في العشرين من مايو (أيار) 1999، كان بيتنا الصغير يضج بالضيوف، كل العائلة تجمعت، أصوات عالية، اتشاح بالسواد، وأنا في السابعة من عمري، ربما كنت قبل ذلك الحدث ألعب مع أبناء شارعنا، أحاول أن أتعرف على المشهد، وعن سبب هذا الحشد، كانوا جميعًا في الأسفل، وكنت في الأدوار العالية، هبطت، كل ما أتذكره، شيء من آثاث البيت وقع على الأرض وأحدث صوتًا عاليًا، ما زال صداه في أسماعي، وأختي الكبيرة وصلت لتوها من القاهرة، انهارت على عتبة بيتنا، الآن فهمت، أبي توفاه الله، لا أتذكر نهاية القصة، لكنهم أخبروني بعد سنين، أنني انسحبت من المشهد، وشاركت أحد الأصدقاء اللعب على أرجوحة صنعت من حبال مهترئة، لكنها كانت تتحملنا حينها. كذبت تلك القصة في كل وقت ذكرت فيه أمامي، ولكن سيدي الرئيس الآن أصدقها.

المشهد يعاد من جديد، أستيقظ مساء 17 يونيو (حزيران)، الهاتف يزدحم بالرسائل، والصور تتشح بالسواد، وكل الكلمات أصبحت تتحدث عن استشهادك سيدي، صدمت ولكن فهمت أسرع تلك المرة، لم أعلم ما ينبغي علي فعله حينها، صمت طويلًا، ربما إشاعة، نعم يحدث هذا في بلادنا كثيرًا، أحاول قراءة الأخبار ومشاهدة ما كتبه الأصدقاء، جميعهم أكدوا الخبر، عندما كنت في السابعة هربت من خبر كهذا بمشاركة صديقي اللعب على أرجوحة، الآن أنا في السابعة والعشرين، أعترف لك سيدي الرئيس، أردت أن أهرب مرة أخرى إلى تلك الأرجوحة، لا أدري ماذا أفعل وكيف، أخبرتك منذ قليل أن حبالها كانت مهترئة، بالتأكيد لما تصمد طيلة 20 عامًا، تقطعت الأحبال وكبر صديقي، وما عادت الأرجوحة موجودة، فكيف أفعل؟

منذ 17 يونيو، أصحو كل صباح على الخبر ذاته، وفاة الدكتور محمد مرسي أثناء محاكمته، الصدمة، والصمت، والذهول، وكل المعاني التي ربما تعبر عن تلك الحالة، هذا الخبر لا يستطيع المحب سماعه مرة، فكيف لي أن أسمعه كل صباح للمرة الأولى، هذا المشهد الأيسر في القصة، كيف لنا يا سيدي أن نتخيل ألمك كل يوم؟ لا نستطيع الأولى ولا الثانية، ربما نحاول تحمل صدمتنا كل صباح، لكن لا نقدر على تخيل ألمك في كل مرة، نتمنى لو أنه حتى لما يحدث تلك المرة، لكنه حدث، ربما رحمة بك وجائزة من الله الكريم لك على ما قد بذلت.

الكثير من أصدقائي وأحبائك تحدثوا معي، الجميع في ذهول، الغضب والحزن يسيطر عليهم، كنت مثلهم في بداية الأمر، ولكن شعرت بالأنانية تجاهك سيدي الرئيس، قلت لنفسي أهناك أفضل من هذه النهاية؟ أليس سعادة المحبوب تسعد الحبيب أكثر، أعلم أنك سعيد، لهذا بعد قليل من الوقت تملكني الرضا بقضاء الله وقدره، والسعادة بتلك النهاية، ليس أقل من تلك النهاية كانت تليق بك.

سيدي حقيقة الأمر في هذه الدنيا، أن الاختبار فردي، كل منا يخوض اختباره على حدة، ولو ظهر عكس ذلك، «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)» (آل عمران)، تعرضت لهذا وأكثر وصبرت وصمدت، وأتممت اختبارك على خير، لهذا أنا سعيد لك يا سيدي، ولست حزينًا على تلك النهاية، غدًا تقول: «قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا». وقريبًا يصرخ القاتل: ما لي ولسعيد بن جبير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد