في الوقت الذي تتحول فيه الألعاب إلى أمجاد وإنجازات لا تعجبْ أن يغيبَ عن أحد الرموز الوهمية أن بلد المليون شاعر – كما يُطلق عليها البعضُ- بلدٌ عربي وظهر هذا الجهل خلال لقاء المذيع بعدد من المشجعين على هامش استضافة مصر بطولة كأس أمم أفريقيا لكرة القدم؛ حيث سأل المذيع الرياضي شابًا موريتانيا (يعد لدرجة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية) عن سر حديثه باللغة العربية، وهو ما أثار دهشة الشاب وحاول إخبار شلبي أن اللغة العربية هي لغته الأصلية، ليكتشف شلبي في النهاية أن الشعب الموريتاني شعبٌ عربي، وأن لغته هي اللغة العربية، ولم يكتف المذيع، بل زاد الطين بلة حيث أسمع الشاب كلمة أجنبية ok، أراد بها أن يُفسد على الشاب لغته، وأن يُعلمه أنه مذيع مخضرم ومثقف!

وبعد أن علمنا فجأة أن موريتانيا بلد عربي يتكلم العربية فماذا تعرف عن واحدة من أكبر الدول العربية مساحة وأقلها سكانًا؟ آن لنا أن نعلم:

أن هذا البلد بلد عربي أفريقي مسلم، ومن أهم مدن هذا الإقليم شنقيط وكانت العاصمة الثقافية لموريتانيا حتى نهاية القرن الماضى، وكانت موريتانيا – منذ ذلك الحين – تسمى بلاد شنقيط، ويسمى شعبها الشناقطة، وسميت في القرن الحاضر باسم «موريتانيا» وهو الاسم القديم الذي كان يطلقه الرومان عليها وعلى المغرب الأقصى.

اللهجة العربية السائدة في موريتانيا من أقرب اللهجات إلى الفصحى حيث انتشرت العربية في موريتانيا مبكرة على ألسنة بني وارث الصنهاجيين منذ أسلموا على يد عقبة بن نافع (50هـ‍/671م – 55هـ‍/675م).

أخذ الإسلام ينتشر بين الصنهاجيين في صحراء موريتانيا لعهد موسى بن نصير (86هـ‍/705م – 96هـ‍/715م) وأخذ يتسع انتشاره بين القبائل الصنهاجية الصحراوية في القرون الهجرية الثاني والثالث والرابع، وكان يعتمد حينئذ على الصلوات الخمس وما يتلى فيها من القرآن، وما يتلوه الشيوخ في المساجد من القرآن الكريم والحديث النبوي.

القبائل الحسانية الموريتانية لا تزال تحتفظ بميراثها من الألفاظ وأوزان الأشعار وأغراضها، مما يدل دلالة قاطعة على أنها كانت لا تزال تحتفظ بسليقتها العربية التي توارثتها منذ مئات السنين، وهي سليقة تشهد بأن هذه القبائل لا تزال قبائل شعر وقصيد كما كان آباؤهم الأولون.

وبذلك توارث سكان موريتانيا السليقة الشعرية العربية، وعمل الإسلام في أن تستمر الفصحى على ألسنة كثيرين إذ دارت على ألسنتهم في حفظ القرآن الكريم وتعلمه وفيما أكبوا عليه من العلوم الإسلامية، وقد مضوا يتعلمون العربية ويتعمقون في دراسة أشعارها الجاهلية على مر العصور.

للمرأة الموريتانية دور كبير في نشر العلم والثقافة العربية فكانت تقوم على تعليم الناشئة حتى الثانية عشرة أو الثالثة عشرة سواء الذكور أو الإناث، تعلمهم الكتابة والذكر الحكيم؛ مما جعل التعلم في موريتانيا منذ القرن الحادى عشر الهجري – وربما قبله – عامَّا في البلدان والقبائل جميعها.

موريتانيا، هي بلد المليون شاعر، حيث يقول النقّاد: إذا مات شاعر ولد شاعر. موريتانيا، هي بلد المليون مخطوط، حيث يقول النقّاد: إن تلف أو ضاع مخطوط، فهو يُعتبر ضياع لثروة قيمة جدًا.

ليس عجبًا حين نعلم أن الأطفال يتم تعليمهم الأحرف الهجائية من خلال إسماعهم القصائد الشعرية؛ حيث يقوم معلمو أطفال البدو الرحل بالتهجئة للأطفال عبر قصائد الشعر، فيتعلم الطفل حروف الأبجدية عبر حفظه قصائد منتقاة، وغالبًا ما تكون قصائد من عيون المديح النبوي كالبردة والهمزية، وما إن يتعلم الطفل حروف التهجئة حتى يكون قد حفظ قصائد غنية معنى ولغة، وهو ما يساهم بشكل رئيس في تهيئة ذوقه الشعري ويجعله يتدرب على الموسيقى الشعرية، والصور البلاغية بدون أن يدري.

يبدأ الطفل الموريتاني في هذه الأحياء المرتحلة علاقته بالشعر وهو في سن مبكرة. ولا غرابة إذا وجدت طفلًا في الخامسة من عمره يحفظ قصيدة طويلة مثل الميمية لابن قيّم الجوزية، وقد كان هذا الأسلوب في التهجئة للأطفال – الذي بدأ يتراجع – منتشرًا بين قبائل العلم والشعر، ويرجح أنه ساهم في تحضير الذائقة الشعرية لأجيال من الأطفال الموريتانيين عبر القرون.

أن هذ البلد يشتهر بعلمائه في شتى الفنون والعلوم من قراء ومفسرين ومُحدِّثين وفقهاء واشتهر منذ النصف الأول من القرن الحادي عشر الهجري العلامة محمد بن سعيد اليدالي الديماني بتفسير قيم لكتاب الله العزيز في مجلدين سماه «الذهب الإبريز على كتاب الله العزيز»،

ومن أئمة الحديث في موريتانيا: محمد بن الحاج عثمان الجمانى في النصف الأول من القرن الحادى عشر وهو تلميذ نور الدين الأجهورى شيخ المالكية في مصر، ومن أئمة المحدثين عمر بن محمد بن عبد الله المحجوبى المتوفى سنة 1070هـ‍/1650م وله في صحيح البخارى سند يصله بمؤلفه، وله مصنفات كثيرة منها: مقدمة في الفقه فأرجوزة في علم الكلام.. ومنهم أحمد بن خليفة محدث شنقيط المتوفى سنة 1188هـ‍/1775م وكان يقرئ صحيح البخارى وكتاب الشفاء للقاضي عياض.

وللفقه أعلام كثيرون من الفقهاء كانوا منبثين في كل بلد وكل حي من أحياء القبائل نذكر منهم الفقيه محمد الملقب بالتنبكتى.. ومنهم سيد أحمد الولى بن أبي بكر المحجوبي قاضي ولاته وإمامها ومدرسها وكان ماهرًا في التفسير والنحو ويحفظ مقامات الحريرى، توفي سنة 1095هـ‍/1684م.

وكان يقال من فاته الحسن البصرى بمواعظه فعليه بالحسن اليوسي، ومن فاته اليوسي فعليه بالحسن بن أغيد، وكان إمامًا فى الفقه والحديث مستحضرًا لهما مشاركا فيهما، وهما من علماء موريتانيا.

وتزدهر الدراسات النحوية في موريتانيا منذ القرن الحادى عشر الهجرى/السابع عشر الميلادى، ومن أعلام النحاة الذين اشتهروا بعلم العربية وتعليمها المختار النحوي، ومحمد بابا بن محمد الأمين، وله عدة مصنفات، أهمها شرحه لألفية السيوطي في النحو وسماه: المنح الحميدة في شرح الفريدة، توفى سنة 1014هـ‍/1605م. وممن نلتقي به بعده من النحاة في آخر القرن وصدر القرن التالي أبو بكر الطفيل بن أحمد، وكان نحويًا فقيهًا منطقيًا ونظم كتاب قطر النّدى في النحو لابن هشام في 400 بيت، توفي سنة 1116هـ‍/1704م، وكان يعاصره محمد بن موسى بن إيجل علامه تشيت، وكان فقيها نحويًا لغويًا أصوليًا بيانيًا عروضيًا منطقيًا، وله في النحو أوراقه المشهورة التي انتفع بها طلبة موريتانيا سماها: «كشف النقاب في قواعد الإعراب» وشرحها.. ومنهم عبد الله بن الطالب أحمد الشنقيطى، كان عارفًا بأصول الدين قارئًا فائقًا في العربية وعلوم البلاغة لا يبارى – كما يقولون – ولا يجارى، له مؤلفات مختلفة في القراءات السبع والفقه والحديث، وله شرح على الكافية لابن الحاجب ومقدمة في النحو للمبتدئين، وشرح على الألفية، وله شرح كبير وصغير لقصيدة بانت سعاد وشرح للامية العرب، وشرح على نظم التلخيص للقزويني وشروح أخرى كثيرة.

يقول الشنقيطى: «لا يوجد من بين قبائل الزوايا ذكر أو أنثى إلا يقرأ أو يكتب، وإن وجد في قبيلة غير ذلك فإنه نادر بحيث لا يوجد في المائة أكثر من واحد على تقدير وجوده». وكأن الأمية تلاشت نهائيًا فى قبائل الزوايا، وهى إن لم تنحسر في القبائل الموريتانية الأخرى نهائيًا فإنها -هي والبلدان الموريتانية -كانت تسارع إلى التعلم، يدل على ذلك فى مدينة ولاته مثلًا أنها كانت مركزًا كبيرًا من مراكز الثقافة العربية، وأن علماءها كانوا كثيرين كثرة مفرطة، وأخذت شنقيط وغيرها من مدن موريتانيا تزاحمها في هذا المركز أو في هذه المكانة.

ولعل فيما ذُكر ما يدل بوضوح على أن التعرب في موريتانيا كان آخذا في النمو السريع منذ القرن الحادى عشر الهجرى، بفضل من نزل فيها من قبائل حسان وما بثّوا فيها من الاستعداد للتعرب، وبفضل إكباب أهلها على التعلم، بحيث أصبح فيها كثرة من العلماء في كل علم وكثرة مماثلة من شعراء الفصحى، بل حتى يخيّل إليك كأن الموريتانيين جميعًا كانوا شعراء.

إن الموهبة التي حباها الله للشناقطة لا يوجد لها مثيل، لا في زمان ولا في مكان.. لقد حفظ الله بهم العلوم و الدين، وجعلهم الله ذخائر دينه وكنوزه، فرضي الله عن كل شنقيطي بما حفظ في صدره من علوم المسلمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد