في وقتٍ يستعجلُ فيه العالم الأوّل العَجَلة ذاتَها للبحْث عن كواكب أخرى للحياة، لا نزالُ نحن في هذه البُقع الصّفراء من الأرض، لم نحترف بعدُ كيفَ نُروّض السّننَ الكونيّة لِصالحنا ونتناغم معها لِنُوَفّر من اللّون الأخضر ما يحمي أنواع الأمن المختلفة.

فما بين سوء التسيير الداخلي وبين المؤامرات الخارجية وتراكمات الفرص الضائعة ، تتعطل الطاقات البشريّة، وأصبحت كل وحدةٍ زمنيّةٍ تمضي.. تزيد من حجم كُرَة الثلج، صامّة أذنيها عن زخم التوسّلات العاطفية والمناجاة الإلهية بدرء الثمار الفاسدة.

في نظر المؤرّخ ليس هناك ما يدعو للقلق، فالزّمن يَبلع مشاكِلَه بنفسه ليس بِحَلِّها ولكن بتجاوزها ، ومن زاوية السيّاسي لا شيء يستحقّ عناء التفكير ، كلّ شيء تحصيلٌ حاصلْ للأشياء التي قبْلَها تحتَ شعار بيْضة اليوم خير من دجاجة الغد.

لكن بالنسبة للمفكّر كل شيء يحتاج للتأمل، يعتبرُ مالك بن نبي الصّعوبات كَ ” أزمة نموّ وككل نموّ لابدّ له من تعبٍ وقلقٍ وألمٍ ، ذلك أنّه يقع في المجتمع وفي الفرد نفسه أيضا شيء من التطاحن بين قوى سلبية تدعوه للسكون وقوى إيجابية تدعوه للكدّ والعمل..إنها تدعوه بالقيام بالواجبات “… أما تويبني يعتبرها تحدٍ خلّاق لأنها تستحق الرّد عليها.

كما أن المفكّر لا ينصح بتاتاً باستسهال الأمور وترك الأجيال الصغيرة تتجرّع وحدها النتائج الكارثية لما خاطته الأيادي الكبيرة.

لكنني لن أقول لك ” الاسلام هو الحل! ” كما قال البنّا ، ولا أقول حل المشكلة في ثلاث نقاط كَ حكيم صيني يسكن قمة الجبل، لكن سؤال ” ما هو الحل ؟” ليس السؤال المناسب بل سؤال ” كيف أتحدّى؟ “

نعم هذه التراكمات القديمة والجديدة والمستجدّة التي تجبرنا على تبنّي اليأس، تنتظر منا أن نتحدّاها والفوز الحقيقي في هذه اللّحظة أن تجد لك نغَمًا خاصا بك تحت كل هذا الوابل الحارق.

تحدي القفز: قفزٌ على الغربة الوجودية ، على فكرة إنقاذ العالم من الشّر، قفز على فكرة العَدمية، قفزٌ على شعور العجز، فالعالم هو العالم والشّر فيه سيبقى حتى ينهيه ، والسلام المُطلق في الجنة، وأغلب الأحكام النهائية ستكون في السماء، فاكنُس من معتقداتك فكرة السوبرمان الذي سينقذ البشرية، لأن أسطورة الانقاذ أصبحت نكتة ، ولا رابح من تبني العدمية إلا اكتئابك.

تحدي التحرر: التحرر من قيود الحلبة المزدحمة بخيارات الآخرين وقراراتك المقيّدة بتصفيقاتهم ، حرّر أفعالك وقراراتك وأسلوب حياتك من رغباتهم ، كن أنت واشغل ذهنك بالحقيقي الذي ستقدّمه صافيا من تكرار النماذج ، بأن تفعل ما يجب كما يجب بحب.

اللجوء للفن والاتجاه للجمال:الفنّ تعبيرٌ عن النقص البشري بشكل ملوّن يقضي على العجز والضعف ، و محاولة للوصول للتوازن بين الملاك وبين الانسان المُتعب ، وكما يقول برتولد بريخت أن “النظرة الجمالية السائدة في مجتمع، يحكمه صراع طبقات يتطلب أن يكون الأثر المباشر للعمل الفني هو إخفاء الفروق الاجتماعية بين المتفرجين بحيث يستمتعون بالعمل ك وحدة انسانية شاملة “، كأنه ينقل تركيزنا من المعاناة الجماعية إلى إبداع الأنا فإبداع الأنوت وولادة جديدة للدهشة و الانبهار والشغف. كما يرى بن نبي لا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل، فإن لمنظرها القبيح في النفس خيالاً أقبح، والمجتمع الذي ينطوي على صور قبيحة، لا بد أن يظهر أثر هذه الصور في أفكاره وأعماله ومساعيه.

وقد بعثت الملاحظة لدراسة الجمال وتقديره في الروح الاجتماعية،واعتبر المثقفون الإحسان صورة نفسية للجمال. فبالذوق الجميل الذي ينطبع فيه فكر الفرد؛ يجد الإنسان في نفسه نزوعاً إلى الإحسان في العمل، وتوخياً للكريم من العادات.

و عند بن نبي أيضا الجمال له أهمية اجتماعية؛ إذا ما تم عده المنبع الذي تنبع منه الأفكار، وتصدر عنه بواسطة تلك الأفكار أعمال الفرد في المجتمع ، ومن هذه الجهة، فإن أزهد الأعمال له صلة كبرى بالجمال، فالشيء الواحد قد يختلف تأثيره في المجتمع باختلاف صورته التي تنطق بالجمال، أو تنضح بالقبح، وتظهر أثر تلك الصورة في تفكير الإنسان، وفي عمله، وفي السياسة التي يرسمها لنفسه، بل حتى في الحقيبة التي يحمل فيها ملابس سفره.

تراكم كل ذلك يحتاج إلى بصيرة صلبة ترى الحياة الحقيقية في التفاصيل الصغيرة التي تدهشنا وتبهرنا وعيون تستمتع بالاختلاف وتتكيّف مع المفاجآت كعالم كيميائي يبتسم للطفرات الجينية التي تجتهد للتعبير عن نفسها، واستعداد للمزج بين الشجاعة الحقيقية التي تعترف بأن الضوء الذي في آخر النفق قد يكون مصباح قطار قادم كما قال جيجيك وبين حكمة التشيكي كافكا “حتى لو لم يأت النصر فلنكن جديرين به حين يأتي ”

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد