أقنعوك أن الضحية تنتصر؛ فوجدت نفسك لا تتقن غير دور الضحية. «د/ أحمد خيري العمري»، هناك كمية لا تنتهي من «الوهم» في هذا العالم، والوهم الأكبر أن ترى كل هذا ولا تستطيع أن تغير فيه شيئًا، أن تقف عاجزًا، كل ما تفعله هو نقل «الضلال» من مكان حدوثة إلى الشاشة ليدخل بيوت الشعب كلها.

لماذا ندمن فقد المعاني، نستسيغ «الظلم، القهر، الزيف…» و لا ينال استنفارنا، لماذا نرى الحق باطلًا، والباطل «قاضيًا»، بحكم المعتاد من حولنا؟

لعلنا اليوم نمر بواقع أكثر ظلمة حيث يصبح الخطأ عاديًا منتشرًا مستشريًا، حتى تختلط المفاهيم وتتبدل، حتى يهيأ للمصيب أنه على خطأ؛ ففي عرف الجماعات ليس المخطئ من يرتكب الأخطاء بل المخطئ من كان مختلفـًا.

ولهذا أعلم أنني سأموت يومًا بجرعة حقيقة زائدة، يا زارع الحق بروحي أسألك بأن تنير ظلمات شعبي، أخشى أن يطفأ النور بداخلنا يومًا !، أنا الغائبة في «الاستقصاء» سيدي، أخاف أن يقتلعنا «الباطل» ذات يأس، هكذا يكون شقاء المعرفة!

الآن وبعد ثورتين ماذا حل بصوت السلطة الرابعة، فقط، أصبحت المتلونة حينًا التاجرة أحيانًا، ومع هذا «الإعلام الأسود» ينشط بتأييد جماهيري وشعبي، غارقين لآذانهم في بؤس الواقع، ولكن «مش أحسن من سوريا والعراق».

سيكولوجية إعلام «الدولة» ومتلازمة ستوكهولم

يعود منشأ مصطلح متلازمة ستوكهولم، إلى عام 1973، عندما دخل رجلان بنك كريديتبانكن بستوكهولم- السويد عازمين على سرقته، وسرعان ما حضرت الشرطة واقتحمت البنك، فقام اللصوص بإطلاق النار عليهم وتلا ذلك احتجاز الرهائن.

لمدة ستة أيام، احتجز اللصوص أربعة أشخاص في قبو البنك تحت تهديد السلاح، وأحيانًا يحيطونهم بالمتفجرات وأحيانًا أخرى يجبرون على وضع المشانق حول أعناقهم. ولكن عندما حاولت الشرطة إنقاذ الرهائن، قام الرهائن بمواجهتهم والدفاع عن الخاطفين ملقين باللوم على الشرطة!

«الجدير بالذكر أن أحد هؤلاء الرهائن المفرج عنهم قام بعد ذلك بإنشاء صندوق لتغطية أتعاب الدفاع القانوني لمحتجزي الرهائن!»

وهكذا ولدت «متلازمة ستوكهولم» والذي تعرف بين الأخصائيين النفسيين باسم «ظاهرة الآسِر والسجين الكلاسيكية»، وتفسر اعتقادات السجين بأنه لا يمكنه الهروب، مما يعني أن البقاء على قيد الحياة يجب أن يحدث في إطار القواعد التي وضعها الآسر بكل صرامة.

بشكل مبسّط يمكننا القول إن متلازمة ستوكهولم التي تحدث في حالات الاختطاف والأسر تتلخص في الخطوات التالية:

فتاة تجد نفسها أسيرة من قبل رجل يهدد بقتلها إن عصت له أمرًا بأي شكل من الأشكال، ربما أنه قد يعتدي عليها جسديًا أو جنسيًا أو لفظيًا أو جميعهم، وبالتالي تجد صعوبة في التفكير المنطقي للخروج من الأسر، حيث إنه وفقـًا للآسر فالهروب ليس خيارًا لأنه غالبًا ما سينتهي بقتلها، ففرصتها الوحيدة في البقاء على قيد الحياة هي طاعته ولا شيء غير ذلك.

مع مرور الوقت تصبح الطاعة من قِبل الأسيرة شيئًا حتميًّا، وفي الجانب الآخر يكون الآسر تحت العديد من الضغوط، وتغيّر مِزاجه وحالته يمكن أن يأتي بعواقب وخيمة على السجين، ولذلك معرفة ما قد يزعج الآسر ويفجر غضبه لكي تستطيع تجنبه تصبح استراتيجية بقاء أخرى، وبهذه الطريقة تكون على معرفة شبه تامة بخاطفها.

بعد فترة وجيزة القليل من الإحسان من قِبل الآسر – والذي يمكن أن يتضمن ببساطة عدم قتله للأسيرة بعد- ومواقف الآسر التي يبدو فيها كالمُنقذ بالنسبة للأسيرة، وفي ظل تلك الظروف العصيبة التي تهدد حياة الأسيرة، تجد أن أدنى تصرف عطوف – أو الغياب المفاجئ للعنف- يبدو كعلامة على الصداقة في ذلك العالم المرعب، وكل ذلك بدوره يتعلق بفكر الأسيرة لبقية حياتها.

يصبح الآسر شيئًا فشيئًا أقل تهديدًا مما كان عليه – أقرب إلى كونه وسيلة من أجل البقاء والحماية في الوقت ذاته – تخضع الأسيرة لما يسميه البعض «خداع الذات» من أجل البقاء على قيد الحياة نفسيًا وجسديًا، وكذلك للتخفيف من التوترات والضغوطات التي لا يمكن تصورها في ذلك الوضع، الأسيرة تصبح على قناعة تامة بأن الآسر هو صديقها وأنه لن يقوم بقتلها، ليس هذا فقط ولكنهما يمكنهما أن يساعدا بعضهما بعضًا للخروج من تلك الأزمة. الأشخاص في الخارج – والذين يحاولون إنقاذها- يبدون لها وكأنهم يريدون إيذاء هذا الشخص الذي هو بمثابة حماية لها من الأضرار، والحقيقة أن هذا الشخص هو مصدر الضرر الفعلي لها – في ذلك الوقت- والذي قد قامت بدفنه في مراحل عملية خداع الذات.

ويوضح الطبيب النفسي فرانك أوشبيرغ أن قيام المختطف ببعض الأعمال الطيبة تجاه المخطوفين، كتقديم الطعام لهم، من شأنه أن يحفز لديهم شعورًا بالامتنان «لمنحهم الحياة».

وأضاف قائلًا: «يتكون لدى الرهائن شعور إيجابي قوي أصيل تجاه خاطفهم، يرفضون من خلاله أن يكون ذلك الشخص هو من عرضهم لذلك الموقف، ويتأصل لديهم شعور بأنه هو الشخص الذي سيمنحهم الفرصة للعيش».

وهذا ما ينطبق على آلية عمل «إعلام الدولة» أو «إعلام الحاشية»، يتفنن في تضليل المجتمع ووضعه تحت ضغط «عاطفي، ونفسي» بكافة الطرق والأشكال وبالتالي يعتاد الشعب على طريقة الحكم تلك من القمع والذل لدرجة تجعله يخشى من التغيير حتى ولو كان للأفضل، وفجأة يتحول للدفاع عن هذا النظام القمعي ويذكر محاسنه القليلة بغض النظر عن مظاهر القمع والفساد الكثيرة المنتشرة في المجتمع.

فنحن دولة تصنع الطواغيت والفراعين، لا نسلم من فرعون إلا ويأتي فرعون آخر أكثر غلظة من سابقه، ومع كل فرعون جديد نظل نحن الميتين في «هوجة الغضب» ونحن القاتلين أيضًا في ذات الهوجة، نحن الكراهية العمياء والمحكوم البائس الذي ينتصر في معركة الخبز فيخسر في معركة «الآدمية».

ويدعم هذا تفسير الطبيب الفرنسي «جوستاف لوبون» في كتابه الأشهر «سيكولوجية الجماهير» قائلًا:

«الجماهير مجنونة بطبيعتها، فالجماهير التي تصفق بحماسة شديدة للقائد العظيم الذي تؤيده تعيش لحظة هلوسة وجنون، والجماهير المهتاجة التي تهجم على شخص لكي تذبحه دون أن تتأكد من أنه هو المذنب هي مجنونة أيضًا، فإذا ما أحبت الجماهير دينًا ما أو رجلًا ما تبعته حتى الموت، كما يفعل اليهود مع نبيهم والمسيحيون المتعصبون وراء رهبانهم والمسلمون وراء شيوخهم، والجماهير اليوم تحرق ما كانت قد عبدته بالأمس، وتغير أفكارها كما تغير قمصانها، فالجماهير التي تضرب عن العمل تفعل ذلك من أجل إطاعة الأوامر أكثر مما تفعله من أجل الحصول على زيادة الرواتب.«

أيضًا البوصلة التاريخية لشعب مصر وحكامها لا تخلو من صناعة «الإفك»، على سبيل المثال في عهد الدولة الأموية، أشاع الأمويون ودعاتهم في المساجد أن معاصيهم وأعمالهم «تسير بقدر الله، فلا راد لقضائه» وأن أي اعتراض على أفعالهم إنما هو اعتراض على قدر الله! وهو ما يسمى في التاريخ «بالجبرية»، ونسميه نحن «الحكم بالحق الإلهي».

وهكذا توسل الأمويون عقيدة فاسدة ليشرعوا حكمًا ظالمًا جائرًا، واستخدموا فقهاء السلطان كأداة لفرض هذه العقيدة، ونشروا أحاديث مكذوبة لتأييدها، واستخدموا الشعراء للدعاية لها، فنجد الشاعر الشهير «جرير» يمدح الخليفة الأموي «عبد الملك بن مروان» قائلًا:

الله طوقك الخلافة والهدى.. والله ليس لما قضى تبديل

وما زلنا ننتهج تلك الأساليب باختلاف مضامينها؛ فنحن اليوم نروج لفكرة أن «الرئيس هو الوطن»، ويبقى كل ما يفعله الشعب التصفيق لجرعات أبوّة حانية من الرئيس عبر خطبه، يوقعون أحلامنا على «بياض» لأنهم يؤمنون بحديث العواطف والنوايا الطيبة كونها فضفاضة، ولأنهم «أحسن من سوريا والعراق».

القاعدة الأولى: السذج في تَبعيتهم يكونون أشد خُطورة على الوعي البشري.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد