مع توسع نطاق عمليات الإنتاج وتعقدها لتحقيق المزيد من الثروة، يجب أن تنمو طبقة غير منتجة تستهلك أكثر مما تنتج، وإن لم تطور الرأسمالية نفسها لاستيعاب تلك الطبقة بين صفوفها، فإنها هالكة لا محالة، وهنا تتبلور مشكلة الرأسمالية، لأنها نظام يقوم فقط على السعي للمصالح الشخصية وتراكم الثروة فهي نظام شخصي أكثر منه اجتماعي، فالرأسمالي لا يضع في ذهنه مشكلات طبقته وكيف أن الزيادة المهولة في الإنتاج ستصيب السوق بالشلل في المستقبل، فكل ما يهتم به هو تكديس أكبر قدر ممكن من الثروة عن طريق المنافسة في السوق بأدوات إنتاجية متطورة وتقليل الأيدي العاملة قدر المستطاع لتقليل التكاليف والاستفادة القصوى من فائض القيمة الذي يصنعه العامل، والآن لديك مجتمع تتركز فيه الثروة في أيدي حفنة قليلة من البشر، صفوف من العاطلين عن العمل إما سبب إحلال قوة عملهم بالماكينة أم بسبب شهاداتهم التي تحتم على صاحب العمل دفع أجرة مرتفعة لهم، ويذهب الأخير إما للمهاجرين من العمالة الرخيصة أو نقل حتى استثماراته لدول معروفة بانخفاض أجر العاملين فيها، والكثير من المنتجات بحيث لا تستطيع البروليتاريا أن تحوزها ولا يستطيع الرأسمالي أن يستهلكها جميعًا مجتمع كهذا انهياره محتوم لا محالة إنما هي مسألة وقت ليس أكثر.

الطريق للتغيير ثوري أم إصلاحي

من يمتلك مؤسسات الدولة يمتلك كل شيء فحتى إن اختلف الإصلاحي والثوري في التكتيك المتبع للتغيير فإنهم يتفقوا على أن من يضع قبضته على الدولة يستطيع أن يطوعها في خدمته، فالتحكم في مؤسسات الدولة ليست الغاية بل هي الوسيلة، فأنت تضع يديك عليها لكي تمرر أيديولوجيتك الجديدة لذا إن أردنا التخلص من الرأسمالية يجب أن نحذو حذوها ونفعلها بنفس الطريقة، بالحديد والنار ثورة عمالية يقف خلفها حزب ثوري يقود الجماهير في خضام الحراك الثوري ويقود فترة ما بعد الرأسمالية، لأن شبح الثورة المضادة يلوح في الأذهان فبدون تنظيم لم تنجح مرحلة ما بعد الثورة أو مرحلة اضمحلال الدولة وفي تلك المرحلة يجب على البروليتاريا استخدام وسائل القمع المتوافرة لدى الدولة لضحد الثورة المضادة، وتكون هي نفسها الديكتاتورية الجديدة، ديكتاتورية البروليتاريا ويعيب على هذا التصور الراديكالية في الطرح، فبالنسبة لأصحاب هذا التوجه المشكلة لم تكن يومًا في هذه الحكومة أو ذاك بل المشكلة في الطريقة الدي تدار بها المنظومة، لذلك لا يجب أن نستبدل حكومة بأخرى بل يجب أن نحطم العجلة ونبدأ في تكوين المجتمع الجديد.

ولكن عندما تنظر للمتحكم الحقيقي في الجيش النظامي والمنتفع الرئيسي من استمرار العجلة في الدوران، يجب أن تعلم أنه لن يستستلم بدون قتال، وإن فشلت الثورة سنفشل جميعًا، لذلك يجب أن نأخذ منحنى آخر، منحنى ديمقراطي إصلاحي، فيمكن حشد الطبقة العاملة تحت مظلة حزب سياسي، ونسيطر على الحكومة عن طريق الانتخابات وعن طريق الأصوات نحجز لنا الأغلبية في إدارة الحكم ونمرر الأجندة الجديدة، تصور ولكن لنا في سلفادور دالي وتشيلي عبرة فالدولة العميقة والدول الرأسمالية الكبري ستمنع ذلك حتى ولو ستمول جنرالات من الجيش لقمع ذلك التغيير كما حدث في تشيلي وسيظل التساؤل هنا أي طريق هو الأصلح؟ طريق البنادق أم الصناديق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد