لكل ثورة ثمن، وكل بلد يجب أن يدفع مريدو التغيير فيه فاتورة نفقاتها وخسائرها المادية والبشرية، حتى ترسوا سفن ثورتهم على شاطئ بر الاستقرار، ومن ثم تنطلق سواعدهم ببناء دولة العدل والمساواة والحريات والكرامة، وتطبيق كل المبادئ التي انتهكها الطغاة والمستبدون وأنظمتهم القمعية.

فالثورة الفرنسية مثلًا قامت ضد حكم الأباطرة والكنيسة وطغيانهم، ودفعت ثمن فاتورة ثورتها، لكنها وصلت بعد ذلك إلى إعلان جمهورية فرنسا المدنية الحديثة التي يُضرب بها المثل اليوم في تطبيق مبادئ العدل والمساواة. وكذلك الثورة الأمريكية ضد الاحتلال البريطاني والفرنسي والتي دفعت فاتورتها مئات الآلاف من القتلى والجرحى، لكنها انتهت بقيام الولايات المتحدة وإعلان مبادئ الدستور الأمريكي الذي صنع الهوية الأمريكية الجامعة لكل مواطنيها، وكان من ثمار تطبيقه أن أصبحت هذه الولايات المشتتة المتناحرة أعظم دولة تحكم العالم رغم تنوع ثقافات ولغات وأعراق وأجناس سكانها.

من هذا المنطلق، اشتعلت ثورات الربيع العربي التي ذاقت شعوبها أصناف الظلم والطغيان والاستبداد والفساد، لتتخلص من حالها وتستعيد كرامتها ومجدها، وتنعم بالحياة الكريمة التي طالما تحلم بها.

لكن رياح الثورات العربية جرت بما لا تشتهيه سفن ثوارها، فغرقت في طوفان البطش والتنكيل الذي لم تحسب له حسابا؛ ولسوء تقدير، لم تدرك هذه الشعوب المسكينة أن طواغيتها لن يترددوا في إبادتهم ومحوهم من على وجه المعمورة، وحرق الأرض تحت أقدامهم جزاء خروجهم عن بيت الذل والطاعة ومحاولة تغيير أنظمة أهلكت الحرث والنسل لسنوات طويلة.

لم تكن تدرك هذه الشعوب حقيقة ما ينتظرها من مستقبل قاتم أعده طواغيتهم منذ سنوات طويلة تحسبًا لهذه اللحظة، فالقاعدة لديهم تقول “إما أن تقبلوا بنا وتسبحوا بحمدنا ليل نهار وتصبروا على بلانا، وإما أن نرسلكم إلى اللحود ولا عزاء لكم”!

وحتى نستوعب حجم هذا البلاء العظيم الذي عانته شعوب الربيع العربي منذ عشرات السنين وخلال سنوات الربيع الخمس الماضية، سنذكر بالأرقام والإحصائيات الموثقة حجم الخسائر المادية والبشرية التي دفعتها هذه الشعوب، وما زالت تدفعها حتى اللحظة، فربما تكون لغة الأرقام أفصح لسان وأبلغ في وصف الحال من عشرات المقالات والكتابات.

ففي تقرير بثته قناة الجزيرة عن تكلفة ثورات الربيع العربي، ورد فيه عن إحصائيات للأمم المتحدة ومنظمات دولية أن الفساد الذي كان سببًا في اندلاع ثورات الربيع العربي ضد الأنظمة السابقة قد كلف تلك البلدان أكثر من ترليون (1000 مليار) دولار خلال الخمسين عامًا الماضية، منها الأموال المهربة والمنهوبة، ونحن نتوقع أن يكون الرقم أعلى من هذا بكثير، فالتقرير ركز على رموز الأنظمة من الرؤساء والحكام وثرواتهم الشخصية التي نهبوها خلال فترة حكمهم، ولم يرد على ذكر باقي اللصوص من وزراء وقيادات ومؤسسات عسكرية ومدنية ينهبون أحيانًا أكثر مما ينهبه الحاكم نفسه.

وبحسب إحصائيات الأمم المتحدة فإن الثروات الشخصية لبعض هؤلاء الحكام كالتالي: معمر القذافي 220 مليار دولار، بشار الأسد 122 مليار دولار، حسني مبارك 70 مليار دولار، علي عبد الله صالح 64 مليار دولار، زين العابدين بن علي 34 مليار دولار؛ وإذا ما جمعنا ثروات هؤلاء الخمسة فقط فإنها ستصل إلى مبلغ 508 مليار دولار. لذلك أجدني محقًا حينما قلت آنفًا أن كلفة فساد الأعوام الماضية لهذه الأنظمة تتجاوز ترليون دولار بكثير.

أما عن تكلفة وخسائر ثورات الربيع العربي المادية منذ عام 2011 وحتى عام 2014 فقد بلغت 168 مليار دولار بحسب الأمم المتحدة، بينما يؤكد معهد التموين الدولي أن الكلفة وصلت إلى 717 مليار دولار.

وسنوجز هنا توزيع هذه الخسائر المادية والبشرية على بلدان الثورات العربية فيما يلي:
تونس: 338 قتيلا و2100 جريحا، مع 16 مليار دولار خسائر مادية.

مصر: 847 قتيلا، 7250 جريحا في عام 2011، وبعد انقلاب السيسي على أول رئيس مدني منتخب “محمد مرسي” تضاعفت هذه الخسائر فوصلت إلى أكثر من 5 آلاف قتيل معظمهم في يوم فض اعتصام رابعة، وأكثر من 41 ألف سجين سياسي، 109 مليار دولار خسائر اقتصادية بسبب الانقلاب والثورة المضادة وغياب الاستقرار.

اليمن: 2000 قتيل، 22 ألف جريح في عام 2011، وبعد انقلاب مليشيات الحوثي وصالح على نتائج الحوار الوطني أواخر عام 2014 وصلت الخسائر البشرية إلى أكثر من 7 آلاف قتيل، وأكثر من 60 ألف جريح، وأكثر من مليون ونصف نازح، 30 ألف لاجئ، بينما وصلت الخسائر الاقتصادية لهذا البلد المنهك إلى أكثر من 20 مليار دولار بحسب إحصائيات جهات حكومية، وما زالت الأرقام في تصاعد حتى اللحظة.

ليبيا: 25 ألف قتيل، وأكثر من 50 ألف جريح خلال عام 2011، آلاف القتلى والجرحى منذ اشتعال الحرب بين قوى الثورة والثورة المضادة خلال عامي 2012 – 2014، وأكثر من 130 مليار دولار خسائر مادية.

سوريا: 220 ألف قتيل بحسب إحصائيات الأمم المتحدة، بينما تشير إحصائيات منظمات حقوق الإنسان أن الرقم قد يصل إلى 500 ألف قتيل، ومئات الآلاف من الجرحى، وأكثر من 8 مليون نازح و3 مليون لاجئ، بينما تجاوزت الخسائر المادية 202 مليار دولار.

وإذا ما قمنا بجمع هذه الأرقام فسنتوصل إلى نتائج مروعة خسرتها هذه الشعوب الخمسة على الصعيدين البشري والاقتصادي.
550 ألف من القتلى حتى اليوم، ولا تزال آلة القتل مستمرة، أكثر من 100 ألف جريح، وقرابة 14 مليون نازح ولاجئ. أضف إلى ذلك ملايين الأطفال الذين يتموا، والنساء التي رملت، والأمهات التي ثكلت.

إنها بصدق كارثة القرن الواحد والعشرين التي حلت بمنطقتنا العربية، لكن يبقى السؤال: من هو السبب في حدوث كل هذه الخسائر؟! هل هي الشعوب المقهورة المغلوبة على أمرها؟! أم هم الطواغيت وأنظمتهم الباغية؟!

لا أجد عاقلًا يعتقد أن الشعوب هي التي تسببت في كل هذا الدمار والخسائر المهولة، فهي لم تخرج لتقتل نفسها، بل خرجت تنشد كرامتها وتطلب حقها بحياة كريمة، وعدل وحرية ومستقبل مشرق وبطرق سلمية، بينما كان رد تلك الأنظمة وأولئك الطغاة هو الرصاص والقذائف والصواريخ والبراميل المتفجرة، ولسان حالهم يقول: إما نحن أو الطوفان من بعدنا.

ويبقى أن تعرف شعوب الربيع العربي أن الحرية والكرامة لا توهب أو تكتسب كما قيل، وإنما تنتزع؛ وأن الدرب ما زال طويلًا وفاتورة الخسائر ستظل مفتوحة حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد