يبدو أنَّ الإعلام الإخباريّ العربيّ قد خلع عن عاتقه الجبّة الإعلاميّة الغربيّة ولبس عباءة إعلامية عربيّة جديدة بدت بعض معالمها في الأفق. الدارس للإعلام الإخباريّ العربي يلاحظ أنَّ بعض القنوات العربيّة قد بلغت مرحلة الفطام وتحاول تكوين مدرسة إعلامية عربية جديدة خاصة بها. وأنا أقول «جديدة» لأنها تختلف عن المدرسة الغربية الأنجلوساكسونية وعلى رأسها المدرسة البريطانيّة المتمثلة بمحطة الـBBC، التي تمكّنت من الإعلام العربي الحديث ردحًا من الزمن وما زالت. وهي تختلف بالطبع عن المدرسة الإعلاميّة العربيّة التقليديّة في تبجيل الحاكم وتهميش المحكوم. فما معالم هذه المدرسة الجديدة؟

إنَّ معالمها موجودة في صنف جديد من أصناف التقارير الإخبارية بُذرت حبوبه منذ سنوات، وسُقيت بحبر المديح الصحفي ردحًا من الزمن، فتمكّنت جذوره واشتدّ عوده وأورقت أغصانه وتكاد تبزغ براعمه: إنَّه «التقرير الإنشائي». الواضح أن الاسم يحمل تناقضًا في ذاته، فكيف يكون التقرير إنشاءً؟ بمعنى كيف يُوصف أسلوب الكتابة التقريريّة بالإنشائي؟ السبب بكل بساطة أنَّ المحطات الإخباريّة تُصر على تسمية هذا الصنف من الكتابة الإخباريّة بـ«التقرير» مع أنَّ لغته إنشائيّة وخصائصه تكاد تخالف خصائص التقرير الإخباريّ «الموضوعي» بالكامل. فإن سمته المحطات بـ«التقرير»، فلا أجد بدًا من تبني الاسم ذاته مع إضافة صفة «الإنشائي» عليه لتمييزه عن أصناف التقارير الأخرى.

الخطير في الأمر أنَّ خصائص التقرير الإنشائي تتجاوز مسألة الأسلوب اللغوي في الكتابة إلى عناصر إخبارية أخرى، كانت تُعد من الأسس المهنيّة والأخلاقيّة للكتابة الصحفيّة، ولم يُسمح حتى الآن بالتعدّي عليها بأي شكل من الأشكال. من أهم هذه الخصائص مسألة وقوف الكاتب الصحفي على الحياد ومحافظته على توازن التقرير من خلال عرض وجهات نظر مختلفة لم يعد لها وجود في التقرير الإنشائي على الإطلاق، وإن وُجدت وجهات نظر فتراها تَصب كلها في اتجاه واحد وتأتي لتأكيد فكرة راوي التقرير الإنشائي وحسب. وأنا أقول «راويًا» وليس «معدًا» لأن كاتب التقرير الإنشائي يستخدم أساليب لغوية أدبيّة وكأنه يكتب رواية، فيستخدم المحسنات اللغوية جميعها، ويستخدم أسلوب تقمّص الشخصيات، فيُنطقها بما لم تنطق على أرض الواقع، كما في تقرير لفوزي بشري عن الرئيس المصري السابق حسني مبارك بداية الثورة المصرية، إذ قوّل الرئيس المصريّ ما نصّه: «أليس لي حكم مصر خولنيه الدستور ولي البرلمان أصرّفه بغالبية حزبي كيف أشاء، أعدّله حتى يوافي رغبتي المخلصة في خدمتكم دورة بعد دورة!». وتُدرج في التقرير الإنشائي آيات قرآنية كما في تقرير لبشري أيضًا بدأه بآية «اليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية» ليصف بها مصير فرعون مصر الحديثة: حسني مبارك. وكذلك الأبيات الشعريّة تكاد تصبح سمة لازمة للتقارير الإنشائية كما نقل ماجد عبد الهادي بيتًا من الشِعر لفراس الحمداني يقول فيه «يا للرجال! أما للحق منتصر من الطغاة وما للدين منتقم؟!» في تقرير إنشائيّ له حول حلب، والذي وردت فيه أيضًا عبارات باللغة الإنجليزية كعبارة «!Save our town».

وهذا «الرواي» لا وجه له في التقرير الإنشائي، إذ إننا نسمع صوته لكننا لا نرى محيّاه، وهو أشبه بحكواتي الأراجوز، يروي روايته خلف ستار معتم في الخفاء، وهو بذلك يختلف عن المراسل الإخباريّ الذي يُراقصنا في ظهوره، تارة في وسط التقرير وفي آخره تارة أخرى.

كما لراوي التقرير الإنشائي لازمة لغوية وأسلوب متكرّر يمكن تتبعه في جميع التقارير التي يرويها، ونادرًا ما يغيّره، وهذا واضح في تقارير ماجد عبد الهادي وفاطمة تريكي وفوزي بشري وغيرهم. وهذا الأخير يُفضّل تحوير بعض الآيات القرآنية لتناسب مقاصده، ويتعكّز عليها لإظهار بلاغته وفصاحته اللغوية. يُعجِبُ الأسلوب الإنشائي هذا كثيرًا من المتابعين ويثير دهشتهم وخصوصًا «عشاق العربيّة» منهم، إلا أنه يثير سخط الكثيرين أيضًا ولا يخفون امتعاضهم منه، لما يشعرون به من تحيّز ومن تعالٍ لغويّ عليهم ودغدغة مقصودة لمشاعرهم.

المعروف أنَّ الفعل الماضي هو الفعل الطاغي عند كتابة التقرير الإخباري، وهو فعل ينقل الوقائع والحوادث ويعرضها وكأنها حقائق، إلا أنَّ التقرير الإنشائي يتقلّب بين الفعل الماضي والمضارع المستمر والأمر في فقرة واحدة! كما أنَّ بناءه لا يعتمد أي صنف من أصناف بناء التقارير الإخبارية المعروفة كالبناء الزمني الآني والتاريخي والخلفياتي والموضوعي والمكاني والتمثيلي. فبعضهم يبدأ بالحديث عن موضوع وإذا به يقصد موضوعًا آخر! كتقرير فوزي بشري المشهور عن التفحيط السياسيّ في منطقة الخليج. ولا يخشى راوي التقرير الإنشائي أن يشير إلى ذاته أو مؤسسته الإعلامية ضمنيًّا أو بصورة مباشرة في نصّ تقريره، ولا يتخفى وراء عبارة «كما يرى المراقبون» الدارجة في تقارير المراسلين. كما أنَّ المادة الفيلميّة في التقارير الإنشائية دورها ثانويّ مقارنة بالتقرير الإخباري والثقل كله يقع على عاتق النص، وما صور التقرير الإنشائيّ وحتى مقتطفاته الصوتيّة إلا مطيّة يمتطيها «حكواتي الأراجوز» ليروي قصته من خلالها على الشاشة.

للتقرير الإنشائي الحديث قرين في الإعلام العربي التقليدي. إلا أنه يختلف عنه في كثير من الخصائص. فالتقارير الإنشائية التقليديّة تقدّس الحاكم وتستخدم عبارات التفخيم والتبجيل وتغرق في بحر العبارات الوطنيّة ومدح ذات الحاكم ورجالاته، إلا أنَّ التقرير الإنشائي الحديث له أسلوبه المعاكس تمامًا، وكأنه ينتقم من قرينه القديم/ الحديث، فتراه تقريعيًّا فيما يخص الحكّام ورجالاتهم ولا يستخدم عبارات التفخيم والتبجيل إلا في مواطن السخرية والاستهزاء.

وبالرغم من كل هذا ظلّت مقدّمة مذيع النشرة الإخبارية للتقرير الإنشائيّ خبريّة محضة لا تناسب المقام. فالأمر أشبه بحكواتي أراجوز ماهر ينقصه طبّال يدعو الناس إليه، فمتى «يطبّل» مذيع النشرة الإخباريّة لراوي التقارير الإنشائية حتى تكتمل الصورة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد